رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

162

د. أحمد المحمدي

ليشهدوا منافع لهم

17 مايو 2026 , 11:20م

سويعات قليلة، وتدخل على الأمة أعظم أيام الدنيا، الأيام التي لا تشبه مرور الزمن المعتاد، بل تشبه مرور الرحمة حين تقترب من القلوب، وتشبه النداء الخفي الذي يوقظ الأرواح من غفلتها الطويلة، لتتذكر أن الحياة لم تُخلق للدنيا وحدها، وأن العمر أقصر من أن يُستهلك بعيدًا عن الله.

إن عشر ذي الحجة ليست مجرد أيام فاضلة يزداد فيها الثواب، بل هي موسم يعيد ترتيب العلاقة بين العبد وربه، ويعيد تعريف معنى العبودية في القلب، ولذلك لم يأت فضلها في النصوص عرضًا عابرًا، بل جاء مؤكدًا بالقسم الإلهي: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾.

ثم جاءت السنة لتعلن بوضوح مكانة هذه الأيام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر) وهو حديث يحتاج المؤمن أن يقف عنده طويلًا، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يخص عبادة بعينها، بل أطلق لفظ "العمل الصالح" ليبقى الباب مفتوحًا لكل طريق يوصل إلى الله، وكأن هذه الأيام ليست موسما لعبادة واحدة، بل موسما تُستنفَر فيه الروح كلها، ويتحوّل العمر فيه إلى ساحة واسعة للتقرب إلى الله.

ثم تأمل كيف تعجّب الصحابة حتى قالوا: «ولا الجهاد في سبيل الله؟» لأنهم أدركوا أن النبي صلى الله عليه وسلم يرفع هذه الأيام إلى منزلة عظيمة فوق ما تألفه النفوس، فجاء الجواب النبوي ليؤكد أن شرف الزمان قد يرفع العمل الصالح حتى يبلغ منزلة تعجز العقول عن تصورها، ولهذا قال الله تعالى في آيات الحج: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ وهي آية تختصر فلسفة هذه الأيام كلها، فالمنافع هنا ليست منافع الدنيا وحدها، بل منافع القلوب والأرواح، منافع التوبة بعد القسوة، واليقظة بعد الغفلة، والانكسار بعد طول التكبر، وكأن الله يدعو عباده في هذه الأيام ليشهدوا بأنفسهم كيف تتغير الأرواح حين تقترب منه.

وهنا تتجلى حقيقة عظيمة، وهي أن الله سبحانه لا يفضّل زمانًا لذاته، وإنما لما يفتح فيه لعباده من أبواب القرب، ولذلك اجتمعت في هذه الأيام أمهات العبادات التي لا تجتمع في غيرها:

ففيها الحج، ذلك السفر الذي يخرج فيه الإنسان من ضجيج الدنيا وثقل ألقابه وأمواله، ليدخل إلى الله مجردًا من كل شيء إلا عبوديته، وكأن الحج إعلان عملي أن الإنسان مهما اتسعت به الدنيا فلن يجد سكينته الحقيقية إلا حين يعود عبدًا لله وحده.

وفيها الصيام، الذي لا يقتصر أثره على الجوع والعطش، بل يعيد تهذيب الداخل الإنساني، ويكسر سلطان الشهوة، ليشعر الإنسان أن حريته الحقيقية ليست في أن يفعل ما يشاء، بل في أن يملك نفسه إذا اشتهت.

وفيها الصدقة، التي لا تعني إخراج المال فقط، بل تحرير القلب من عبودية التعلق، فكم من إنسان يملك المال، لكن المال في الحقيقة هو الذي يملكه.

وفيها الذكر، والتكبير، والتحميد، لأن القلب كلما عظّم الله صغرت الدنيا في عينيه، ولهذا كانت هذه الأيام موسما لإحياء معنى التعظيم، لا مجرد ترديد الألفاظ.

وفيها الأضحية، التي تحمل في باطنها معنى أعمق من الذبح ذاته، فهي استدعاء لروح إبراهيم عليه السلام، يوم قدّم محبة الله على أعظم ما تتعلق به النفس.

ثم يأتي يوم عرفة، ذلك اليوم الذي تتنزل فيه الرحمة بكثافة مهيبة، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيدًا من النار من يوم عرفة) وكأن السماء تفتح أبوابها كلها لعباد أقبلوا منكسرين، معترفين بفقرهم، راجين عفو ربهم، ولهذا فإن أعظم ما يخسره الإنسان ليس أن تفوته الدنيا، بل أن تمرّ عليه هذه المواسم ولا يتغير قلبه، ولا تخفّ غفلته، ولا يشعر أن العمر يتسرب سريعًا من بين يديه.

فكم من إنسان أدرك العشر بجسده، لكنه لم يدخلها بروحه، وكم من عبد كانت هذه الأيام بداية تحوّل حقيقي في حياته، لأن النفحات الربانية لا تغيّر الأعمار فقط، بل تغيّر المصائر أحيانًا ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.

مساحة إعلانية