رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. قيس عبد العزيز الدوري

باحث وكاتب ومستشار أكاديمي

مساحة إعلانية

مقالات

633

د. قيس عبد العزيز الدوري

حين تكتب الدوحة عن بغداد... يزهر في القلب الأمل

16 أغسطس 2026 , 11:08م

إلى الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري… شكراً لأنك كتبت ما عجز القلب عن قوله.

هناك كلمات نقرأها ثم نمضي، وهناك كلمات تتوقف عندها الروح طويلاً، كأنها جاءت في موعدها تماماً، لتضع يدها على جرح قديم وتقول له: ما زلتَ مرئياً، وما زال هناك من يشعر بك.

حين قرأت مقال الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري «بغداد.. متى تعود بغداد؟»

شعرت أن الكلمات لم تكن حروفاً مرصوفة على الورق، وإنما كانت بلسمًا نزل على جرحٍ حملته بغداد وأبناؤها طويلاً.

فشكراً لك، أيها الأخ الكريم، من قلب عراقي يعرف معنى أن يُذكر العراق بالحب لا بالمزايدة، وبالوجدان لا بالشعارات، وبالأمل لا بالرثاء.

لقد كتبت عن بغداد كما يكتب المحب عن محبوبته حين يراها تتألم، وكما يكتب المؤرخ حين يخشى على ذاكرة أمة، وكما يكتب الإنسان حين يشعر أن مدينة بحجم بغداد أكبر من أن تُختزل في خبر سياسي أو أزمة عابرة.

أعجبتني شجاعتك حين قلت إنك كنت تخشى الاقتراب من ألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، ثم اخترت أن تدخل إلى بغداد من أبواب أخرى: التاريخ والأدب والشعر، وكان أوسعها باب الوجدان. تلك ليست طريقة كاتب فحسب، بل طريقة إنسان يعرف أن بعض المدن لا تُقرأ بالسياسة وحدها، وإنما تُقرأ بالروح.

يا دكتور حمد، لقد ذكّرتنا بأن بغداد لم تكن عاصمة لدولة فحسب، بل كانت يوماً عاصمة للعلم والحضارة والعقل؛ مدينة بيت الحكمة والورّاقين والعلماء والشعراء، المدينة التي كان فيها الكتاب جسراً بين الحضارات.

ولذلك كان وجعك عليها مفهوماً، وكان أملي فيها مشتركاً.

لقد قلتَ في مقالك ما يختصر وجع العراق كله: إن بغداد لا يمكن أن تعود ما لم يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. وهذه ليست كلمات تخص العراقيين وحدهم، بل هي قاعدة من قواعد نهوض الأمم.

لكنني، وأنا أقرأ مقالك، لم أكن أقرأ فقط عن بغداد.

كنت أقرأ أيضاً عن قطر.

عن بلدٍ صغير في الجغرافيا، كبير في الموقف، استطاع أن يجعل من الإنسان قيمة، ومن الكلمة جسراً، ومن الثقافة رسالة، ومن الدبلوماسية طريقاً للحوار، ومن احتضان الأشقاء موقفاً لا يُنسى.

وهنا لا بد لي أن أقول كلمة حق في رجال قطر.

شكراً لقطر، قيادةً وشعباً، ولكل رجل قطري أصيل يرى في العربي أخاً، وفي المثقف قيمة، وفي الإنسان كرامة، وفي الوقوف مع المظلوم شرفاً لا منّة فيه.

إن رجالات قطر الذين عرفناهم لم يكونوا مجرد أصحاب مناصب؛ كثير منهم تركوا في نفوس الناس أثراً لا تصنعه المناصب. وفي مقدمتهم رجالٌ جعلوا من الرفق والحكمة والكرم والوفاء جزءاً من صورة قطر في وجدان العرب.

وما أجمل أن تكون دولةٌ قادرة على أن تبني نهضتها، وفي الوقت نفسه تترك في قلوب الآخرين مكاناً للامتنان.

لقد عرفت قطر كيف تبني الإنسان قبل الحجر، وكيف تجعل من الثقافة جسراً بين الشعوب، وكيف تحضر في القضايا العربية لا باعتبارها طرفاً يبحث عن مكسب، وإنما بوصفها دولة تؤمن بأن استقرار المنطقة لا يتحقق إلا بالحوار والتفاهم واحترام الإنسان.

ولذلك حين يكتب رجل قطري بحجم الدكتور حمد الكواري عن بغداد بهذه اللغة، فإن العراقي لا يشعر أنه أمام كاتب يتحدث عن بلد بعيد؛ بل يشعر أن أخاً عربياً جلس إلى جواره، واستمع إلى وجعه، ثم قال له: لا تيأس.

وهذه، في تقديري، أعظم قيمة في المقال.

أن تجعل الإنسان يشعر بأنه ليس وحده.

دكتور حمد…

من بغداد الجريحة، ومن ذاكرة العراق التي ما زالت تحفظ لأهل الوفاء أسماءهم، أقول لك: شكراً.

شكراً لأنك لم ترَ بغداد في أرقام الأخبار، بل رأيتها في دجلة، وفي الرشيد، وفي بيت الحكمة، وفي الشعر، وفي ذاكرة العرب.

شكراً لأنك لم تكتب عن بغداد بلغة الشماتة، ولا بلغة اليأس، ولا بلغة المحاكمة، وإنما كتبت عنها بقلبٍ يريد لها أن تنهض.

وشكراً لأنك تركت لنا في نهاية مقالك نافذةً مفتوحة على الصباح، حين قلت إن المدن العظيمة قد تمرض لكنها لا تموت.

نعم… بغداد تمرض، لكنها لا تموت.

والعراق يتعب، لكنه لا ينكسر.

فهذا البلد الذي علّم العالم الكتابة، وبنى مدناً للعلم، وأخرج من رحمه العلماء والشعراء والقادة والمفكرين، لا يمكن أن تكون نهايته في دفتر المحن.

سيأتي يوم تنظر فيه بغداد إلى دجلة، لا لتتذكر ما فقدته، بل لترى ما ستبنيه.

وسيأتي يوم يصبح فيه العراقي عراقياً قبل كل تعريف آخر، ويصبح الوطن أوسع من الطائفة، والدولة أقوى من الفساد، والقرار عراقياً خالصاً.

وحينها، ربما لن نحتاج إلى أن نسأل:

متى تعود بغداد؟

لأن بغداد ستكون قد عادت بالفعل.

وإذا كان لي أن أضيف كلمة أخيرة، فهي أن المقال لم يكن عن بغداد وحدها؛ كان عن الوفاء العربي.

والوفاء لا يُقاس بطول الكلام، وإنما بأن تجد في زمنٍ كثرت فيه الخصومات قلباً لا يزال يتسع لأوجاع الآخرين.

لذلك أقول للدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري:

من عراقي يحب قطر، ويحمل لها في القلب محبةً صادقة، ومن بغداد التي لا تزال تنتظر صباحها… شكراً لك.

لقد كتبتَ فأوجعتنا، ثم كتبتَ فأمّلتنا، ثم تركت في أرواحنا شيئاً يشبه اليقين.

وسيظل أجمل ما يمكن أن نقوله في ختام هذا الوفاء:

طاب قلمك، وطابت قطر برجالها، وطابت بغداد بأبنائها ومحبيها… وليكن الصباح القادم موعداً لعودة بغداد إلى بغداد.

اقرأ المزيد

يوليو.. حين تتحدث الإنسانية بلغة الوعي يوليو.. حين تتحدث الإنسانية بلغة الوعي

ثمة أشهر تمر في الذاكرة بوصفها مجرد محطات زمنية، وثمة أشهر تتحول إلى سجل حي لقضايا الإنسان الكبرى،... اقرأ المزيد

483

| 30 يوليو 2026

الجرائم التي لا يعاقب عليها القانون الجرائم التي لا يعاقب عليها القانون

حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى المحاكم، والقضاة، والسجون، ونصوص القوانين. غير أن الحقيقة أوسع من... اقرأ المزيد

993

| 23 يوليو 2026

حين يرحل الكبار يتيتم المكان حين يرحل الكبار يتيتم المكان

ليس كل رحيلٍ يُقاس بغياب الجسد، فهناك رجال إذا غابوا بقيت آثارهم تتحدث عنهم في كل شارع، وفي... اقرأ المزيد

612

| 19 يوليو 2026

مساحة إعلانية