رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"عيدٌ بأيّة حالٍ عُدتَ يا عيدُ... بما مضى أم بأمرٍ فيك تجديدُ"، كلَّ عيدٍ أستحضر هذين البيتين لأبي الطيب المتنبي، الذي استقبل بهما يوم عرفة عام 350هـ، قبل أكثر من ألف عام، متسائلًا عمّا يحمله العيد من جديد، وهل يعود كما عرفه الناس موسمًا للطمأنينة والبهجة، أم يأتي مثقلًا بما مضى من أسى وانتظار. ويبدو هذا السؤال حاضرًا اليوم بكل ثقله في غزة، حيث يستقبل الفلسطينيون عيد الأضحى للعام الثالث على التوالي في ظل حرب مستمرة وحصار خانق، فيما تتسع الكارثة الإنسانية وتضيق سبل الحياة أمام سكان القطاع المنهكين. في الأيام التي كانت تسبق العيد، اعتادت غزة أن تنبض بحركة الناس في الأسواق، وتتعالى فيها أصوات الأطفال وهم يترقبون المناسبة بملابس جديدة وفرحة مألوفة، تختلط بأصوات تكبيرات العشر الأُوَل من ذي الحجة الصادحة من مآذن مساجد غزة، كما كانت البيوت تنشغل بتفاصيل الأضاحي والتجهيز لاستقبال الأقارب، حتى إن رائحة الكعك الفلسطيني كانت تلفّ القطاع بأكمله إيذانًا بقدوم العيد، أمّا اليوم، فقد تبدلت المشاهد إلى صورة أخرى؛ خيام تمتدّ على مدّ البصر، ووجوه أتعبها القلق، وعائلات باتت تنشغل بكيفية تأمين قوت يومها وتوفير الماء والدواء، بعدما أنهكت الحرب تفاصيل الحياة، وأثقلت الناس بفقدان الأحبة، ومشقة النزوح، وضيق المعيشة. وكان لهذا التضييق انعكاساً على توفير الأضاحي، حيث يعاني القطاع نقصاً حاداً في المواشي نتيجة استمرار الحصار وإغلاق المعابر، ما أدى إلى غياب الأضاحي للعام الثالث على التوالي، وارتفاع أسعار ما تبقى منها إلى مستويات تفوق قدرة غالبية الأسر التي استنزفتها الحرب وفقدت مصادر دخلها، ليغيب أحد أبرز شعائر عيد الأضحى عن أكثر من مليوني فلسطيني، في مشهد تختلط فيه المعاناة اليومية بحرمان الناس من طقوس ارتبطت لديهم منذ عقود بمعاني التكافل والرحمة وصلة الرحم. ولا يقتصر الأمر على الأضاحي، إذ يُحرم أهالي قطاع غزة، للعام الثالث أيضًا، من أداء فريضة الحج، الركن الخامس من أركان الإسلام، بفعل القيود التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على حركة الغزيين من وإلى القطاع، وما نتج عنها من إغلاق طويل وحرمان متواصل من التنقل. ويُنظر إلى هذا الواقع، في ظل الحرب المستمرة، باعتباره امتدادًا لسياسة العقاب الجماعي المفروضة على سكان القطاع، بعدما امتدت آثارها إلى تفاصيل تمسّ حياة الناس اليومية وشعائرهم الدينية، لتغدو حتى مناسبات العبادة مرتبطة بقرارات المنع والحصار، المرهونة بقرار من حكومة يرأسها مجرم حرب. وفي موازاة ذلك، تتفاقم الأزمة الإنسانية مع تعثر دخول المساعدات والوقود وعدم كفاية ما يصل لتلبية الاحتياجات الأساسية، ويخيم شبح المجاعة على مناطق واسعة من القطاع، فيما يعيش مئات الآلاف داخل مراكز الإيواء أو بين الخيام، محرومين من مقومات الاستقرار، وتحت ضغط متواصل فرضته الحرب على تفاصيل يومهم، من الغذاء إلى العلاج وحتى الحد الأدنى من الأمان. وفي مثل هذا اليوم، الذي تصدح فيه تكبيرات العيد في بقاع كثيرة من العالم الإسلامي، وتُذبح الأضاحي وتلتئم العائلات حول موائدها، تبدو غزة أمام مشهد مغاير؛ طوابير انتظار، وخيام متلاصقة، وقلوب مثقلة بالفقد، ومحاولات متواضعة تُبقي شيئًا من روح المناسبة حاضراً، عبر مبادرات فردية محدودة لتوزيع لحوم تُجهز خارج القطاع وتصل إلى بعض الأسر المحتاجة، أو عبر اجتهادات بسيطة تحاول أن تمنح الأطفال لحظة فرح وسط هذا الركام. ختاماً... في أول أيام عيد الأضحى المبارك، تتجدد معاني الرحمة والتكافل واستحضار أحوال المستضعفين، وتبقى غزة حاضرة في وجدان المسلمين بما فيها من جراح مفتوحة وصمود يواجه أقسى الظروف، كما تبقى معاناة الشعوب المنكوبة، سواء في فلسطين أو السودان وسائر بقاع العالم الإسلامي، تذكيرًا بأن للعيد معنى يتجاوز المظاهر، إلى الإحساس بآلام الآخرين والوقوف إلى جانبهم، ففي أيام تُرفع فيها الأكف بالدعاء، وتُبذل فيها الأضاحي تقربًا إلى الله، يظل من أصدق معاني العبادة ألّا يُترك المظلوم وحده، وألّا يغيب أصحاب المعاناة عن الضمير الحي، حتى يكتب الله للشعوب الإسلامية المنكوبة فرجًا قريبًا، ليعود العيد إليهم يومًا وهم ينعمون بالأمن وبالكثير من الفرح.
699
| 26 مايو 2026
قال تعالى ﴿ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، إنَّ هذه الآية الكريمة استطاعت أن تلخِّص طبيعتهم وجبلّتهم في نقض العهود والتنصل من المواثيق، وكأنها توجيه وتحذير رباني للمسلمين بألا ينخدعوا بمعسول القول، أو يغتروا بالعهود والاتفاقات التي لا تلبث أن تتحول إلى حبر على ورق، فالتاريخ الطويل للصراع أثبت مراراً أن المواثيق التي تُبرم مع الاحتلال الإسرائيلي تبقى رهينة المصالح والقوة، فيما يكون الفلسطيني وحده من يدفع ثمن هذا النكث المتكرر. ومنذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في غزة خلال أكتوبر 2025، بدا المشهد أمام العالم وكأن الحرب فقدت حدّتها الأولى، أو على الأقل خرجت من ذروة الدمار المفتوح، تراجع حضور الصور العاجلة، وخفّ صوت القصف مقارنة بالأشهر الأولى، فبدا وكأن القطاع دخل مرحلة أقل دموية، غير أن هذا الهدوء النسبي لا يعكس حقيقة ما يجري داخل مدينة ما تزال تعيش تحت ضغط الموت اليومي، وإن تبدلت أدواته وحدّته. فمنذ بدء الهدنة الهشة، لم تتحول غزة إلى مساحة آمنة، بل إلى نموذج آخر للحرب؛ حرب أقل ظهوراً على الشاشات، لكنها أكثر التصاقاً بتفاصيل الحياة اليومية للسكان، القصف لم يتوقف بصورة كاملة، والقتل لم يتوقف، كما لم تتوقف القيود على دخول الغذاء والدواء والوقود، في وقت يعيش فيه القطاع واحدة من أكثر مراحله هشاشة على المستويين الصحي والإنساني. الحروب الطويلة تمتلك قدرة خطيرة على دفع العالم نحو الاعتياد، ومع مرور الوقت، تتراجع حساسية المتابعة الدولية تجاه الكارثة، حتى وإن بقيت أسبابها قائمة، وهذا ما تبدو عليه غزة اليوم؛ مدينة خرجت تدريجياً من دائرة "العاجل"، لكنها ما تزال غارقة في واقع يومي يزداد قسوة وتعقيدًا. وبعيداً عن اللغة السياسية التي تدعي وقف إطلاق النار، تكشف الأرقام صورة مختلفة تماماً، فبحسب ما نشره موقع (Middle East Eye) نقلاً عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، تم توثيق ما لا يقل عن 2400 انتهاك إسرائيلي خلال الأشهر الستة الأولى من وقف إطلاق النار، الممتدة بين 10 أكتوبر 2025 و10 أبريل 2026، مع تسجيل عشرات الانتهاكات الأخرى منذ ذلك الحين، وشملت تلك الانتهاكات 1109 غارات جوية، إلى جانب 921 عملية إطلاق نار استهدفت مدنيين في مناطق مختلفة من القطاع، كما أسفرت الهجمات، وفق وزارة الصحة الفلسطينية، عن مقتل ما لا يقل عن 857 فلسطينياً وإصابة 2486 آخرين حتى 15 مايو، بينهم 229 طفلاً. إنَّ هذه الأرقام ليست أرقاما فحسب إنما براهين وأدلة تكشف هشاشة واقع ما يزال فيه الفلسطيني في غزة يعيش تحت احتمالية الموت نفسها، حتى وإن تراجع حضور الحرب إعلامياً، فالقطاع الذي دُمّرت أحياؤه ومستشفياته وبناه التحتية، لم يحصل فعلياً على فرصة للتعافي، بل انتقل من مواجهة القصف المكثف إلى مواجهة استنزاف يومي طويل. ويبدو المشهد الصحي واحدا من أكثر وجوه هذا الاستنزاف قسوة، فقد أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية أمس أن نقص الأدوية يهدد حياة نحو 225 ألف مريض يعانون من ارتفاع ضغط الدم، في ظل نقص حاد في العلاجات الأساسية، وتراجع قدرة المؤسسات الصحية على متابعة المرضى وتشخيص الحالات الجديدة بسبب تدمير مراكز الرعاية الصحية الأولية الأمر الذي أدى إلى غياب شبه كامل لعمليات الرصد المبكر والمتابعة الدورية، ما حوّل الأمراض المزمنة إلى تهديد حقيقي، ففي غزة كل الطرق تؤدي إلى الموت. ولا يمكن فصل ذلك عن البيئة التي يعيش فيها السكان اليوم؛ مياه ملوثة، اكتظاظ شديد، نقص الغذاء، وضغط نفسي مستمر داخل خيام ومبانٍ مدمرة، وهي ظروف تجعل الجسد يواجه المرض بأضعف قدرة ممكنة على المقاومة، فيما تتحول النجاة نفسها إلى عبء يومي. ختاماً... .. وربما تكمن خطورة ما يجري في أنَّ غزة لم تعد تواجه حربا عسكرية بالمعنى التقليدي فقط، بل واقعاً يعيد إنتاج المأساة يوما بعد آخر، فحين يُترك السكان وسط نظام صحي منهك، وغذاء شحيح، وبنية تحتية مدمرة، وهدنة قابلة للانهيار في أي لحظة، يصبح الموت أبطأ لكنه حاضر.
438
| 19 مايو 2026
قبل يومين، وبينما كنت أجلس في أحد المستشفيات بانتظار نتيجة فحص روتيني، وجدت نفسي أراقب الوجوه من حولي أكثر مما أراقب عقارب الساعة، كان شيء ما يتبدل في ملامح الناس، ويشي بما اعتمل داخلهم لحظة خروجهم من غرف الأطباء؛ بعضهم خرج بخفة واضحة، كأن الحياة أعادت إليه جزءًا من الطمأنينة، وآخرون بدت وجوههم شاحبة تحت وطأة خبر غيَّر وجه الواقع كله، هناك من بدا أكثر أملًا، وهناك من بدا وكأنه دخل فجأة إلى نفق مظلم. عندها تسللت إلى ذهني فكرة لم تغادرني منذ تلك اللحظة؛ أن حياة الإنسان بأكملها تقع بين لحظتين فقط: لحظة قبل، ولحظة بعد، قبل أن ينطق أحدهم بخبر يبدّل ملامح أيامنا، وبعد أن يستقر ذلك الخبر في أرواحنا كحقيقة لا يمكن الفرار منها، وبين اللحظتين يقف الإنسان معلَّقًا بين نسختين من نفسه؛ نسخة كانت تعيش بعفوية، وأخرى تحاول أن تفهم كيف تغيّر كل شيء بهذه السرعة. نحن لا ننتبه غالباً إلى اللحظات المفصلية إلا بعد وقوعها، لا ندرك أن الحياة كانت تمضي بهدوء نحو نقطة فاصلة ستقسم أرواحنا إلى نصفين: ما قبل، وما بعد، قبل الفقد وبعده، قبل المرض وبعده، قبل الخذلان وبعده، وحتى قبل الحروب وبعدها، فالإنسان لا يتغير دائماً بالتدريج، أحياناً تغيّره لحظة واحدة فقط، لحظة كفيلة إما بنفخ الروح من جديد، أو بنزعها لخلق فوضى لا تهدأ لسنوات لا نعلم كم يطول أمدها. وربما أكثر ما يربك الإنسان أن تلك اللحظات لا تأتي ممهّدة أو منطقية دائماً، بل تباغته وهو منشغل بتفاصيل روتينه اليومي؛ في صباح يشبه كل صباح، أو أثناء حديث عابر، أو خلف باب غرفة ينتظر أمامها بقلق ظاهر، لذلك تبدو التحوُّلات الكبرى في حياتنا قاسية، لأنها تصل دون استعداد وتختارنا، وفق مزاجها المتقلِّب. قبل الفقد، يبدو وجود الذين نحبهم أمراً اعتيادياً إلى درجة أننا لا نفكر فيه كثيرًا. الأصوات في المنزل مألوفة، المقاعد ممتلئة، والوجوه التي نراها كل يوم تمنحنا طمأنينة خفية. لكن بعد الفقد، يتبدل كل شيء حتى وإن بقي كل شيء في مكانه. يصبح الصمت أثقل، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى طعنات مباغتة؛ صورة قديمة، رائحة عابرة، أو مقعد ظل فارغًا أكثر مما ينبغي. فالفقد لا يأخذ الأشخاص وحدهم، بل يأخذ أجزاء كاملة منا كانت تعيش بوجودهم. وقبل المرض، يمضي الإنسان مطمئناً إلى جسده كأن العافية أمر أبدي، ثم تأتي لحظة التشخيص، اللحظة التي يسبق فيها الخوف كل شيء، حين تتحول كلمة صغيرة إلى عبء ثقيل يسقط على الروح دفعة واحدة، بعد تلك اللحظة لا يعود الإنسان كما كان، حتى لو بدا طبيعياً أمام الآخرين، ثمة هشاشة خفية تتسلل إليه، وإدراك قاسٍ بأن الحياة قادرة على التبدل فجأة ودون استئذان. وقبل الخذلان، نمنح الآخرين قلوبنا بثقة كاملة، ونطمئن إلى العلاقات كأنها ثابتة لا تتغير، لكن بعد الخذلان، لا ينكسر القلب وحده، بل تختلف معه نظرتنا للأشياء كلها، يصبح الإنسان أكثر حذراً، وأقل اندفاعاً، وأكثر ميلاً للسكون. وربما لهذا يبدو الإنسان هشاً وقوياً في الوقت ذاته؛ هشّ لأن خبراً واحداً قادر على بعثرة يقينه كله، وقوي لأنه، رغم ذلك، يواصل العيش، قد لا يعود كما كان تماماً، لكنه يتعلم شكلاً جديداً للحياة، أكثر وعياً بحقيقة الأشياء وأقل انخداعاً بوهم الديمومة. ختاما لهذا ربما علينا أن نكون أكثر رحمة ببعضنا البعض، لأننا لا نعرف أي لحظة "بعد" يعيشها الآخرون في داخلهم، فبعض الناس يبتسمون ويمضون في حياتهم بشكل يبدو طبيعياً، بينما هم في الحقيقة ما زالوا متسمّرين عند لحظة واحدة غيّرت كل شيء.
672
| 12 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
2790
| 05 مايو 2026
"لا تحتاج إلى تاريخ… يكفي أن تمتلك روايةً مُلفّقة لتصبح صاحب أرض."، في سياق توسيع الاستيطان على أراضينا الفلسطينية المحتلة، يعمل الكيان الإسرائيلي المُحتَّل على استقدام مجموعات بشرية جديدة وتوطينها ضمن مشروعه الاستيطاني، في محاولة لإضفاء شرعية على واقع غير قانوني.. وهذه المرَّة من شمال شرق الهند، فقد استقدم جماعة تُعرف باسم "بني منشيه" والتي تعيش في ولايتي مانيبور وميزورام، وتزعم أنها من نسل "سبط منسى" التوراتي – أحد أسباط بني إسرائيل العشرة المفقودة– الذي نُفي قبل نحو 2800 عام، في سردية دينية تُستخدم لتبرير سياسات استيطانية واضحة، رغم غياب دليل تاريخي قاطع يدعم هذا الادعاء، ما يجعلها أقرب إلى توظيف الرواية لخدمة أهداف سياسية. خلال السنوات الماضية، نُقلت دفعات متتالية من أبناء هذه الجماعة إلى الكيان المحتل ضمن برامج هجرة منظمة. وفي عام 2026، وصلت إحدى هذه الدفعات وضمت نحو 240 مهاجراً، ضمن خطة تستهدف جلب آلاف منهم خلال السنوات المقبلة، هذه التحركات لا يمكن فصلها عن سياق أوسع تتحول فيه الهجرة إلى أداة لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي بشكل ممنهج. فالوجهة التي يُعاد توطين هؤلاء فيها تكشف جوهر المسألة؛ إذ يُعاد توزيعهم في المستوطنات المقامة على أراضي الضفة الغربية، ومناطق حساسة في الجليل، في محاولة لملء المناطق التي فُرغت من سكانها لتعزيز الوجود الاستيطاني، خاصة في ظل مؤشرات الهجرة العكسية للإسرائيليين نتيجة الحروب المتكررة التي يشعلها الكيان المحتل في المنطقة، لتكشف سياسة مدروسة تهدف إلى إعادة رسم التوازن الديمغرافي على الأراضي الفلسطينية بشكل تدريجي. في الضفة الغربية اليوم، يعيش أكثر من 700 ألف مستوطن ضمن شبكة تضم نحو 150 مستوطنة رسمية، إلى جانب عشرات البؤر الاستيطانية، هذا التوسع يجري وفق رؤية طويلة المدى تجعل من الاستيطان واقعا يصعب تفكيكه، مع تراكم البنية التحتية وتكثيف الوجود البشري للسكان غير الأصليين، بما يسهّل ترسيخ السيطرة لانتزاع الأرض من أهلها. وهذا الاستقطاب لجماعة "بني منشيه" الهندية يأتي ضمن سياسات صهيونية مسمومة، مقابل حوافز تقدّمها حكومة الاحتلال تشمل السكن، وتوفير فرص العمل، والدعم الحكومي، إضافة إلى دمجهم في المنظومة العسكرية، ويأتي ذلك في ظل أزمات داخلية متصاعدة تتعلق بملف التجنيد، وتصاعد الجدل حول مشاركة الحريديم – وهم جماعة دينية متشددة ترفض الخدمة العسكرية – ما يدفع إلى البحث عن بدائل بشرية تسد هذا النقص من جهة، ولملء المناطق التي فرغ منها سكانها الأصليون بالقوة بهؤلاء وأمثالهم، وقد يعتقد أفراد هذه الجماعة أن هذه الحوافز تهدف إلى تحسين ظروفهم المعيشية وفتح آفاق جديدة لحياتهم، غير أن وضعها ضمن السياق الأوسع يكشف أنها أدوات جذب، يُعاد من خلالها توظيفهم ليكونوا جزءًا من مشروع سياسي استيطاني، تُستخدم فيه الهجرة كوسيلة لتعزيز السيطرة على الأرض. ولا يمكن فصل ذلك عن البعد الأيديولوجي الذي يُغلّف هذه السياسات، إذ يُعاد إنتاج رواية تُسوّق لهذا الوجود باعتباره "عودة" طبيعية لأرضهم!، بينما هو في جوهره عملية إحلال سكاني ممنهجة تستهدف تغيير الواقع الديموغرافي لفلسطين تدريجيًا. فالمسألة لا تتعلق بنقل أفراد من مكان إلى آخر فحسب، بل بإعادة تشكيل بنية المجتمع على الأرض المحتلة، وفرض وقائع جديدة تُراكم بمرور الوقت، بما يجعل تفكيكها أكثر تعقيدًا، ويُسهم في تكريس مشروع استيطاني طويل الأمد يقوم على استبدال السكان الأصليين بمستوطنين يتم استقدامهم وتوطينهم ضمن رؤية صهيونية مبنية على جمع يهود العالم وتوطينهم على أرض فلسطين. ختاما.. مهما حاول الكيان المحتل عبثاً تشويه ديموغرافية فلسطين بالدخلاء، ومهما سعى لتسويق هذه السرديات، فهذا لن ينشئُ حقاً، ولن يمحو فلسطين عن الخارطة فهي المحفورة في أذهان وقلوب شعبها الصامد. فالفلسطيني، رغم اختلال موازين القوة، لا يقف بموقع المتلقي، بل يواصل الدفاع عن أرضه وهُويته، متمسكاً بحقه التاريخي والقانوني، وفي مواجهة مشروع يسعى إلى إعادة تشكيل الأرض وسكانها، يظل حضوره الفعلي على الأرض بالمقاومة، وصموده اليومي أمام المغتصب لأرضه، هو الحقيقة الأوضح والأكثر ثباتاً، حتى لو بدا وحيداً في ساحة معركة غير متكافئة القوى.
390
| 28 أبريل 2026
لم يعد الخليج مجرد ساحة خلفية لصراعات الآخرين، بل أصبح في قلب المعادلة، يدفع كلفة كل تصعيد، ويتحمل تبعات كل تعثر سياسي، وفي ظل الحرب المتصاعدة في المنطقة، تتجه الأنظار اليوم إلى جولة مفاوضات مرتقبة بين إيران والولايات المتحدة، بوساطة باكستان، في محاولة لتفادي العودة إلى المربع الأول، أي الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لن تكون دول الخليج بمنأى عن تداعياتها. الخليج، الذي يشكّل شريان الطاقة العالمي، يقف اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: أمنه مرتبط مباشرة باستقرار الممرات البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية، أي تهديد لهذا الممر لا يعني فقط ارتفاع أسعار الطاقة، بل يضع اقتصادات المنطقة أمام اختبارات حقيقية، ويهدد استقرارها الداخلي. من هنا، لا يبدو مستغرباً أن تتقاطع التحليلات الخليجية عند نقطة واحدة: لا يمكن ترك مصير المنطقة مرهوناً لتفاهمات خارجية فقط، بل لا بد من دور خليجي فاعل يُنتج الحل، أو على الأقل يفرض نفسه طرفاً رئيسياً في صياغته. فالدول الخليجية ليست مجرد متلقٍ للأحداث، بل هي المتضرر الأكبر من أي تصعيد، سواء على مستوى الأمن أو الاقتصاد أو حتى الاستقرار الاجتماعي. في المقابل، تدرك إيران أن أي مواجهة مفتوحة في الخليج لن تكون بلا ثمن، صحيح أنها تمتلك أوراق ضغط، أبرزها موقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في الملاحة البحرية، لكنها في الوقت ذاته تواجه تحديات داخلية وضغوطاً اقتصادية تجعل خيار التهدئة أكثر واقعية من التصعيد الشامل، لذلك، قد تميل طهران إلى استخدام التفاوض كأداة لشراء الوقت وتحسين شروطها، دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة قد تكون كلفتها باهظة. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في استمرار هذه القنوات، بل في تحويلها إلى موقف خليجي موحد، فالتحدي الأكبر الذي يواجه دول الخليج ليس فقط التعامل مع إيران، بل إدارة التوازن بين علاقاتها مع الولايات المتحدة من جهة، وحاجتها إلى استقرار إقليمي من جهة أخرى، هذا التوازن يتطلب رؤية سياسية واضحة، تتجاوز ردود الفعل إلى صناعة المبادرة، فالسيناريوهات المطروحة اليوم تتراوح بين تهدئة مؤقتة تُبقي التوتر قائماً، وبين اتفاق أوسع يعيد ترتيب قواعد الاشتباك في المنطقة. وفي هذا السياق، تبرز الدبلوماسية القطرية كأحد أعمدة التهدئة في الإقليم، عبر تبنّي سياسة تقوم على فتح قنوات الحوار وتفادي الانزلاق إلى التصعيد، دون التفريط في ثوابت الأمن الوطني أو الإقليمي، فقد حرصت الدوحة على الدفع باتجاه حلول سياسية تُجنّب المنطقة كلفة المواجهة، مع تأكيدها في الوقت ذاته على حق الدول في حماية أمنها ومصالحها إذا ما تعرضت للتهديد، غير أن هذا التوازن الدقيق لا يمكن أن يُفهم مساحة مفتوحة لاختبار حدود الصبر، إذ إن استمرار الضغوط أو التهديدات، خصوصا تجاه دول انتهجت الحياد الاستراتيجي، قد يدفع إلى إعادة تقييم هذا النهج. ومن هنا، فإن الحفاظ على الاستقرار لا يرتبط فقط بجهود الوساطة، بل أيضاً بمدى التزام إيران بعدم تجاوز الخطوط التي تمس أمن الخليج، أو محاولة فرض معادلات بالقوة في منطقة لم تعد تحتمل مغامرات محسوبة خطأ، سيما وأنَّ دول الخليج لم تذكِ فتيل الحرب. ختاماً: وبين رهانات التهدئة ومخاطر التصعيد، يبقى أمن الخليج مرهوناً بقدرته على صياغة موقف موحد يوازن بين الردع والدبلوماسية، ويمنع انزلاق المنطقة إلى أتون حرب لا تعرَّف نهايتها، ومن المهم خلال هذه المرحلة أن يدفع نحو تنويع تحالفاته الدولية وتغيير قواعد اللعبة لصالحه.
426
| 21 أبريل 2026
(139).. رقم محفور في ذاكرة الفلسطينيين، وشاهد على التاريخ النضالي للشعب الفلسطيني، فهذا الرقم يحمل خلفه سنوات من الأسر والاعتقال، إذ كان رقم زنزانة الأسير محمود بكر حجازي –أول أسير في الثورة الفلسطينية– الذي اعتُقل في يناير 1965، وأصدرت بحقه حكومة الاحتلال حكمًا بالإعدام لتصفيته، إلا أنّه قُدّر له أن ينال حريته بصفقة تبادل بعد ست سنوات من أسره، في يناير 1971، مقابل الجندي الإسرائيلي شموئيل فايزر، الذي اعتقلته حركة فتح أواخر عام 1969. ومع اقتراب يوم الأسير الفلسطيني الذي يصادف 17 أبريل، لا بد من التوقف عند محطة هذا المناضل، الذي توفي عام 2021 بعد صراع مع المرض، لنستذكر قصته التي ألهمت الكثير من الشباب الأحرار، الذين قدّموا ولا يزالون يقدمون دماءهم رخيصة في سبيل إنهاء الاحتلال، وطرد المحتل من أراضيهم، الذي لم يسرق الأرض فحسب، بل سرق التاريخ والذاكرة. وُلد محمود بكر حجازي عام 1936 في مدينة القدس، التي نشأ وترعرع فيها، وعاش في رحاب المسجد الأقصى. وكغيره من أقرانه، كان طفلاً يحلم بحياة زاهية، ملوّنة بألوان الطفولة، إلا أنّ مجزرة دير ياسين عام 1948 شكّلت نقطة مفصلية في حياته، وهو ابن الثانية عشرة، كما في حياة كثيرين ممن عاصروها. ووفق مقابلة سابقة مع قناة الجزيرة، استقبلت عائلته الهاربين من المذبحة، وبينهم جرحى، كانوا يرددون بمرارة "يا ويلنا، أولاد الميتة يأخذون بلادنا." تلك اللحظة نزعت عن محمود بكر حجازي عباءة الطفولة مبكرا، ودفعت به نحو التفكير في استعادة وطنه المحتل، وبعد مشاركته في عدة عمليات، أُسر عقب تنفيذه مع مجموعة من الفدائيين عملية استهدفت نسف أحد الجسور التي استخدمها جيش الاحتلال ممرًا للتنقل بين مدن الضفة الغربية، قرب بلدة بيت جبرين جنوب الخليل. وأسفرت العملية عن مقتل 24 من جنود الاحتلال، وذلك في 17 يناير 1965، حيث اشتبك مع القوات الإسرائيلية وأمّن انسحاب أفراد مجموعته، قبل أن يُصاب ويقع في الأسر عام 1965، بعد فترة وجيزة من عملية عيلبون، التي تُعد من أولى العمليات العسكرية لحركة فتح وبداية انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة. لكن حكاية حجازي، على رمزيتها، لم تكن سوى بداية لملف يتسع يوماً بعد يوم، فحتى اليوم، ووفق بيانات مؤسسات الأسرى، وعلى رأسها نادي الأسير الفلسطيني، يقبع في سجون الاحتلال أكثر من 9 آلاف أسير فلسطيني، بينهم 350 طفلاً، و66 سيدة، وآلاف المعتقلين إداريا دون تهمة أو محاكمة. ولا يقتصر الأمر على الاعتقال، بل يمتد إلى سياسات ممنهجة من التعذيب والإهمال الطبي والتجويع والعزل، في ظل ظروف احتجاز قاسية تفاقمت بشكل غير مسبوق منذ أكتوبر 2023، وقد أدى هذا الوضع إلى استشهاد 88 أسيراً نتيجة الإهمال الطبي والتعذيب، في حين تشير تقديرات أخرى إلى وفاة نحو 100 أسير، جراء انتهاكات الكيان المحتل لحقوق الإنسان ولمبادئ القانون الإنساني الدولي وقواعده، بما في ذلك اتفاقية جنيف الرابعة. وفي مفارقة قاسية، يتزامن إحياء يوم الأسير الفلسطيني هذا العام مع إقرار ما يُعرف بـ”قانون إعدام الأسرى”، في خطوة تكشف الوجه الحقيقي لمنظومة الاحتلال التي تسعى إلى شرعنة القتل تحت غطاء قانوني. ولا يمكن فصل هذا القانون عن سياق أوسع من سياسات الفصل العنصري الحديثة، التي يعيد الاحتلال إنتاجها بصورة أكثر قسوة، تتجاوز في بعض وجوهها ما شهدته جنوب أفريقيا إبان حقبة الأبارتهايد، من حيث استهداف الإنسان في وجوده وحقه في الحياة. إنَّ تمرير مثل هذا القانون لا يشكل خطرا على الأسرى الفلسطينيين فحسب، بل يمثل سابقة خطيرة تضرب أساس القانون الدولي الإنساني، وتفتح الباب أمام كل دولة معتدية لاتخاذ قرار بإعدام أسرى الدولة المعتدى عليها، دون أن يكون للمجتمع الدولي حينها القدرة على إيقاف هذا القرار. في يوم الأسير الفلسطيني، لا تبدو القضية مجرد أرقام أو مناسبات سنوية، بل واقعًا يوميًا يعيشه آلاف الفلسطينيين خلف القضبان. وبين رقم الزنزانة (139) لمحمود بكر حجازي، وآلاف الأرقام التي يحملها أسرى اليوم، تمتد حكاية شعب لا يزال يقاوم ويكتب تاريخه رغم القيد. ختاما.. إنَّ صمت المجتمع الدولي لم يعد حياداً، بل تواطؤ معلَّن، وإن حماية الأسرى الفلسطينيين والضغط لإسقاط قانون إعدام الأسرى لم يعد خياراً، ففي حال تطبيقه، فإنَّ على جميع المنظمات الحقوقية الدولية أن تغلق أبوابها وتحرق اتفاقياتها ومعاهداتها المتعلقة بحقوق الإنسان، لأن السائد حينها سيكون… قانون الغاب.
522
| 15 أبريل 2026
ليس هذا المقال الأول الذي أكتبه عن المسجد الأقصى المبارك في ظل استمرار إغلاقه، ولن يكون الأخير؛ فهذه قضية لا تُطوى صفحتها، ولا يجوز أن تُؤجَّل أو تُختصر، فالمسجد الأقصى ليس خبراً عاجلاً في نشرة إخبارية، بل وصيةُ الأنبياء، ووقفٌ إسلاميٌّ ممتد عبر التاريخ، تتجاوز قضيته حدود الجغرافيا والسياسة، لتستقر في عمق العقيدة والهوية. لليوم التاسع والثلاثين، تواصل سلطات الاحتلال إغلاق المسجد الأقصى بذريعة ما تسميه «حالة الطوارئ» نظراً للظروف الراهنة التي تشهدها المنطقة، في إجراء يتجاوز البعد الأمني إلى تكريس واقع جديد يفرض السيطرة الكاملة على المسجد ومحيطه، ويمتد حتى كنيسة القيامة، في سابقة تعكس اتساع دائرة الاستهداف لتشمل المقدسات الإسلامية والمسيحية على حد سواء، هذا المسار لا يمكن فصله عن سياسة ممنهجة تهدف إلى تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في المدينة المقدسة، وإعادة تعريف العلاقة مع هذه الأماكن بوصفها خاضعة لسيادة الاحتلال، لا لحقيقتها الدينية والإنسانية. وفي ظل هذا الواقع، لا يمكن فصل ما يجري في المسجد الأقصى عن سياق أوسع من السياسات الممنهجة التي تستهدف إعادة تشكيل الهوية الدينية والتاريخية للمدينة المقدسة، فالإغلاق المتكرر، ومنع المصلين، وفرض القيود على الوصول، كلها أدوات تُستخدم لفرض أمر واقع جديد يُحاول تطبيع الانتهاكات باعتبارها إجراءات أمنية عادية. فالمسجد الأقصى ليس مسجداً عادياً، بل هو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى نبينا محمد ﷺ، حيث يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1]. هذه البركة التي أحاطت بالمكان ليست وصفاً تاريخياً فحسب، بل دلالة مستمرة على مكانته في وجدان الأمة. وفي السنة النبوية، يرد تأكيد هذه المنزلة في قوله ﷺ: «لا تُشَدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» -رواه البخاري ومسلم-، وهو حديث يختزل خصوصية الأقصى وموقعه في العقيدة الإسلامية، كما أن ارتباطه بسلسلة الأنبياء يمنحه بعداً يتجاوز الزمن، ويضعه في قلب الرسالات السماوية. ومنذ الفتح الإسلامي في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، أصبح المسجد الأقصى وقفاً إسلامياً خالصاً، وهو ما عبّر عنه الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز بقوله «تلك أرضٌ أوقفها أولُ المسلمين على آخرهم، فليس لأحد أن يتمولها دونهم»، هذا المفهوم ليس نصا تاريخيا، بل قاعدة فقهية وأخلاقية تؤكد أن الأقصى ليس ملكاً لجيل دون آخر، ولا لشعب دون غيره، بل أمانة ممتدة في ذمة الأمة الإسلامية. ومع ذلك، يبدو أن هذا المعنى قد تراجع في الوعي العام، حيث بات المسجد الأقصى يُنظر إليه أحياناً بوصفه شأناً فلسطينياً محضاً، تُقاس المواقف تجاهه من خلال الموقف من الفلسطينيين، لا من خلال مكانته الدينية، هذا التحول في الإدراك يعكس خللاً عميقاً، إذ لا يمكن فصل الأقصى عن بعده الإسلامي الجامع، ولا اختزاله في سياق سياسي ضيق، والقاعدة التي طالما ترددت في الوعي الإسلامي تقول «متى كان الإيمان حاضراً، كان المسجد الأقصى في متناول الأمة، وحين يضعف، تتنازعه الأيدي»، هذا المعنى يجب أن لا يُفهم بوصفه خطابا وعظيا منفصلاً عن الواقع، بل هو بمثابة قراءة للواقع الذي يعكس علاقة طردية بين حضور المسجد الأقصى في الوجدان، وحضوره فعلاً واقعاً. ما يحدث اليوم يمثل تصعيداً خطيراً، ليس فقط من حيث الإجراءات، بل من حيث الرسائل التي تحملها، فإغلاق المسجد الأقصى وكنيسة القيامة في آن واحد يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل حرية العبادة في المدينة المقدسة، ويكشف عن توجه يسعى إلى إعادة تشكيل الواقع الديني بما يخدم رؤية أحادية، وعلى إثرها حذّرت جهات رسمية ودينية فلسطينية من خطورة استمرار هذه الإجراءات، معتبرة إياها انتهاكاً صارخاً وجسيماً لحرية العبادة التي كفلتها القوانين والمواثيق الدولية. في السياق ذاته، لا يمكن تجاهل أن هذه السياسات تأتي في ظل أوضاع أمنية متوترة تُستخدم كغطاء لتكريس السيطرة، حيث تتحول حالة الطوارئ إلى أداة دائمة لإعادة ترتيب المشهد على الأرض، ومع مرور الوقت، يصبح الاستثناء قاعدة، ويُعاد إنتاج الواقع بما يتوافق مع أهداف الاحتلال. إن استمرار إغلاق المسجد الأقصى لليوم التاسع والثلاثين مؤشر على مسار يتعمق، وعلى واقع يُعاد تشكيله بهدوء، في ظل انشغال إقليمي ودولي، وبينما تتوالى التحذيرات، يبقى السؤال الأهم: هل ما زال المسجد الأقصى حاضراً في موقعه الحقيقي داخل الوعي الإسلامي!؟، أم أنه يُدفع تدريجياً إلى هامش الاهتمام!؟. ختاماً... لا يتعلق الأمر بموقف سياسي بقدر ما يتعلق بمسؤولية أخلاقية ودينية، تستدعي استعادة المعنى الحقيقي للمسجد الأقصى، بوصفه وقفاً للأمة، ورمزاً لوحدتها، وامتحاناً دائماً لوعيها بمكانته وبأنه وصية الأنبياء لنا، ولن يسود السلام إلا بعودة الحق لأهله.
573
| 08 أبريل 2026
في لحظة يحيا بها عالمنا العربي على صفيح ساخن بسبب التوترات التي تشهدها المنطقة، برز صوت سعادة السيدة لولوة بنت راشد الخاطر، وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي في قطر، كواحد من الأصوات القليلة التي اختارت أن ترى المشهد ببصيرتها لا بمجرد بصرها؛ تحلّله بعين المثقف الواعي، لا المتعصّب المندفع وراء عاطفته، لتضع الأمور في سياقها الحقيقي، وتعيد ضبط البوصلة نحو ما ينبغي أن يكون عليه الوعي الجمعي في أوقات الأزمات والحروب. لم تكن تغريدة سعادتها التي عنونتها بـ «يا للمهاجرين! يا للأنصار! فكيف نطفئ نار الفتنة؟» تعليق عابر من مسؤول على حدث سياسي متسارع الوتيرة، بل كانت بمثابة قراءة هادئة للوضع الراهن كما وصفته؛ لأنها جاءت في توقيت بالغ الحساسية، مع تصاعد التوتر إثر الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، وما تبعه من ردٍّ إيراني طال منشآت حيوية في عدد من دول الخليج، من بينها دولة قطر. وفي خضم هذه الأحداث، لا يقتصر الخطر على الأوطان عسكريا فقط، بل هناك خطر موازٍ، أراه أكثر عمقا وتأثيرا على المدى البعيد، يتمثّل في «الفتنة» التي وجدت لنفسها مساحة واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث خرجت أصوات متفرقة، بعضها معلوم الدوافع، وأخرى انساقت دون وعي، لتغذّي خطاب الانقسام بين الشعوب العربية، وتعيد إنتاج الاستقطاب داخل المجتمعات الخليجية والعربية. وسط هذا المشهد، جاء حديث سعادة السيدة لولوة بنت راشد الخاطر ليكسر هذه الحلقة عبر تفكيك السردية التي تقوم عليها الفتنة؛ فقدّمت قراءة هادئة وعقلانية تضع ما يحدث في إطاره الحقيقي، مؤكدة أن التطورات الإقليمية لا ينبغي أن تُترجم إلى خلافات داخلية بين شعوب المنطقة من منطلق أنَ للسياسة رجالها، وهنا، اختارت سعادتها أن يكون حديثها بعيدا عن منصبها الرسمي، منطلقاً من مسؤوليتها كشخص مثقف له ثقله وصوت تجاوز صداه حدود المنطقة إلى العالمية، ومن منطلق غيرتها على دينها وعروبتها، لقد تكلّمت بوعي عميق عن طبيعة الحروب الحديثة، التي لم تعد تُخاض بالأسلحة العسكرية فقط، بل عبر الإعلام، والسرديات، ومنصات توجيه الرأي العام أيضاً. ما قامت به سعادتها ينمّ عن فطنة وكياسة؛ ففي زمن تتحول فيه الكلمة إلى أداة إشعال، اختارت أن تكون كلمتها الماء الذي يطفئ نار الفتنة، وهنا يتجلّى معنى الحديث النبوي الشريف عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ»، وكانت تغريدة سعادتها مفتاحًا للخير»؛ ليس لأنها قدّمت رأيا مختلفا فحسب، بل لأنها أغلقت أبوابا كانت على وشك أن تُفتح على مصراعيها أمام مزيد من الانقسام، فالتفاعل الواسع الذي حظيت به، سواء من المنصات الإخبارية المحلية أو من مؤثرين خليجيين وعرب، يعكس حالة من التعطش لخطاب عقلاني من مثقفي الأمة يوازن بين الانتماء الوطني والوعي الإقليمي، ويعيد الاعتبار لفكرة أن الخلافات السياسية لا يجب أن يصاحبها تشرذمات وانقسامات على مستوى الشعوب، لاسيما الشعوب العربية والخليجية، لما يربطها من دين ومصير واحد. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى موقف سعادة السيدة لولوة بنت راشد الخاطر بوصفه امتدادا لدورها الأصيل في ترسيخ الوعي الرشيد داخل المجتمع، فهي لم تتحدث بصفة المسؤول الحكومي فحسب، بل بصفتها صاحبة رؤية فكرية تؤمن بأن التعليم والثقافة هما الركيزتان الأساسيتان لبناء مجتمع قادر على التمييز بين الحقيقة والتضليل، وهذا يتقاطع مع موقعها كوزيرة للتربية والتعليم؛ إذ ترى أن مسؤولياتها لا تتوقف عند حدود إدارة منظومة تعليمية، بل تمتد لتشمل المساهمة في تشكيل وعي أجيال كاملة، وتمكينهم من قراءة الأحداث بعين العقل لا بانفعال اللحظة. ختاماً... يمكن القول إنه إن كان هناك من درس يمكن استخلاصه من هذا المشهد، فهو أن الكلمة، مهما بدت بسيطة، فإما تكون أداة بناء أو أداة هدم، وفي زمن تتكاثر فيه الأصوات، يبقى الصوت الذي يختار الحكمة ويواجه الفتنة بالوعي، هو الأجدر بأن يُسمع، لقد قدّمت سعادة السيدة لولوة بنت راشد الخاطر نموذجا يحتذى لما يمكن أن يكون عليه دور المثقف في زمن الأزمات، من خلال توجيه الوعي لا تأجيج نار الفتنة؛ وكأن سعادتها تُجسّد قول الإمام النووي رحمه الله» ينبغي للعالِم والرجل العظيم المطاع، وذي الشهرة، أن يسكّن الناس عند الفتن، ويعظهم، ويوضح لهم الدلائل.»
543
| 01 أبريل 2026
أطفأوا سجائرهم في جسده الصغير، وغرسوا مسماراً في ساقه، هذا ليس مشهدا من فيلم قاسٍ تم رفضه رقابيا، بل واقع عاشه الطفل جواد أسامة نصّار لم يُكمل عامه الثاني على يد جنود الاحتلال، حادثة تختصر حجم التناقض بين ما يُروَّج عن أخلاقية جيشهم!، وما يُمارس فعليا على الأرض. في ثاني أيام عيد الفطر، خرج والد الطفل، ويدعى أسامة، في محاولة للتخفيف من أزمته النفسية بعد أن فقد مصدر رزقه الوحيد، إثر نفوق خيله بقصف من جيش الاحتلال، مصطحباً طفله «جواد» في نزهة داخل مخيم المغازي، واتجه شرقًا دون وعي، ليقترب مما يُعرف لدى الغزيين بـ الخط الأصفر، وهي منطقة محرّمة يُطلق فيها النار على كل من يقترب. مع اقترابه من المنطقة المكشوفة، بدأ جيش الاحتلال بإطلاق الرصاص في محيطه، لم تصبه الطلقات حينها، لكنها أجبرته على التراجع، في تلك اللحظة، ظهرت طائرة مسيّرة تحلّق على ارتفاع منخفض، تبث أوامر مباشرة عبر مكبرات الصوت، تَوقَف الأب وكأنه استفاق من سباته على إصابة برصاصة في كتفه، بحسب ما أُبلغت العائلة عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، حينها أُجبر على إنزال طفله ووضعه على الأرض، ثم نزع ملابسه كما طُلب منه، والتقدم نحو الجنود، تاركاً فلذة كبده خلفه وحيدا في العراء. استمر هذا الوضع لساعات طويلة، قبل أن تتلقى العائلة، بعد نحو 12 ساعة من غيابهما بين خوف وهلع عن سبب تغيبهما، اتصالاً من اللجنة الدولية للصليب الأحمر لاستلام الطفل، وحينما توجه جد الطفل إلى المكان المقرر لاستلام حفيده، أُبلغ من رجال اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الأب مصاب ولا يزال قيد الاحتجاز، دون أي إشارة إلى ما تعرّض له الطفل، بل برروا الدماء التي على ملابس الطفل بأنها تعود لوالده!. غير أن الحقيقة تكشفت فور استلامه، حيث كان الطفل في حالة غير طبيعية من البكاء الهستيري والهلع كما روت والدته، وعند تفقده، لاحظت والدته وجود إصابات واضحة على جسده وساقيه، تم على إثرها نقله إلى مستشفى شهداء الأقصى، حيث أظهرت الفحوصات أن الطفل قد تعرض للتعذيب، وأنَّ ما على جسده من ندوب هي لحروق ناتجة عن ولاعة أو إطفاء أعقاب سجائر في جسده، إضافة إلى وجود آثار لثقب عميق نافذ في سمانة الساق، وفق ما نقلته العائلة. هذه الواقعة تعكس نمطاً وحشياً بل وسادياً من السلوك القائم على نزع الإنسانية عن الضحية، خصوصا حين يكون دونهم من «الأغيار» على حسب تعبيرهم، وهنا يبرز التناقض الحاد بين الخطابات المتكررة على ألسنة الناطقين الرسميين باسم الجيش المحتل، بأن جيشهم يعد الأكثر أخلاقية، وبين ممارسات موثقة لا يمكن تبريرها قانونيا أو أخلاقيا، وهذا ما أكدته حرفيا فرنشيسكا ألبانيزي، مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالأراضي الفلسطينية، في آخر تقرير لها تؤكد وحشيتهم وساديتهم بالاستناد إلى القانون الدولي الذي يرى أن التعذيب والإبادة الجماعية ممنوعان بشكل مطلق. قصة جواد تتقاطع مع حوادث أخرى هزّت الرأي العام، من بينها استهداف الطفلة هند رجب حتى سقطت شهيدة مع عائلتها داخل سيارة أثناء محاولتهم البحث عن مكان آمن، ورغم موجة الإدانات الدولية التي أعقبت تلك الحادثة، إلا أن الواقع لم يتغير، ما يعكس خللاً في آليات المساءلة الدولية، طالما أن موازين القوة تميل لصالح طرف دون آخر. .. والسؤال ما الذي يمكن أن يشكّله طفل بهذا العمر من تهديد لجنود مدججين بالسلاح؟!، وأي منطق يسمح بتعذيبه أو استخدامه كوسيلة ضغط؟ الإجابة بكل تأكيد تظل أنه لا يوجد أي مبرر، لهذا الفعل السادي، ولهذا التصرف الوحشي، إلا وأنَّ مرجعيتهم الدينية تأمرهم بهذا الصنيع غير الأخلاقي، حيث نشرت مجلة «مومِنت» (Moment) اليهودية الأمريكية في عددها الصادر في مايو 2009، حوارا مع الحاخام الصهيوني «مانيس فريدمان» حول الطريقة المثلى لتعامل اليهود بفلسطين المحتلة مع جيرانهم من العرب، وقد أتت إجابة «فريدمان» كالتالي «إنني لا أومن بالأخلاقيات الغربية، بمعنى أن عليك ألا تقتل المدنيين أو الأطفال، وألا تُدمِّر الأماكن المقدسة، وألا تقاتل في المناسبات الدينية، وألا تقصف المقابر، وألا تُطلق النار قبل أن يطلقها عليك الآخرون..»، إن الطريقة الوحيدة لخوض حرب أخلاقية هي الطريقة اليهودية « دمِّر أماكنهم المقدسة، واقتل رجالهم ونساءهم وأطفالهم ومواشيهم»، معللا ذلك بأنه الرادع الوحيد والحقيقي للتخلُّص من ثبات الفلسطينيين ومقاومتهم المستمرة، انطلاقا من هذا التأصيل الكتابي، يرى الباحث في الشؤون العبرية الدكتور رشاد الشامي، أن هذه القوانين الكتابية هي التي يتسلمها القادة الإسرائيليون كمصدر وحي، وكشريعة مقدسة لاستئناف البعث الإسرائيلي في فلسطين، على أساس أن كل جريمة تصبح شرعية وقانونية من أجل تحقيق وعد الرب. في ضوء ذلك، لا يعود ما جرى مع جواد حادثة فردية، ومن قام بها سيعاقب!، بل هذه الحادثة نتيجة منطقية لمسار كامل يُعيد تعريف الجريمة كفعل مشروع، فيصبح التعذيب تقربا للرب وفق روايتهم، والإبادة فعلاً رادعاً، ومن قام بها سيكافأ، وهذا يعني أنَّ لهذه الأفعال بداية لكن لا نهاية لها مع منطق أعوج يرى في تعذيب الأطفال وسيلة لرضا الرب «يهوة». ختاماً.. قد تصدر الإدانات، وقد تتكرر بيانات الشجب، لكن ما دام هذا الفكر نابعا من عقيدة حتى وإن كانت محرفة، وما دامت القوة تحميه، فإن المأساة ستتكرر بأسماء جديدة، وسيبقى السؤال بلا إجابة كم طفل آخر يجب أن يُعذَّب، حتى يتوقف العالم عن تصديق الرواية… ويبدأ بمواجهة الحقيقة.
492
| 25 مارس 2026
قرار سلطات الاحتلال بإغلاق المسجد الأقصى منذ بدء التصعيد العسكري في المنطقة تحت ذريعة الإجراءات الاحترازية لا يبدو كما تحاول إسرائيل تصويره، فالتوقيت والسياق يكشفان أن المسألة تتجاوز مسألة الأمن إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ يتقاطع هذا القرار مع خطاب ديني سياسي متصاعد داخل التيار الصهيوني المتطرف يرى في الحرم القدسي موقعا ينبغي إعادة تعريفه وفق الرواية التوراتية التي تتحدث عن إقامة ما يسمى الهيكل المزعوم. فمنذ 28 فبراير 2026 أي منذ بدء الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، أغلقت سلطات الاحتلال أبواب المسجد الأقصى أمام المصلين، في سابقة ثقيلة الدلالة خصوصا أنها امتدت إلى العشر الأواخر من شهر رمضان، وهو الوقت الذي اعتاد فيه عشرات الآلاف من الفلسطينيين -المسموح لهم الوصول إلى المسجد الأقصى وفق قرارات الاحتلال- التوافد إلى المسجد للصلاة والاعتكاف، هذا الإغلاق يعد خطوة تُضاف إلى سلسلة طويلة من الإجراءات التي تستهدف تغيير الواقع القائم في الحرم القدسي، وإعادة رسم حدود السيطرة عليه تدريجياً. التجربة الطويلة للصراع على القدس تشير إلى أن مثل هذه القرارات لا تأتي بمعزل عن سياق سياسي أوسع. فالاحتلال يدرك أن لحظات الاضطراب الإقليمي تمثل فرصة لإحداث تغييرات حساسة في المدينة، خصوصاً عندما تنشغل الدول المؤثرة في المنطقة بأزماتها الأمنية والعسكرية، ومع تصاعد المواجهة في المنطقة وجد الاحتلال في هذا المناخ المضطرب فرصة لفرض إجراءات غير مسبوقة في المسجد الأقصى دون أن يواجه ضغطاً إقليمياً مكثفًا. في الوقت ذاته، يتزامن هذا الإغلاق مع نشاط متزايد لجماعات صهيونية متطرفة تعرف باسم «اتحاد منظمات الهيكل» -يصل عددها إلى أكثر من 50 منظمة ومؤسسة يقود جزءا منها حاخامات ونواب في الكنيست ووزراء في الحكومة الإسرائيلية-، التي تنطلق من معتقد ديني يرى أن الحرم القدسي هو الموقع الذي ينبغي أن يُقام عليه «الهيكل الثالث» تمهيداً لظهور «المسيح المنتظر» –الماشيح- وفق الرواية التوراتية لدى هذه التيارات، وقد كثفت هذه الجماعات خلال الفترة الأخيرة حملاتها للدعوة إلى إدخال طقوس دينية يهودية إلى باحات المسجد الأقصى، وعلى رأسها الدعوة إلى ذبح ما يسمى «قربان الفصح»، في محاولة واضحة لفرض حضور ديني مختلف داخل مكان ظل طوال قرون مسجدًا إسلاميًا خالصًا. هذا الخطاب لم يعد مقتصراً على الهامش الديني المتطرف، بل بدأ يتسلل تدريجياً إلى المجال العام في إسرائيل، وفي هذا السياق أعيد تداول تصريحات مثيرة للجدل للحاخام المتطرف يوسف مزراحي تحدث فيها عن احتمال أن يُصاب المسجد الأقصى بصاروخ يُنسب إلى إيران، بما قد يفتح الطريق – وفق تصوره – أمام إزالة المسجد وإقامة الهيكل مكانه، وتعد هذه التصريحات منتهى الخطورة لأنها تعكس مناخاً فكرياً بات أكثر جرأة في طرح سيناريوهات تمسّ أحد أكثر الأماكن قداسة لدينا كفلسطينيين وكمسلمين. غير أن الخطاب الديني المتطرف لا يتحرك وحده، بل يحتاج إلى واقع سياسي يوازيه، ومن هنا تأتي محاولات تغيير ما يعرف بالوضع التاريخي القائم في المسجد الأقصى، والذي يمنح دائرة الأوقاف الإسلامية بالمملكة الأردنية الهاشمية حق إدارة شؤون المسجد وتنظيم الدخول إليه، فمن خلال الإغلاق المتكرر ومنع الأوقاف من أداء مهامها بشكل طبيعي، تسعى سلطات الاحتلال إلى تكريس واقع جديد يصبح فيه «المحتل» الجهة الفعلية التي تتحكم في فتح المسجد وإغلاقه وتنظيم الوصول إليه. مع مرور الوقت قد يتحول هذا الواقع المؤقت إلى قاعدة دائمة تُضعف الوصاية الإسلامية التاريخية على المسجد الأقصى، وهو ما يثير مخاوف متزايدة لدى الباحثين والمتابعين لشؤون القدس من أن تكون هذه الخطوات تمهيداً لتغيير أوسع في طبيعة إدارة الحرم القدسي. وفي الوقت الذي تُفرض فيه هذه الإجراءات في القدس، تعيش المنطقة واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً منذ سنوات، حيث تتصاعد المواجهة العسكرية وتزداد التوترات الإقليمية، ما يدفع العديد من الدول إلى التركيز على تحدياتها الأمنية المباشرة، في مثل هذه اللحظات غالبا ما تتراجع قضايا سياسية مركزية إلى الخلفية، وهو ما يمنح الاحتلال مساحة أوسع لفرض وقائع جديدة على الأرض. إذاً وفق ما تشهده المنطقة من اضطرابات لا يبدو إغلاق المسجد الأقصى حدثا هامشيا على أجندة الصراع، بل هو لب الصراع لتحقيق أهداف صهيونية تلبي شهوة الاحتلال لمزيد من السيطرة على الأراضي الفلسطينية وصولا إلى ما بعدها لإقامة مشروع إسرائيل الكبرى، ضمن سياق تتقاطع فيه ثلاثة مسارات: خطاب ديني متطرف يسعى إلى إعادة تعريف قدسية المكان وفق الرواية التوراتية، وسياسة ميدانية تعمل على إضعاف الوصاية الإسلامية وتغيير قواعد الإدارة داخل المسجد الأقصى، وسياق إقليمي مشتعل يبعد الأنظار عن ما يحدث للمسجد الأقصى والضفة الغربية وغزة في لحظة غاية في الحساسية. ختاما... ماذا لو تحوّلت تصريحات مزراحي إلى واقع؟، هل ستواصل الأمة الإسلامية الاختباء خلف صمتها؟ أم الاكتفاء بخطابات الشجب والإدانة التي لا تغيّر شيئا في ميزان القوة؟ إن المرحلة تفرض موقفاً واضحاً وصوتاً عالياً يواجه مطامع المحتل بكل الوسائل المشروعة التي يملكها المقاوم، فالمسجد الأقصى، بما يمثّله من تاريخ وهُوية وروح، لن يعود عبر بيانات التنديد، بل عبر إرادة شعبية جماعية تؤمن بأن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة.
636
| 18 مارس 2026
الحرب النفسية تكاد تكون من أولى الاستخدامات للجوانب النفسية في الأزمات والحروب، وقد شاع استخدامها منذ عصور مبكرة في الحضارات القديمة، وتشير العديد من الشواهد التاريخية إلى أن جذور هذا النوع من الحروب تعود إلى مناطق حضارية مبكرة في العالم القديم، حيث استخدمت أساليب التأثير النفسي والدعاية لبث الخوف في صفوف الخصوم وإرباكهم قبل المواجهة المباشرة. وتذكر المصادر التاريخية أن حضارات قديمة مثل حضارة الفراعنة في مصر، وكذلك الإغريق اليونانيين، استخدمت مبادئ الحرب النفسية ضد خصومها، بهدف إلحاق الرعب والهلع في قلوبهم وإضعاف روحهم المعنوية وخلق حالة من الفوضى والإرباك وعدم الثقة داخل صفوفهم، واعتمدت تلك الأساليب على الإشاعات والتضليل والتلاعب بالصورة الذهنية للخصم، وهي أدوات ما زالت تُستخدم حتى اليوم ولكن بوسائل أكثر تطوراً. وذكر الجنرال والمفكر العسكري الصيني القديم Sun Tzu في كتابه الشهير ( War ( The Art of أنَّ الصينيين القدماء استخدموا الحرب النفسية مثل السحر والدعاية والإشاعة في معاركهم ضد أعدائهم. ورغم قدم هذه المفاهيم، فإن الحرب النفسية في العصر الحديث أخذت أشكالاً أكثر تعقيداً مع تطور وسائل الإعلام والاتصال، وخصوصاً مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت بيئة مثالية لانتقال الرسائل المضللة والإشاعات بسرعة كبيرة،وفي ظل الظروف التي تمر بها المنطقة حالياً، نتيجة التصعيد بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، وما تبعه من هجمات امتدت آثارها إلى دولة قطر ودول المنطقة، لم تقتصر المواجهة على الجانب العسكري فحسب، بل امتدت إلى ساحة أخرى لا تقل خطورة، وهي ساحة الحرب النفسية. فخلال اشتداد الأزمة، ظهرت على منصات التواصل الاجتماعي حملات وخطابات تحاول إثارة الفتن والانقسام بين الشعوب العربية، من خلال الترويج لروايات تحت وسم #الخليج_ليس_قضيتي تزعم بشماتة بعض الشعوب لاسيما الشعب الفلسطيني بما يحدث في دول الخليج من تعرضها لهجمات إيرانية سافرة، الأمر الذي دفع آخرين إلى الرد بوسم #فلسطين_ليست_قضيتي، لتتحول المسألة إلى حالة من التراشق اللفظي الذي يغذي مشاعر الغضب ويعمق الانقسام في ظل ظروف تتطلب منَّا الكثير من الوعي واليقظة والتحلي بسياسة ضبط النفس. غير أن قراءة هذه الظواهر في سياقها الأوسع تكشف أنها ليست انعكاساً حقيقياً لمواقف الشعوب، بقدر ما هي جزء من معركة نفسية تُدار في الفضاء الرقمي، هدفها الأساسي ضرب الثقة بين المجتمعات العربية والإسلامية وإشغالها بصراعات جانبية "مفتعلة" تبعدها عن التحديات الحقيقية التي تواجه المنطقة في ظروف غاية في الحساسية. فالحرب النفسية بطبيعتها تسعى إلى تفكيك المجتمعات من الداخل، ومن هنا تأتي خطورة وسائل التواصل الاجتماعي، التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى ساحة رئيسية لهذا النوع من الحروب، حيث يمكن لأي رسالة أو مقطع فيديو أو تعليق أن ينتشر بسرعة هائلة، ويصنع موجة من التفاعل والانفعال قبل أن يتم التحقق من صحته أو معرفة الجهة التي تقف وراءه. إن إدراك طبيعة الحرب النفسية أصبح ضرورة ملحة، خصوصاً في ظل الأوضاع المتقلبة التي تمر بها منطقتنا، فالمعركة لم تعد تدار في الميدان العسكري فقط، بل أيضاً في العقول والوجدان، ولهذا فإن الوعي المجتمعي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة هذا النوع من الحروب، فالمرحلة الراهنة تتطلب قدراً أكبر من التماسك والوحدة، لا الانشغال بصراعات جانبية أو سجالات تؤجج الشعوب العربية حيال بعضها البعض، وتُغذّيها منصات التواصل الاجتماعي، كما أن إدراك طبيعة هذه الحملات يساعد على كشف الأجندات التي تقف خلفها. ختاما... ..والآن وقد علمنا كيف تدار الحروب، يبقى الوعي هو السلاح الأهم، فكل كلمة يتم نشرها، وكل رسالة يتم تداولها، قد تكون جزءاً من معركة أكبر تستهدف العقول قبل أي شيء آخر، ومن هنا فإن مسؤولية مواجهة الحرب النفسية لا تقع على الحكومات والمؤسسات فقط، بل تمتد أيضاً إلى وعي الأفراد وقدرتهم على التمييز بين الحقيقة والتضليل، وبين الرأي الصادق والرسالة التي تقف خلفها أجندات خارجية تريد لمجتمعاتنا مزيداً من الانقسام والضعف، قال الله تعالى في محكم كتابه ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (سورة الحجرات: 6).
630
| 11 مارس 2026
مساحة إعلانية
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي...
11253
| 17 أغسطس 2026
فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة،...
3756
| 17 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد...
3057
| 16 أغسطس 2026
ليست كل الأزمات التي تواجه المؤسسات مالية أو...
1716
| 16 أغسطس 2026
لا تنحصر رسالة القضاء في الفصل في الخصومات...
1203
| 15 أغسطس 2026
من المواقف التي لا تُنسى في ملتقيات القمم...
1104
| 17 أغسطس 2026
فزّت «أم علي» من نومها ومستضيقه. شافتها أمها:...
690
| 17 أغسطس 2026
في العلاقات الإنسانية، نتحدث كثيرًا عن فن البدايات،...
630
| 16 أغسطس 2026
تنظر فئات من الناس إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي...
597
| 15 أغسطس 2026
تروي الأسطورة أن مدينة طروادة صمدت سنوات أمام...
576
| 19 أغسطس 2026
قرأت مقال الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري...
558
| 18 أغسطس 2026
إلى الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري… شكراً...
543
| 16 أغسطس 2026
مساحة إعلانية