رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. قيس عبد العزيز الدوري

باحث وكاتب ومستشار أكاديمي

مساحة إعلانية

مقالات

492

د. قيس عبد العزيز الدوري

حين يرحل الكبار يتيتم المكان

19 يوليو 2026 , 12:26ص

ليس كل رحيلٍ يُقاس بغياب الجسد، فهناك رجال إذا غابوا بقيت آثارهم تتحدث عنهم في كل شارع، وفي كل مؤسسة، وفي كل حلمٍ تحقق على أرض الوطن. هكذا كان صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، الذي لم يكن مجرد قائدٍ لدولة، بل كان مهندس مرحلة، وصانع نهضة، ورجلًا امتلك شجاعة القرار وبعد النظر.

تلقيت نبأ رحيله وأنا أشعر أن جزءًا من ذاكرة النهضة العربية قد انطوى. وأعزي نفسي قبل أن أعزي الشعب القطري الكريم؛ لأن القدر لم يمنحني فرصة اللقاء به، رغم أنني حملت إليه سلامي أكثر من مرة عبر وسطاء كرام، وكان الوعد أن يجمعنا لقاء. كنت أحمل مشروعًا فكريًا لطالما تمنيت أن أهديه إليه، وهو كتاب يتناول تجربته القيادية من منظور علم العمران عند الإمام عبد الرحمن بن خلدون.

لقد كنت أرى، وما زلت، أن تجربة الشيخ حمد بن خليفة تستحق أن تُدرس بوصفها واحدة من أهم التجارب السياسية العربية الحديثة. فمن خلال قراءتي لنظرية ابن خلدون في إعمار الدول، وجدت أن قطر في عهده لم تكتفِ بالاستمرار، بل استطاعت أن تجدد شباب الدولة، وأن تنتقل بها من مرحلة إلى مرحلة أكثر قوةً وحضورًا وتأثيرًا، حتى غدت نموذجًا عالميًا في التنمية، والتعليم، والاقتصاد، والدبلوماسية، والإعلام، والوساطة الدولية.

لم يكن مشروعه قائمًا على بناء الحجر فحسب، بل على بناء الإنسان، وإطلاق طاقات المجتمع، وترسيخ مؤسسات الدولة الحديثة، وصناعة مكانة دولية تجاوزت حدود الجغرافيا والإمكانات الطبيعية.

واليوم، إذ يودع القطريون قائدًا أحبوه، فإن الأمة العربية تودع شخصية استثنائية تركت بصمة يصعب أن تمحى. فالرجال يُعرفون بما يتركونه من أثر، وأثر الشيخ حمد سيظل حاضرًا في كل منجزٍ تشهده قطر، وفي كل قصة نجاح ارتبطت باسمها خلال العقود الماضية.

أما أنا، فأقف اليوم أمام هذا الرحيل وفي القلب غصة خاصة. ليس لأنني فقدت فرصة لقاء رجلٍ كنت أتطلع إلى محاورته فحسب، بل لأن حلمًا علميًا ظل يرافقني سنوات طويلة لم يكتمل كما تمنيت. كنت أرجو أن أضع بين يديه كتابًا يوثق تجربته، وأن أسمع منه ما يثري تلك الدراسة، لكن مشيئة الله سبقت كل أمنية.

رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمة واسعة، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء، وألهم حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والأسرة الكريمة، والشعب القطري العزيز، جميل الصبر وحسن العزاء.

ويبقى عزاؤنا أن الرجال العظام لا تنتهي رسالتهم بالموت، بل تبدأ مرحلة خلودهم في ذاكرة الأوطان، حيث تتحدث عنهم الإنجازات أكثر مما تتحدث الكلمات.

مساحة إعلانية