رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

630

د. أحمد المحمدي

من ظلمة الجب إلى سدة الحكم

02 أغسطس 2026 , 02:00ص

من أعظم أسباب اضطراب القلب أن الإنسان يريد أن يفهم حكمة الله قبل أن تكتمل أقداره! فهو يحكم على المشهد من لقطة واحدة، بينما الله يكتبه من أوله إلى آخره. ولذلك يبكي عند باب أغلق، ولو علم ما وراءه لحمد الله أن أغلقه، ويجزع من بلاء نزل، ولو رأى ثمرته لسأل الله ألا يحرم منها.

جاءت سورة يوسف لتعلم المؤمن كيف يقرأ حياته. فهي ليست قصة انتقال من الجب إلى القصر، وإنما قصة يقين يعلمك أن الله لا يكتب في حياة عبده حدثا عبثا، ولا يؤخر عنه خيرا إلا لحكمة، ولا يبتليه إلا ليهيئه لما هو أعظم. فالله لا يصنع المقادير وحدها، بل يصنع بها الرجال.

ولذلك لم يكن الجب عقوبة، وإنما كان بداية الطريق. ولم يكن الرق إذلالا، وإنما كان نقلا إلى الأرض التي كتب الله فيها مستقبله. ولم يكن السجن زمنا ضائعا، بل مدرسة ربانية تربى فيها قلب لا تفسده السلطة إذا أقبلت، ولا تكسره المحنة إذا أدبرت. ولو نزعت من حياة يوسف ابتلاء واحدا، لاختلت القصة كلها، ولما بلغ النهاية التي أرادها الله له.

فلو بقي في بيت أبيه، لما دخل مصر. ولو لم يدخل مصر، لما عرف بيت العزيز. ولو لم يدخل السجن، لما وصل تأويل الرؤيا إلى الملك. وما بدا للناس سلسلة من الانكسارات، كان في الحقيقة سلما خفيا يصعد به يوسف درجة بعد درجة، حتى انتهى إلى سدة الحكم.

وهكذا تجري أقدار الله في حياة المؤمن. فهو لا يرى إلا ما تحت قدميه، أما الله فيرى الطريق كله. ولذلك قد يؤخر عنك ما تحب، لا لأنه منعك، ولكن لأنه يعدك. وقد يفتح لك بابا لم تخطط له، لأنه يعلم أن الخير ليس فيما اخترته لنفسك، بل فيما اختاره لك.

ولهذا لا يقاس نجاح الإنسان بسرعة الوصول، وإنما بما أحدثه الطريق في قلبه. فكثير من الناس يصلون إلى ما تمنوا، ولكنهم يصلون إليه بقلوب لم تتهيأ لحمله، فتكون النعمة عليهم فتنة. أما المؤمن، فإن الله يربيه قبل أن يمكن له، ويزكيه قبل أن يعطيه، حتى إذا جاءه العطاء عرف حق المنعم، وإذا جاءه البلاء عرف حق الصبر.

ومن هنا كان يوسف محسنا في كل أحواله؛ أحسن وهو عبد، وأحسن وهو سجين، وأحسن وهو عزيز مصر. لأنه لم يربط الإحسان بالظروف، بل ربطه بالله. وهذه هي حقيقة العبودية؛ أن يبقى القلب مستقيما، سواء تبدلت الأحوال أم بقيت.

إن أعظم ما تعلمه سورة يوسف أن القدر لا يسير بك إلى ما تريد فحسب، بل إلى ما ينبغي أن تكون عليه. فليس السؤال: متى ينتهي البلاء؟ وإنما: ماذا يريد الله أن يصنع بي من خلال هذا البلاء؟ فإذا أدرك العبد ذلك، تحول الانتظار إلى عبادة، والمحنة إلى تربية، والتأخير إلى يقين.

فلا تقرأ حياتك من ظلمة الجب، ولكن اقرأها من نور الحكمة؛ فإن الله إذا أغلق بابا فتح وراءه قدرا، وإذا أبطأ بالعطاء أسرع بالتربية، وإذا ساقك في طريق لم تختره، فثق أنه الطريق الذي اختاره لك من يعلم السر وأخفى، وهو سبحانه لا يختار لعبده المؤمن إلا ما يقربه إليه، ويصلح دينه، ويورثه حسن العاقبة.

مساحة إعلانية