رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. قيس عبد العزيز الدوري

باحث وكاتب ومستشار أكاديمي

مساحة إعلانية

مقالات

33

د. قيس عبد العزيز الدوري

هل يعلّمنا القرآن كيف نقرأ لغة الكون؟

20 أغسطس 2026 , 11:31م

منذ أن رفع الإنسان عينيه إلى السماء وهو يحاول أن يفك أسرار هذا الكون المدهش الذي يحيط به من كل جانب. كيف نشأت السماوات والأرض؟

ولماذا تتحرك الأجرام بهذا الانتظام؟

وكيف استطاعت المادة أن تنتظم في منظومات بالغة التعقيد؟

وهل وراء هذا الوجود لغة خفية تكتب بها الطبيعة قوانينها؟

أم أن الإنسان هو الذي ابتكر اللغة ثم استخدمها لوصف ما يراه؟

هذه الأسئلة تبدو قديمة، لكنها في عصر العلم الحديث أصبحت أكثر إثارة، لأن الإنسان اكتشف أن الكون ليس فوضى عشوائية، بل يقوم على أنظمة وعلاقات وقوانين يستطيع العقل اكتشاف جانب منها. ومن هنا يظهر السؤال الكبير: ما اللغة الحقيقية للكون؟

لقد أصبحت الرياضيات إحدى أهم الأدوات التي استخدمها الإنسان لفهم انتظام الطبيعة. فحركة الكواكب يمكن وصفها بالمعادلات، والضوء والطاقة والمادة يمكن التعبير عن كثير من علاقاتها بالأرقام، والقوانين الفيزيائية تكشف قدرًا مذهلًا من الانسجام في العالم من حولنا. وكأن الكون لا يتحدث العربية أو الإنجليزية أو غيرهما من لغات البشر، لكنه يسمح للعقل بأن يكتشف نظامًا يمكن ترجمته إلى أرقام وقوانين. ولهذا يمكن القول إن الرياضيات إحدى أهم لغات الإنسان في قراءة الكون، دون أن يعني ذلك أنها بالضرورة «لغة الكون» بالمعنى الحرفي.

لكن السؤال يصبح أكثر عمقًا عندما ننتقل من العلم إلى الفلسفة ثم إلى القرآن الكريم. فإذا كانت الرياضيات تساعدنا على فهم كيفية عمل الكون، فهل يقدم القرآن لنا طريقة لفهم دلالته ومعناه؟

هنا يلفت النظر أن القرآن لا يعرض الكون باعتباره مادة صامتة بلا دلالة، وإنما يصفه بلغة «الآيات». يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾. والآية ليست مجرد شيء موجود، وإنما علامة تقود إلى معنى. ومن هنا يصبح الكون في الرؤية القرآنية مجالًا للنظر والتفكر وليس مجرد مادة للمشاهدة.

ولذلك فإن السؤال الأكثر أهمية في رأيي ليس: هل يحتوي القرآن على معادلات الفيزياء الحديثة؟ فهذا قد يقود إلى تأويلات متعجلة أو إلى تحميل النص ما لا يحتمل، وإنما السؤال الأعمق هو: هل يعلّمنا القرآن كيف ننظر إلى الكون؟ وهنا نجد دعوات متكررة إلى النظر والتفكر والتدبر في الآفاق والأنفس والخلق. يقول تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾. وكأن الإنسان أمام كتابين مفتوحين للقراءة: كتاب الكون وكتاب النفس.

ومن هنا يمكن أن نرى العلاقة بين القرآن والعلم من زاوية أكثر اتزانًا. فالقرآن ليس كتاب فيزياء أو فلك بالمعنى الاصطلاحي، والعلم ليس كتابًا في العقيدة أو الغاية النهائية للوجود. لكل مجال منهجه وأدواته وأسئلته، لكن القرآن يدفع العقل إلى النظر في الكون، والعلم يكشف لنا شيئًا من روعة النظام الذي يحكمه. وعندما يلتقي السؤال العلمي بالسؤال الفلسفي والسؤال الإيماني تتشكل مساحة معرفية أوسع من أن تختزل في تخصص واحد.

إن الكون الذي ندرسه يقوم على مقادير وعلاقات وانتظامات، والإنسان لا يستطيع اكتشاف كثير من قوانينه إلا بالقياس والحساب والمقارنة. وهنا تصبح الرياضيات وسيلة لقراءة جانب من النظام الكوني، بينما يبقى سؤال المعنى والغاية أوسع من الرقم والمعادلة. ولذلك ربما لا تكون للكون لغة واحدة، بل مستويات متعددة من القراءة؛ فالرياضيات تصف العلاقات، والفيزياء تكشف القوانين، والمعلومات تكشف الأنماط، والعقل يربط بين النتائج، بينما يفتح الوحي أمام الإنسان أفقًا للتأمل في معنى وجوده ومسؤوليته في هذا الكون.

لقد تعلم الإنسان أن يقرأ الحروف، ثم تعلم أن يقرأ الأرقام، ثم تعلم أن يقرأ النجوم والمادة والطاقة والمعلومات. وكل اكتشاف جديد لم يغلق باب الأسئلة، بل فتح أبوابًا أخرى. وربما كانت أعظم مفارقات المعرفة أن الإنسان كلما ازداد علمًا أدرك اتساع مساحة المجهول.

ومن هنا أرى أن «اللغة التي سبقت الإنسان» قد لا تكون لغة كلمات أو رموز سرية، وإنما لغة النظام والقانون والعلاقة. والرياضيات إحدى أدوات اكتشافها، والعلم إحدى وسائل قراءتها، والقرآن دعوة إلى التأمل في آياتها ودلالاتها. فالكون لا يحتاج إلى أن يتحدث بصوت مسموع؛ انتظامه لغة، وقوانينه رسالة، وآياته دعوة إلى النظر، والإنسان هو القارئ الذي لم ينته بعد من قراءة الصفحة الأولى.

وربما تكون مهمتنا الحقيقية ليست أن نبحث عن شفرة خفية للكون، بل أن نتعلم كيف نقرأ ما هو ظاهر أمامنا دون أن نفقد دهشة السؤال. فالعلم يعلمنا كيف نفهم، والفكر يعلمنا كيف نسأل، والوحي يفتح أمامنا أفق المعنى. وبين هذه المستويات الثلاثة يقف الإنسان باحثًا عن الحقيقة، محاولًا أن ينتقل من رؤية الكون إلى فهمه، ومن فهمه إلى الحكمة.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية للغة الكون: ليست لغة نتحدث بها إلى الكون، وإنما لغة نتعلم من خلالها كيف نصغي إليه.

اقرأ المزيد

الجرائم التي لا يعاقب عليها القانون الجرائم التي لا يعاقب عليها القانون

حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى المحاكم، والقضاة، والسجون، ونصوص القوانين. غير أن الحقيقة أوسع من... اقرأ المزيد

972

| 23 يوليو 2026

حين يرحل الكبار يتيتم المكان حين يرحل الكبار يتيتم المكان

ليس كل رحيلٍ يُقاس بغياب الجسد، فهناك رجال إذا غابوا بقيت آثارهم تتحدث عنهم في كل شارع، وفي... اقرأ المزيد

594

| 19 يوليو 2026

التأثيرات الخارجية للعقل البشري (تأجير العقول) التأثيرات الخارجية للعقل البشري (تأجير العقول)

في عالم يتسارع فيه تدفق المعلومات وتتنوع فيه مصادر المعرفة، يظل العقل البشري عرضة للتأثيرات الخارجية، سواء كانت... اقرأ المزيد

555

| 02 يوليو 2026

مساحة إعلانية