رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبير محسن

كاتبة عراقية

مساحة إعلانية

مقالات

201

عبير محسن

ما الذي يجعل الإنسان سعيداً؟

27 أغسطس 2026 , 11:39م

هل توجد سعادة حقيقية؟ أم أننا نتمسك بفكرة السعادة دون أن ندرك معناها الحقيقي ونهايتها؟ بالنسبة لي، الحياة تشبه لعبة مكعبات ناقصة العدد؛ تحتاج إلى قليل من الجنون، وبعض الجدية، وكثير من التجاهل حتى تستطيع أن تبني شيئًا جميلًا من الأشياء الناقصة، وتكمل طريقك دون أن تنشغل

بمن يحاول هدم ما بنيته.

ربما تكون البساطة هي أحد أسرار سعادة الإنسان، رغم أن الشعور بالسعادة في حد ذاته شعور معقد ومختلف من شخص إلى آخر. فكل منا يبحث عن الأشياء التي تمنحه السعادة أحيانًا تكون مرتبطة بتحقيق الأهداف، وأحيانًا بتقدير الجمال من حولنا،

أو بالعطاء ومساعدة الآخرين، أو ببناء علاقات جيدة والتواصل الفعّال مع من نحب.

والتواصل الفعّال يعني أن تعبّر عن أفكارك ومشاعرك بوضوح وصراحة وفي الوقت نفسه تستمع باهتمام إلى الطرف الآخر ومن المهم أن نتجنب الافتراضات، وأن نطرح أسئلة مفتوحة تساعدنا على فهم وجهة نظر الآخرين بشكل أفضل كما أن لغة الجسد تلعب دورًا مهمًا في التواصل.

لا توجد سعادة مطلقة أو دائمة ربما تكون السعادة الحقيقية هي أن تشعر بالرضا رغم الظروف الصعبة، وأن تدرك قيمة الأشياء التي تملكها بالفعل. فعندما تشعر أنك بصحة جيدة، وأنك قادر على الحركة والتفكير والحياة، فأنت تعيش نوعًا من السعادة قد لا يدركه عقلك إلا عندما تفقده

وقد تحدث الكثير من الفلاسفة عن السعادة، ومن أشهرهم أرسطو، الذي رأى أن السعادة، أو ما سماه «الإودايمونيا» (Eudaimonia)، هي الهدف الأسمى للحياة. ولم يكن يقصد بالسعادة مجرد شعور مؤقت بالفرح أو المتعة، بل حالة أعمق تتمثل في الازدهار البشري والحياة الطيبة.

كان أرسطو يرى أن الإنسان يصل إلى السعادة من خلال عيش حياة فاضلة ومتوازنة، واستخدام العقل وتنمية الفضائل الأخلاقية مثل الشجاعة والاعتدال والحكمة. فالسعادة، في نظره، ليست مجرد لحظة نشعر فيها بالفرح، وإنما أن نعيش حياة نحقق فيها أفضل ما لدينا من قدرات وإمكانات.

كما أن السعادة عند أرسطو لا تأتي من تلقاء نفسها، بل هي نتيجة للنشاط المستمر والممارسة. بمعنى آخر، السعادة ليست حالة سلبية ننتظرها حتى تحدث، وإنما عملية تحتاج إلى جهد ووعي وتفكير واختيار.

وببساطة يمكننا القول إن السعادة عند أرسطو ليست أن تكون سعيدًا طوال الوقت، بل أن تعيش حياة لها قيمة وهدف، وأن تستخدم قدراتك العقلية والأخلاقية بأفضل صورة ممكنة. ويمكن تطبيق ذلك في حياتنا من خلال السعي لأن نصبح أفضل نسخة من أنفسنا، وتنمية صفات مثل الصدق والكرم والشجاعة، واستخدام العقل في اتخاذ القرارات الصحيحة، والعثور على هدف يمنح حياتنا معنى والعمل من أجله بجد، وأن نكون أفرادًا فاعلين وإيجابيين في مجتمعنا.

وبعد أرسطو، تحدث العديد من الفلاسفة عن السعادة، لكن كل منهم نظر إليها من زاوية مختلفة. فالرواقيون رأوا أن السعادة تكمن في الهدوء النفسي، والتحكم في الذات، وعدم السماح للأحداث الخارجية بأن تتحكم في مشاعرنا. أما الأبيقوريون فاعتبروا أن السعادة تتمثل في غياب الألم والاضطراب، والبحث عن الملذات البسيطة والهادئة.

وفي النهاية، ربما لا توجد إجابة واحدة عن سؤال: ما الذي يجعل الإنسان سعيدًا؟ فالسعادة تجربة شخصية تختلف من إنسان إلى آخر لكن ربما يجمعنا جميعًا شيء واحد: أن السعادة ليست في امتلاك حياة خالية من التعقيدات وإنما في قدرتنا على أن نجد معنى وقيمة ورضا داخل هذه الحياة، بكل ما فيها من نقص وتناقضات وتحديات أن نتعلم كيف نحتضن ما لا نستطيع تغييره ونستمتع بما نملك، ونمضي بسلام رغم كل ما لم يكتمل.

مقالات ذات صلة

مساحة إعلانية