رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ودعنا صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله في مشهد مهيب لم تشهد بلادنا مثله.. وودعته أمته العربية وودعه العالم الإسلامي أجمع..
نعم رحل الأمير الوالد.. ولكن إرثه باقٍ، وذكراه خالدة في قلوب شعبه وأمته، سيظل أهل قطر يذكرونه دوما وسيظل التاريخ يذكره كقائد شجاع، وفارس نبيل، ورجل دولة حكيم، جمع في وقت واحد بين القوة والرحمة، وبين الحزم والإنسانية وهذه الصفات قلما تتوفر في قائد مثل الأمير الوالد رحمه.
ففي رثاء القادة الكبار مثل الأمير الوالد، لا يكون الرثاء تعدادًا للمنجزات، بل قراءة لعلاقة الإنسان بالوطن وشعبه، وكيف يترك القائد أثرًا يستمر بعد غيابه. وفي حالة المغفور له بإذن الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإن الحديث لا ينحصر في مرحلة زمنية مضت، وإنما في مشروع دولة كبير وعظيم ما زالت ثماره تتجدد، ومسيرة وطن تتواصل بثبات بإذن الله.
حين يترجل الكبار... يبقى الوطن شاهدًا
هناك قادة يمرون في صفحات التاريخ، وهناك قادة يصنعون التاريخ نفسه. وعندما يرحل هؤلاء، لا ترثيهم الكلمات بقدر ما ترثيهم المدن التي شهدت أحلامهم وطموحاتهم، والمؤسسات التي قامت على رؤاهم، والأجيال التي كبرت في ظل ما صنعته أيديهم من خير.
تغلب على التحديات
نقول برحيل المغفور له بإذن الله صاحب السمو الأمير الوالد فقدت قطر قائدًا ارتبط اسمه بأكبر تحول عرفته الدولة في تاريخها الحديث. فقد تسلم سموه قيادة الوطن في مرحلة كانت التحديات فيها كبيرة، لكن الرؤية كانت أكبر، والإرادة كانت أصلب، فبدأت رحلة بناء دولة حديثة منذ عام 1995 لا تقيس نجاحها بحجمها الجغرافي، وإنما بما تستطيع أن تقدمه للعالم من نموذج في التنمية والإنسان.
لم يكن التحول الذي شهدته قطر في عهد صاحب السمو الأمير الوالد مجرد توسع عمراني أو نمو اقتصادي، بل كان انتقالًا من مرحلة إلى مرحلة، ومن طموحات محدودة إلى مشروع وطني متكامل.
بدل ملامح الدوحة
خلال سنوات قليلة - نحو 18 عاما - تبدلت ملامح الدوحة، واتسعت شبكة الطرق والجسور، وشُيد مطار عالمي وميناء حديث، وتأسست مدن جديدة ومناطق صناعية ومنشآت رياضية عالمية وثقافية، حتى أصبحت قطر واحدة من أكثر الدول تطورًا في البنية التحتية، ليس في المنطقة فحسب، بل على مستوى العالم.
الأمير الوالد كان يدرك أن العمران وحده لا يبني الأمم، وأن الاستثمار الحقيقي - اليوم وغدا في المستقبل - يبدأ بالإنسان. لذلك جعل التعليم ركيزة أساسية لمشروع النهضة. فشهدت البلاد توسعًا غير مسبوق في الجامعات والمؤسسات التعليمية، وأصبحت المدينة التعليمية نموذجًا عالميًا يجمع نخبة الجامعات الدولية في مكان واحد، إلى جانب دعم البحث العلمي والابتكار، وإطلاق المبادرات التي تؤمن بأن المعرفة هي الثروة التي لا تنضب.
طور الخدمات الصحية
وفي قطاع الصحة - وبفضل رؤيته وطموحه - انتقلت قطر إلى مرحلة جديدة من الخدمات الطبية المتقدمة، فأنشئت المستشفيات والمراكز التخصصية، وتطورت منظومة الرعاية الصحية، وأصبحت الدولة قادرة على تقديم خدمات علاجية تضاهي أفضل النظم الصحية في العالم، انطلاقًا من إيمان بأن صحة الإنسان أساس التنمية.
أما في السياسة الخارجية، فقد رسخ الأمير الوالد نهجًا جعل من قطر دولة ذات حضور مؤثر يفوق مساحتها وعدد سكانها. انتهج سياسة تقوم على الحوار والوساطة، وأسهمت الدولة في تقريب وجهات النظر بين أطراف عديدة في نزاعات إقليمية ودولية يعرفها كل العالم حتى أصبحت الدبلوماسية القطرية مدرسة قائمة على بناء الجسور، وتغليب الحلول السلمية، والبحث عن الاستقرار.
حافظ على الهوية
وفي الوقت نفسه، لم تنفصل التنمية عن الهوية. فقد أولى - سموه رحمه الله - اهتمامًا كبيرًا بالحفاظ على التراث القطري، فكان مشروع إعادة تأهيل سوق واقف نموذجًا للجمع بين الأصالة والمعاصرة، كما حظيت الثقافة والمتاحف والفنون بدعم كبير، تأكيدًا على أن الأمم لا تبنى بالإسمنت وحده، بل بذاكرتها الحضارية أيضًا.
ورغم كل هذه الإنجازات، ظل الجانب الإنساني حاضرًا في شخصية سمو الأمير الوالد رحمه الله. فقد عرفه المواطنون قريبًا منهم يزورهم في مناسباتهم وفي أفراحهم وفي أتراحهم، يستمع إلى آرائهم لأنه يؤمن بأن التنمية يجب أن تنعكس على حياة الإنسان اليومية.
القائد الإنساني
كما امتدت أيادي قطر في عهده إلى شعوب كثيرة عبر المساعدات الإنسانية والتنموية فأغاث الفقراء والمحتاجين ووفر لهم المدارس والمستشفيات والمراكز الصحية فأصبح العمل الخيري والإغاثي جزءًا من الحضور القطري في العالم بأكمله.
لقد كانت رؤية سمو الأمير الوالد تتجاوز حدود الحاضر؛ فقد آمن بأن بناء الدولة لا يكتمل إلا بوضع أسس تستمر لعقود، وهو ما تجسد في المؤسسات التي أنشئت، والاستراتيجيات التي وُضعت، والكفاءات الوطنية التي أُعدت لتحمل المسؤولية. ولذلك لم تكن النهضة حدثًا عابرًا، بل مشروع مؤسسي قابل للاستمرار.
واليوم، بينما تودع قطر أحد قادتها ورجالاتها، فإنها لا تودع الإنجاز، لأن الإنجاز تحول إلى مؤسسات، ولا تودع الرؤية، لأنها أصبحت نهجًا للدولة، ولا تودع الحلم، لأنه صار واقعًا يعيشه المواطن والمقيم، ويشهد به العالم بأكمله.
رحل الأمير الوالد، لكن الطرق التي شُقت، والجامعات التي خرّجت الأجيال، والمستشفيات التي تعالج المرضى، والمؤسسات التي تعمل كل يوم بلا توقف، والدبلوماسية التي رسخت مكانة قطر، كلها تروي قصة قائد آمن بأن مستقبل الوطن يُصنع بالعمل والرؤية والإرادة لا بالأحلام والتمنيات.
رحل الفارس سمو الأمير الوالد، وبقي الأثر. وسيظل اسمه حاضرًا في ذاكرة الوطن، لا بوصفه قائد مرحلة فحسب، بل بوصفه مؤسسًا لعصر جديد من تاريخ قطر، عصر أصبحت فيه الدولة نموذجًا في التنمية، والثقة، والطموح. وإن أعظم الوفاء لذكراه ليس الاكتفاء باستحضار منجزاته، بل مواصلة المسيرة التي أسس لها، والحفاظ على المكتسبات التي قامت عليها نهضة الوطن، لتبقى قطر، كما أرادها، واحةً للاستقرار، ومنارةً للتنمية، وموطنًا يفاخر أبناؤه بما تحقق على أرضه عبر الأجيال.
عزاؤنا..
أخيرا أقول لأهل قطر.. عزاؤنا أن الأمير الوالد، رحمه الله، ترك للوطن قيادةً حكيمة تتمثل في حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، ستواصل مسيرة البناء والنهضة، وتحفظ الأمانة التي أُسست عليها دولة قطر الحديثة.. فصاحب السمو الشيخ تميم بن حمد قائد من صلب القائد الراحل جدير بحفظ الأمانة، وصون المنجزات وجدير بقيادة الوطن بثقة نحو المستقبل وهو ما نشهده اليوم ويشهد كل العالم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9402
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2223
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1125
| 06 أكتوبر 2026