رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

336

د. أحمد المحمدي

بين الغدر والخيانة

01 سبتمبر 2026 , 02:00ص

سألني: ما الفرق بين الغدر والخيانة؟

فقلت: الخيانة نقض للأمانة، والغدر نقض للعهد بعد توكيد الأمان؛ ولذلك كانت الخيانة أوسع معنى، وكان الغدر أغلظ جرما وأقبح أثرا.

فالخيانة أن يضيع الإنسان ما استؤمن عليه من سر أو مال أو عرض أو مودة أو مسؤولية، وأن يجعل الأمانة التي حملها جسرا إلى منفعة نفسه، ولو كان في ذلك هلاك حق غيره. وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فالخائن لا يفسد الشيء الذي خان فيه وحده، بل يفسد المعنى الأخلاقي الذي كان يحفظ العلاقات ويقيم العمران؛ لأن الحياة لا تستقيم بالقوانين وحدها، وإنما تستقيم بضمائر تؤدي الحقوق حين تغيب العيون.

أما الغادر فلا يكتفي بأن يخون أمانة، بل يمنحك عهدا تطمئن إليه، ويهيئ لك شعورا زائفا بالأمان، ثم يجعل من اطمئنانك طريقا إلى إيذائك. فهو لا يهزمك بقوته، بل يهزمك بثقتك فيه، ولا يدخل عليك من باب العداوة، بل من الباب الذي فتحته له المودة. ولذلك كان الغدر خيانة مركبة؛ لأنه يجمع الكذب والخيانة والخداع واستغلال الثقة.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ». وكأن العقوبة جاءت من جنس الجريمة؛ فقد ستر الغادر فعلته في الدنيا تحت راية العهد، فيفضحه الله يوم القيامة بلواء الغدر.

والخيانة تفسد أمانة بعينها، أما الغدر فيفسد معنى الأمان في قلب من وقع عليه؛ إذ لا يؤلمه ما فقد وحده، بل يؤلمه أن اليد التي صافحته هي التي طعنته، وأن الصوت الذي وعده بالأمان كان يخفي وراءه نية الأذى. ولهذا يبقى جرح الغدر بعد زوال الخسارة؛ لأنه لا يسلب الإنسان حقا فحسب، بل يزعزع ثقته بالناس، وقد يجعله يدفع الأبرياء ثمن ذنب لم يرتكبوه.

وقد تصدر الخيانة عن ضعف عابر أمام شهوة أو مال أو خوف، وهذا لا يعذرها، ولكنه يفسرها. أما الغدر ففيه غالبا تدبير وانتظار واختيار للحظة التي يكون فيها الطرف الآخر أشد اطمئنانا وأقل استعدادا للدفاع عن نفسه؛ ولذلك كان أدل على لؤم الطبع وقسوة الضمير. فالعدو يؤذيك من موضع تحذره، أما الغادر فيؤذيك من الموضع الذي ظننته حصنا.

فالخيانة سقوط في أداء الأمانة، أما الغدر فسقوط في معنى الإنسان نفسه؛ إذ يتخذ صاحبه من العهد ستارا، ومن الثقة فخا، ومن المودة سلاحا. وكل غادر خائن، وليس كل خائن غادرا؛ لأن الغدر ليس مجرد نقض للحق، بل اغتيال للأمان بعد صناعته، وطعنة لا تأتي من جهة العداوة، وإنما من المكان الذي ظنه القلب مأمنا.

مساحة إعلانية