رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هديل رشاد

صحفية فلسطينية

مساحة إعلانية

مقالات

183

هديل رشاد

"الاحتلال لخدمات الاستيطان".. اختلق رواية واحجز أرضاً!

28 أبريل 2026 , 11:22م

"لا تحتاج إلى تاريخ… يكفي أن تمتلك روايةً مُلفّقة لتصبح صاحب أرض."، في سياق توسيع الاستيطان على أراضينا الفلسطينية المحتلة، يعمل الكيان الإسرائيلي المُحتَّل على استقدام مجموعات بشرية جديدة وتوطينها ضمن مشروعه الاستيطاني، في محاولة لإضفاء شرعية على واقع غير قانوني.. وهذه المرَّة من شمال شرق الهند، فقد استقدم جماعة تُعرف باسم "بني منشيه" والتي تعيش في ولايتي مانيبور وميزورام، وتزعم أنها من نسل "سبط منسى" التوراتي – أحد أسباط بني إسرائيل العشرة المفقودة– الذي نُفي قبل نحو 2800 عام، في سردية دينية تُستخدم لتبرير سياسات استيطانية واضحة، رغم غياب دليل تاريخي قاطع يدعم هذا الادعاء، ما يجعلها أقرب إلى توظيف الرواية لخدمة أهداف سياسية.

خلال السنوات الماضية، نُقلت دفعات متتالية من أبناء هذه الجماعة إلى الكيان المحتل ضمن برامج هجرة منظمة. وفي عام 2026، وصلت إحدى هذه الدفعات وضمت نحو 240 مهاجراً، ضمن خطة تستهدف جلب آلاف منهم خلال السنوات المقبلة، هذه التحركات لا يمكن فصلها عن سياق أوسع تتحول فيه الهجرة إلى أداة لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي بشكل ممنهج.

فالوجهة التي يُعاد توطين هؤلاء فيها تكشف جوهر المسألة؛ إذ يُعاد توزيعهم في المستوطنات المقامة على أراضي الضفة الغربية، ومناطق حساسة في الجليل، في محاولة لملء المناطق التي فُرغت من سكانها لتعزيز الوجود الاستيطاني، خاصة في ظل مؤشرات الهجرة العكسية للإسرائيليين نتيجة الحروب المتكررة التي يشعلها الكيان المحتل في المنطقة، لتكشف سياسة مدروسة تهدف إلى إعادة رسم التوازن الديمغرافي على الأراضي الفلسطينية بشكل تدريجي.

في الضفة الغربية اليوم، يعيش أكثر من 700 ألف مستوطن ضمن شبكة تضم نحو 150 مستوطنة رسمية، إلى جانب عشرات البؤر الاستيطانية، هذا التوسع يجري وفق رؤية طويلة المدى تجعل من الاستيطان واقعا يصعب تفكيكه، مع تراكم البنية التحتية وتكثيف الوجود البشري للسكان غير الأصليين، بما يسهّل ترسيخ السيطرة لانتزاع الأرض من أهلها.

وهذا الاستقطاب لجماعة "بني منشيه" الهندية يأتي ضمن سياسات صهيونية مسمومة، مقابل حوافز تقدّمها حكومة الاحتلال تشمل السكن، وتوفير فرص العمل، والدعم الحكومي، إضافة إلى دمجهم في المنظومة العسكرية، ويأتي ذلك في ظل أزمات داخلية متصاعدة تتعلق بملف التجنيد، وتصاعد الجدل حول مشاركة الحريديم – وهم جماعة دينية متشددة ترفض الخدمة العسكرية – ما يدفع إلى البحث عن بدائل بشرية تسد هذا النقص من جهة، ولملء المناطق التي فرغ منها سكانها الأصليون بالقوة بهؤلاء وأمثالهم، وقد يعتقد أفراد هذه الجماعة أن هذه الحوافز تهدف إلى تحسين ظروفهم المعيشية وفتح آفاق جديدة لحياتهم، غير أن وضعها ضمن السياق الأوسع يكشف أنها أدوات جذب، يُعاد من خلالها توظيفهم ليكونوا جزءًا من مشروع سياسي استيطاني، تُستخدم فيه الهجرة كوسيلة لتعزيز السيطرة على الأرض.

ولا يمكن فصل ذلك عن البعد الأيديولوجي الذي يُغلّف هذه السياسات، إذ يُعاد إنتاج رواية تُسوّق لهذا الوجود باعتباره "عودة" طبيعية لأرضهم!، بينما هو في جوهره عملية إحلال سكاني ممنهجة تستهدف تغيير الواقع الديموغرافي لفلسطين تدريجيًا. فالمسألة لا تتعلق بنقل أفراد من مكان إلى آخر فحسب، بل بإعادة تشكيل بنية المجتمع على الأرض المحتلة، وفرض وقائع جديدة تُراكم بمرور الوقت، بما يجعل تفكيكها أكثر تعقيدًا، ويُسهم في تكريس مشروع استيطاني طويل الأمد يقوم على استبدال السكان الأصليين بمستوطنين يتم استقدامهم وتوطينهم ضمن رؤية صهيونية مبنية على جمع يهود العالم وتوطينهم على أرض فلسطين.

ختاما..

مهما حاول الكيان المحتل عبثاً تشويه ديموغرافية فلسطين بالدخلاء، ومهما سعى لتسويق هذه السرديات، فهذا لن ينشئُ حقاً، ولن يمحو فلسطين عن الخارطة فهي المحفورة في أذهان وقلوب شعبها الصامد.

فالفلسطيني، رغم اختلال موازين القوة، لا يقف بموقع المتلقي، بل يواصل الدفاع عن أرضه وهُويته، متمسكاً بحقه التاريخي والقانوني، وفي مواجهة مشروع يسعى إلى إعادة تشكيل الأرض وسكانها، يظل حضوره الفعلي على الأرض بالمقاومة، وصموده اليومي أمام المغتصب لأرضه، هو الحقيقة الأوضح والأكثر ثباتاً، حتى لو بدا وحيداً في ساحة معركة غير متكافئة القوى.

مساحة إعلانية