رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

309

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

خداع الذات

26 يوليو 2026 , 02:00ص

لماذا يفضل العقل (الوهم المريح) على (الحقيقة المزعجة) يا ترى؟ يعد خداع الذات آلية دفاعية نفسية يلجأ إليها العقل للهروب من «التنافر المعرفي» والحقائق القاسية، مفضلاً الوهم المريح على الألم. وبدلاً من مواجهة الحقيقة، يختلق العقل تبريرات لا واعية لتجنب الشعور بالذنب، مما يتطلب وعياً ذاتياً لكسر هذا النمط. هذه الحيلة النفسية الخفية ليست مجرد سلوك عابر، بل هي ظاهرة علمية رصدها علماء النفس ليفهموا كيف يمكن للإنسان أن يكذب على نفسه ويصدق كذبته تماماً.

دولار واحد يصنع الفارق! في عام 1959، قام عالم النفس الشهير «ليون فيستينجر» بتجربة غريبة؛ حيث طُلب من متطوعين القيام بمهمة غاية في الملل لساعات طويلة. بعد انتهائهم، طُلب منهم الكذب على المتطوعين الجدد وإخبارهم بأن المهمة ممتعة ومحمسة للغاية. قسّم الباحث المشاركين إلى مجموعتين: الأولى تقاضت 20 دولاراً مقابل الكذب، والثانية تقاضت دولاراً واحداً فقط. النتيجة صدمت الأوساط العلمية حينها؛ أصحاب العشرين دولاراً اعترفوا لاحقاً في التقييم السري بأن المهمة كانت تافهة ومملة، بينما أصرّ أصحاب الدولار الواحد وبشدة على أن المهمة كانت ممتعة ومفيدة حقاً! لم يكونوا يكذبون على الباحثين في النهاية، بل كانوا قد كذبوا على أنفسهم وصدقوا الكذبة بالكامل.

فما هي هذه سيكولوجية؟ يكمن تفسير هذه الظاهرة في التنافر المعرفي. حيث يحدث هذا التنافر عندما يعيش الإنسان صراعاً داخلياً بين فكرتين متناقضتين، أو بين معتقداته وسلوكه الفعلي. فعندما تؤمن بأنك (شخص صادق) ولكنك تضطر للكذب، ينشأ داخل عقلك توتر نفسي حاد ومزعج جداً. أصحاب العشرين دولاراً وجدوا مبرراً خارجياً كافياً لتهدئة هذا التوتر؛ فالمال كان كافياً لتبرير السلوك. أما أصحاب الدولار الواحد، فلم يجدوا مبرراً مادياً مقنعاً يغفر لهم الكذب، وهنا تدخل العقل الباطن بذكاء لحمايتهم من الشعور بالذنب، فقام بتعديل قناعاتهم الداخلية لتتماشى مع سلوكهم، حتى أقنعهم بأنهم لم يكذبوا أصلاً وأن التجربة كانت ممتعة بالفعل.

آليات الهروب في حياتنا اليومية، حيث نحن نكذب على أنفسنا يومياً بصور مختلفة؛ نستمر في علاقات مؤذية ونيأس من إصلاحها، فنقنع أنفسنا بأن الطرف الآخر «سيتغير قريباً». ونشتري أشياء باهظة الثمن لا نحتاجها، فنبرر ذلك بأنها «استثمار ضروري للمستقبل». حتى المدخن الذي يعلم يقيناً أضرار التدخين، تجده يخترع كذبة مريحة مثل «جدي عاش حتى التسعين وهو يدخن» ليهرب من واقع التنافر المعرفي بين علمه بالضرر واستمراره في العادة. إن العقل البشري يميل بطبيعته لتجنب الاعتراف بالخطأ طلباً للراحة والاستقرار المزيّف.

فما السبيل من التحرر من فخ الوهم؟ وهي عبر الخطوة الأولى للعلاج، ألا وهي الوعي الذاتي. يجب أن ندرك أن عقولنا تمارس علينا هذه الحيل النفسية لحمايتنا من الإحراج الخفي. عندما تجد نفسك تبرر سلوكاً خاطئاً أو تدافع عن قرار تشعر في عمقك بأنه غير صائب، توقف فوراً واسأل نفسك بشجاعة: «هل أنا أدافع عن الحقيقة، أم أحاول فقط حماية كبريائي؟». الصدق مع الذات قد يكون مؤلماً ومكلفاً في البداية، ولكنه يظل الضمانة الوحيدة لعيش حياة حقيقية ونفسية صحية. وكما قال الفيلسوف الروسي فيودور دوستويفسكي يوماً: «إن المرء الذي يكذب على نفسه ويستمع إلى كذبته، يصل إلى درجة يصبح معها عاجزاً عن تمييز الحقيقة في داخله أو فيمن حوله.

مساحة إعلانية