رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هابس محمد حويل

- باحث دكتوراه في كلية لندن الجامعية UCL

مساحة إعلانية

مقالات

150

هابس محمد حويل

التوطين النوعي.. استثمار في سيادة المعرفة

18 مايو 2026 , 02:00ص

لم تعد الجامعات في عالم اليوم مؤسسات تمنح الشهادات فحسب، بل أصبحت فضاءات تُصاغ فيها قدرة الدول على المنافسة، ويُبنى من خلالها أمنها المعرفي والفكري. ومن هنا، فإن توطين المهن الأكاديمية لا ينبغي أن يُختزل في أرقام أو نسب، بل يجب أن يُفهم بوصفه مشروعًا وطنيًا لصناعة العقل المنتج للمعرفة، والقادر على الإسهام في صياغة مستقبل الوطن وتعزيز حضوره العلمي والإنساني.

غير أن التوطين الحقيقي لا يتحقق بخفض المعايير، لأن المعرفة لا تزدهر إلا في بيئة تقوم على الكفاءة والاستحقاق. فالمعادلة التي نحتاجها اليوم ليست الاختيار بين التوطين والعالمية، بل القدرة على بناء كفاءات وطنية قادرة على المنافسة ضمن أعلى المعايير الأكاديمية والبحثية الدولية، مع الحفاظ على الهوية والأولويات الوطنية، والانفتاح الواعي على التجارب الإنسانية الرائدة.

إن بناء الأكاديمي والباحث يبدأ قبل التوظيف بسنوات؛ يبدأ من الاستثمار في الإنسان، وفي قدرته على التفكير والبحث والابتكار، وفي تعميق علاقته بالعلم بوصفه مسؤولية ورسالة. ولذلك، تصبح برامج الابتعاث النوعي، والتدريب البحثي، وبرامج ما بعد الدكتوراه، جزءًا من منظومة أمن وطني معرفي، لا مجرد مسارات تعليمية تقليدية.

كما أن الجامعات مطالبة اليوم بأن تتحول من مستهلك للمعرفة إلى شريك في إنتاجها، عبر تمكين الباحثين الوطنيين، وربط البحث العلمي بأولويات التنمية، وتهيئة بيئات أكاديمية تحتضن الإبداع وتحفّز الاكتشاف، وتفتح المجال أمام تراكم الخبرة الوطنية واستدامتها.

إن امتلاك الكفاءات الأكاديمية والبحثية الوطنية ليس ترفًا مؤسسيًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة. فالدولة التي لا تمتلك أدوات إنتاج المعرفة، تظل معتمدة على غيرها في تفسير تحدياتها وصياغة حلولها. ولهذا، فإن الاستثمار في الأكاديمي الوطني هو استثمار في سيادة الفكر، وفي استدامة التنمية، وفي قدرة الوطن على أن يصنع مستقبله بعقول أبنائه وثقة مؤسساته.

وفي المستقبل، لن تُقاس مكانة الدول بما تملكه من موارد فحسب، بل بما تمتلكه من رصيد وطني من الأكاديميين والباحثين والمبتكرين القادرين على إنتاج المعرفة وصناعة الحلول. فهذه العقول ستكون الثروة الأهم، والضمان الحقيقي لاستدامة التنمية وتعزيز السيادة الفكرية والمعرفية. والدول التي تنجح في بناء مواهبها الوطنية، ورعاية كفاءاتها العلمية، ستكون الأقدر على صناعة مستقبلها بثقة، وترسيخ حضورها في عالم أصبحت فيه المعرفة القوة الأكثر تأثيرًا واستدامة.

مساحة إعلانية