رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عادل الحامدي

مساحة إعلانية

مقالات

141

عادل الحامدي

حين يصبح البحر أقل قسوة من اليابسة

10 أغسطس 2026 , 11:03م

قبل أن تُغرق أمواج البحر أجسادهم، كانت قد أغرقت أرواحهم سنوات طويلة من الانتظار. آلاف الذين تدفقوا نحو سبتة المحتلة لم يكونوا مجرد مهاجرين يبحثون عن فرصة عمل، ولا مجرد شبان يطاردون الحلم الأوروبي، بل كانوا صورة مكثفة لمأساة الإنسان في العالم الثالث، حين يصبح اجتياز الحدود أكثر من مجرد انتقال جغرافي، بل احتجاجا صامتا على حياة لم تعد تُطاق.

كان المشهد صادما في تفاصيله. رجال ونساء، أطفال وشيوخ، شباب في مقتبل العمر، بل وحتى عائلات كاملة، بعضهم سبح في البحر، وبعضهم اجتاز الأسلاك والحواجز، وكأن الجميع اتخذ القرار نفسه في اللحظة نفسها: لا شيء في الضفة التي نقف عليها يستحق البقاء.

وهنا تكمن الدلالة الكبرى. فحين يهاجر الشباب يمكن تفسير الأمر بالبطالة أو الرغبة في تحسين الدخل، أما حين تهاجر النساء والأطفال وكبار السن، فإن القضية تصبح أعمق من الاقتصاد، وتتحول إلى أزمة ثقة في المستقبل نفسه. إنها لحظة يعلن فيها المجتمع، دون بيان سياسي، أن الأفق قد أُغلق.

ولعل المفارقة الأكثر إيلاما أن الوجهة لم تكن دولة أوروبية بعيدة، بل مدينة مغربية ما تزال تحت الاحتلال الإسباني منذ أكثر من خمسة قرون. سبتة ليست مجرد نقطة حدودية، وإنما جرح مفتوح في الذاكرة المغربية. احتلتها البرتغال عام 1415 قبل أن تنتقل إلى التاج الإسباني، وظلت منذ ذلك الوقت رمزا لتعقيدات التاريخ والجغرافيا والسيادة. كانت المدينة يوما بوابة المغرب على المتوسط، فإذا بها تتحول إلى بوابة للهرب.

غير أن اختزال ما جرى في خلاف سياسي بين الرباط ومدريد سيكون تبسيطا مخلا بالواقع. فما حدث يتجاوز العلاقات الثنائية، ليعكس مأزقا عالميا تعيشه مجتمعات الجنوب. فالعالم الثالث، رغم ما يملكه من ثروات بشرية وطبيعية، ما يزال عاجزا عن إنتاج الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة لملايين البشر. ولذلك أصبحت الحدود الشمالية للمتوسط أشبه بخط تماس بين عالمين: عالم يفيض بالفرص، وآخر يفيض بالإحباط.

إن الإنسان لا يخاطر بحياته في البحر لأنه يحب المغامرة، وإنما لأنه فقد الخوف من الموت. فالذي يضع طفله في قارب مطاطي أو يقفز إلى الماء وهو لا يعرف السباحة، لا يكون قد انتصر على شجاعته، بل هزمته ظروفه. وحين يصبح البحر أقل رعبا من اليابسة، فإن المشكلة ليست في البحر، وإنما في اليابسة التي دفعت إليه.

نحن أمام فصل من رواية طويلة تمتد من شواطئ السنغال إلى سواحل ليبيا، ومن أحياء القاهرة إلى ضواحي تونس والجزائر. إنها الحكاية نفسها التي تتكرر بلغات ولهجات مختلفة: شباب متعلم بلا فرصة، وأسر تكافح من أجل البقاء، ومدن تكبر فيها الأحلام أسرع من الاقتصاد، ودول تجد نفسها بين ضغوط التنمية ومطالب العدالة الاجتماعية.

ولعل الدرس الأهم أن الأمن وحده لا يستطيع وقف الهجرة، كما أن الأسلاك الشائكة لا تستطيع إقناع الإنسان بالبقاء. فالحدود تُحمى بالتنمية أكثر مما تُحمى بالحواجز، والأوطان تستبقي أبناءها بالأمل قبل القوانين. وعندما يشعر المواطن بأن مستقبله ممكن داخل وطنه، يصبح البحر مجرد منظر طبيعي، لا طريقا للخلاص.

في النهاية، لم يكن الذين اندفعوا نحو سبتة يبحثون عن أوروبا وحدها، بل كانوا يبحثون عن الكرامة. فالإنسان، في جوهره، لا يهاجر طلبا للترف، وإنما هربا من الإحساس بأن عمره يمضي بلا معنى. ولهذا ستظل صور الرجال والنساء والأطفال وهم يعبرون نحو سبتة أكبر من خبر عابر؛ إنها مرآة تعكس سؤالا موجعا أمام دول الجنوب كلها: لماذا أصبح الحد الأدنى من العيش الكريم حلما يستحق أن يُغامر الإنسان بحياته من أجله؟ ومن دون إجابة صادقة عن هذا السؤال، ستبقى البحار مزدحمة بالقوارب، وستظل الحدود تستقبل كل يوم أفواجا جديدة من الباحثين عن وطن يمنحهم ما عجزت أوطانهم عن منحه: فرصة حياة تليق بإنسانيتهم.

اقرأ المزيد

تحالفات جديدة في شرق أوسط متغير تحالفات جديدة في شرق أوسط متغير

ربما يكون السؤال الأهم الذي تطرحه التحولات الأخيرة في المنطقة ليس: من هو التحالف الجديد؟ أو من سينضم... اقرأ المزيد

183

| 10 أغسطس 2026

المسيّرات إذ تعيد رسم مستقبل القوة العسكرية المسيّرات إذ تعيد رسم مستقبل القوة العسكرية

يشهد مفهوم القوة العسكرية تحولاً تاريخياً؛ فقوة الجيوش لم تعد تُقاس فقط بحجم الأساطيل أو الترسانات التقليدية، بل... اقرأ المزيد

150

| 10 أغسطس 2026

تجليّات الحُسن المخبوء ! تجليّات الحُسن المخبوء !

من أجمل الإدراكات والتجارب التي يستخلص منها الإنسان صفو المعرفة، أن يعي أنه كلما تماثلت نفس المرء للتعافي،... اقرأ المزيد

192

| 10 أغسطس 2026

مساحة إعلانية