رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قرأت مقال الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري عن بغداد بعين البغدادي؛ أصلاً وثقافةً وتاريخاً وذاكرةً. قرأته وفي نفسي تقدير خاص للدكتور الكواري وهو من بين زحمة الأخبار والأحداث والأزمات يلفت انتباهنا إلى بغداد، وبغداد لم تعد بغداد التي نعرف، ما يثير اللوعة والشجنُ …
والدكتور الكواري ليس كاتباً عابراً في المشهد الثقافي العربي؛ فهو وزير دولة، ورئيس مكتبة قطر الوطنية، وكان وزيرا للثقافة وهو دبلوماسي محترف ومثقف مخضرم، راكم تجربة طويلة في ميادين الثقافة والدبلوماسية والعمل العام، وكان مرشح دولة قطر لمنصب المدير العام لمنظمة اليونسكو. ولذلك فإن حديثه عن بغداد، بتاريخها ومكانتها ومستقبلها، له وقع خاص ودلالة تستحق التوقف عندها.
أحسن الدكتور الكواري حين سجّل مآثر بغداد، واستعاد شيئاً من ألقها ومكانتها، وشخّص المخاطر والتحديات التي تحاصر حاضرها، وعبّر بصدق عن أمله في أن تستعيد عافيتها ودورها. وقد وجدت في كلماته محبة لبغداد وحرصاً عليها يتجاوز حدود الجغرافيا، وكأن السؤال الذي اختاره عنواناً لمقاله: «بغداد… متى تعود بغداد؟» سؤال عربي قبل أن يكون عراقياً.
بغداد التي نتذكرها،
وعندما نقول بغداد، فإننا لا نتحدث عن مدينة نمطية، بل عن ذاكرة أمة وحاضرة … حضارة.
نتذكر تأسيسها على يد الخليفة أبو جعفر المنصور سنة 762م، و«المدينة المدورة»، ثم بغداد هارون الرشيد والمأمون، حين أصبحت إحدى أعظم حواضر العالم ومركزاً للسياسة والتجارة والعلم والترجمة.
نتذكر بيت الحكمة والمدرسة المستنصرية؛ والمدرسة النظامية، وحركة الترجمة الكبرى؛ والخوارزمي والرياضيات والجبر، والكندي والفلسفة، وحنين بن إسحاق والترجمة والطب، والرازي وبن سينا والعلوم الطبية. كانت بغداد في مراحل من تاريخها مكاناً تلتقي فيه علوم اليونان والفرس والهند بالعقل العربي الإسلامي، ثم يعاد إنتاجها وإثراؤها، يوم كانت بغداد قبلة للعلماء والفقهاء والأطباء والفلاسفة والمترجمين، ومركزاً من مراكز إنتاج المعرفة في العالم.
ونتذكر بغداد الإيمان والفقه والتصوف؛ ففي ثراها يرقد الإمام موسى الكاظم وحفيده الإمام محمد الجواد، وفيها الإمام أبو حنيفة النعمان، والإمام أحمد بن حنبل، والشيخ عبد القادر الجيلاني، والجنيد البغدادي. رضي الله عنهم وأرضاهم، رموز ومدارس ومذاهب متعددة احتضنتها مدينة واحدة، وكأن تاريخ بغداد نفسه يقول لنا إن التنوع كان يوماً مصدر ثرائها وقوتها، لا سبباً لانقسام مجتمعها وصراع أبنائها.
حين نقول بغداد نتذكر الشعر والأدب …أبا نواس، وأبا تمام، والبحتري، والمتنبي وصلته ببغداد والعراق، ثم في العصر الحديث: معروف الرصافي، وجميل صدقي الزهاوي، والجواهري، ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، وبلند الحيدري. إنها مدينة كان الشعر فيها جزءاً من هويتها، لا مجرد نشاط أدبي.
نتذكر فنونها التشكيلية وابداع الفنانين، جواد سليم ومحمد غني حكمت والناصري والعزاوي …وهاشم الخطاط، وبغداد الكتاب وشارع المتنبي وسوق السراي ومكتبة المثنى، وبغداد المقام العراقي، ومقهى الشابندر، والقشلة وشارع الرشيد، والكرخ والرصافة والأعظمية والكاظمية … باب المعظم والباب الشرقي والشورجة وساحة الميدان والطوب وسوق الهرج …ودجلة، ذلك الشاهد الأبدي الذي ظل يجري في قلب المدينة، حاملاً أفراحها وأحزانها وانتصاراتها وانكساراتها.
بغداد يوم ولدت من جديد عام 1921, ونتذكر الملك الحكيم فيصل الأول، كما نتذكر مأساة قصر الرحاب عام 1958 ومجزرة العائلة المالكة…
هذه بغداد التي نتحدث عنها؛ مدينة لم يكن مجدها عراقياً فحسب، بل كان عربياً وإسلامياً وإنسانياً.
متى تعود… أم كيف تعود؟
لكن المقال، بعد أن سجّل المآثر، وحدد المخاطر، وعبّر عن الأمل بعودة بغداد، ترك في ذهني سؤالاً محيراً، لكنه مكملاً ولا يقل أهمية:
كيف تعود بغداد؟
فبغداد لا تعود باستحضار تاريخها، والتغني بأمجادها، لا … ولا بالحنين إلى ماضيها، بل ولا حتى بالأمنيات …. العودة الحقيقية تبدأ، عندما نجازف ونغشى حقل الألغام الذي تجنبه الدكتور الكواري، ننزع الألغام ونزيل العوائق ونعالج الأسباب التي أفضت إلى تراجعها، ولازالت تحول بينها وبين نهوضها وتعافيها.
تعود بغداد عندما تستعيد الدولة سيادتها وهيبتها وقرارها الوطني؛ عندما يسود القانون على الجميع، والمواطنة على الطائفة، والتعايش على الاختلاف والفرقة، والكفاءة على المحاصصة، والنزاهة على الفساد، والعلم والثقافة على التجهيل والتخلف والتفاهة.
تعود عندما يشعر العراقي، أياً كان مذهبه وقوميته وثقافته، أن بغداد مدينته وأن العراق وطنه، وأن الدولة تحميه ولا تميّز بين مواطن وآخر.
وتعود عندما يستعيد الإنسان العراقي ثقته بنفسه وبوطنه وبالمستقبل.
لكن بغداد أمام عظم التحديات والخطوب قد تعجز لوحدها ان تنهض بمهمة تنوء منها الجبال … وهنا يأتي دور القريب والبعيد … في الدعم والمؤازرة …
وللعراق عتب على إخوته
وهنا لا بد من كلمة قد تكون مؤلمة، لكنها ضرورية.
العراق لم يقصّر يوماً في النهوض بواجباته تجاه أشقائه العرب. كان حاضراً حين احتاجوا إليه؛ قدّم المال حين لزم المال، وفتح ابواب العلم حين طلبوه، وبذل الأرواح رخيصة ودون مقابل، وحمل قضايا أمته وهمومها بوصفها قضاياه وهمومه.
لكن للعراق اليوم عتباً… ولبغداد حزناً.
ففي سنوات محنته القاسية، ترك العراق ليواجه قدره لوحده إلا من البعض القليل وهو كان يحتاج إلى حضور عربي أكبر؛ حضور يسنده، يعزز صموده، ويحفظ استقراره وأمنه، ويساعده على تجاوز محنته واستعادة عافيته، لقد شعر العراقيون في ساعة الشدة وهم يتلفتون يمنة ويسرة بحثاً عن ناصر ومعين …. انهم قد خذلوا !!
وهذه حقيقة ينبغي ألا نتحرج في قولها، ليس لاستدعاء اللوم ولا لفتح دفاتر الماضي، وإنما لاستخلاص الدرس للمستقبل.
فما زال الوقت متاحاً، والحلم قائماً، والأمل لم ينطفئ.
وبغداد التي أعطت محيطها العربي والإسلامي الكثير، لا تطلب اليوم ردَّ جميلٍ مضى، وإنما تتطلع إلى شراكة عربية حقيقية في صناعة مستقبلها؛ استثماراً وثقافةً وتعليماً وإعماراً وتواصلاً وانفتاحاً، بما يعيد العراق إلى عمقه الطبيعي، ويعيد العرب إلى بغداد.
بغداد ستعود
على مدى تأريخها، سقطت بغداد، واحترقت، وغُزيت، ونُكبت أكثر من مرة … لكنها كانت تنهض بشموخ من بين الرماد … في كل مرة.
قال فيها الشاعر المبدع مصطفى جمال الدين:
بغدادُ ! مــا اشتبكتْ عليكِ الأعصرُ...
إلّا ذوتْ ووريقُ عمــرِكِ أخضـرُ
مـرّتْ بكِ الدنيـــا وصبـحُكِ مشمِــسٌ...
ودجتْ عليـكِ ووجــهُ ليلِكِ مُقمِرُ
وقســـتْ عليــكِ الحــادثـاتُ فــراعَها...
أنّ احتمــالَكِ مـــن أذاهـــــا أكــــبرُ
ولهذا فإنني أشارك الدكتور حمد الكواري أمله بأن بغداد ستعود.
غير أن السؤال لم يعد فقط:
متى تعود بغداد؟
بل:
كيف نعيد بغداد؟
وفي تقديري، تبدأ الإجابة من أربعة استحقاقات كبرى: استعادة الدولة، واستعادة الإنسان، واستعادة الهوية الوطنية الجامعة، واستعادة العمق العربي للعراق.
وحين ينهض العراقيون بهذه المهمة، ويجدون إخوتهم العرب إلى جانبهم، لن نحتاج إلى أن نسأل طويلاً: متى تعود بغداد؟
لأن بغداد ستكون قد بدأت بالفعل رحلة العودة.
شكرا لكم د. حمد الكواري على مقالكم الرائع، أما مقالكم التالي فارجو ان تسعفنا به حالما يتحقق حلمك وتكون بغداد قد استعادت القها ومجدها …. وما ذاك على الله بعزيز.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8712
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2748
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1485
| 25 أكتوبر 2026