رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

309

د. أحمد المحمدي

لكل غادر لواء

02 مايو 2026 , 10:25م

إن من أعظم ما تُبتلى به القلوب أن تُزيَّن لها الخيانة باسم المصلحة، وأن تُلبس لباس الحكمة وهي في حقيقتها نقض للعهد، فيمضي الإنسان وهو يظن أنه يحسن صنعا، حتى يأتي يوم تُكشف فيه الحقائق، وتُجرّد الأفعال من أعذارها، وتُعرض كما هي، بلا تزويق ولا تأويل، هنالك لا ينفع تبرير، ولا يستر تأويل، بل يقوم كل امرئ بما كسب، ويُدعى باسمه، ويُعرَف بفعله، فإما لواء شرف يرفعه، وإما راية خزي تفضحه، ومن هنا كان هذا الحديث هزة للوجدان قبل أن يكون خطابا للعقل، لأنه لا يصف فعلا فحسب، بل يكشف مصيرا.

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْغَادِرُ يُرْفَعُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ»

تأمل كيف لا يكتفي الحديث بذكر العقوبة، بل يرسم صورتها، صورة تُرى لا تُتخيل، تُعاش لا تُحكى، لواء يُرفع، واسم يُعلن، وفعل يُنسب، وكأن الغدر الذي كان يتخفّى في زوايا المصالح، ويُدفن تحت طبقات التبرير، قد جُرِّد من كل شيء، ثم أُقيم في ساحة مكشوفة، لا جدران فيها تستر، ولا أعذار فيها تُقبل، ولا وجوه فيها تُدار، بل حقيقة عارية تُعرض، وعدل ظاهر يُقام.

إن الإنسان في الدنيا قد ينجح في إدارة صورته، قد يخفي ما شاء، ويظهر ما شاء، ويُقنع الناس بما شاء، وقد يلبس الخيانة لباس الحكمة، ويغلفها باسم الضرورة، ويجعلها في أعين من حوله موقفا ذكيا أو تصرفا حكيما، لكنه في الحقيقة إنما يفرّ من مواجهة نفسه قبل أن يفرّ من مواجهة الناس، لأنه يعلم في أعماقه أن ما فعله ليس اضطرارا بل اختيار، وليس ضعفا عارضا بل ميل مستقر.

ولهذا جاء الجزاء من جنس الفعل، لأن الذي خان في الظل، لا بد أن يُكشف في العلن، والذي استتر بليل المصالح، لا بد أن يُفضح في نهار العدالة، والذي نسب إلى غيره ما لا يستحق، يُنسب إليه فعله على رؤوس الأشهاد، لا يُذكر بوصف عام، بل باسمه الصريح، وكأن هذا الإعلان ليس مجرد عقوبة، بل ردّ للحق إلى نصابه، وتسمية للأشياء بأسمائها بعد أن كانت تُحرّف وتُخفى.

وليس في هذا المشهد مجرد فضيحة، بل انكشاف لمعنى أعمق، وهو أن الغدر ليس فعلا منفصلا عن صاحبه، بل هو أثر من آثار خلل في الداخل، في أصل العلاقة بين العبد وربه، وفي معنى الأمانة التي حُمِّلها، وفي ميزان القيم الذي يزن به أفعاله، ولذلك لم تكن العقوبة مجرد ألم يُذاق، بل كشف يُرى، لأن ما فسد في الداخل لا يُصلح إلا بأن يُظهر على حقيقته.

وقد يتساءل المرء، لماذا هذا الإشهار، ولماذا لا يُعامل الغدر كغيره من الذنوب التي يُرجى سترها، والجواب أن الغدر اعتداء على ثقة، وهدم لمعنى الأمان، وإفساد لروابط تقوم عليها حياة الناس، فهو ليس ذنبا بين العبد وربه فحسب، بل جناية تمتد آثارها إلى غيره، ولذلك كان من العدل أن يُعلن، كما أُخفي، وأن يُظهر، كما استتر، ليُعلم أن الثقة ليست شيئا يُتلاعب به، وأن العهد ليس كلمة تُقال ثم تُنسى.

ومن هنا نفهم أن الخطر في الغدر لا يكمن في نتيجته الظاهرة فقط، بل في أثره العميق في النفس، لأنه يدرّب القلب على الخيانة، ويعوّده على التلوّن، ويُضعف فيه معنى المراقبة، حتى يصبح الإنسان قادرا على أن يخون وهو لا يشعر بثقل الخيانة، وهنا تكون المصيبة، لأن فقدان الإحساس بالذنب أشد من الذنب نفسه.

وقد يربح الغادر موقفا، أو ينجو من مأزق، أو يحصل على منفعة عاجلة، لكنه في كل ذلك يخسر شيئا أعظم، يخسر صفاء قلبه، ويخسر ثقة الناس به، ويخسر قبل ذلك وبعده نظر الله إليه بعين الرضا، وما قيمة مكسب يجر وراءه هذا الخسران كله.

إن هذا الحديث لا يريد منك أن تترك الغدر خوفا من الفضيحة فقط، بل يريد أن يرفعك إلى مقام أعلى، مقام التعفف عنه ولو لم يُفضح، مقام الوفاء ولو لم يُمدح، مقام الصدق ولو لم يُشكر، لأن حقيقة الإيمان ليست في أن تترك الشر حين يُكشف، بل أن تتركه حين تقدر عليه، ولا يراك فيه أحد.

وهنا يتبين أن النجاة لا تُصنع في لحظة الامتحان الكبرى، بل تُبنى في تفاصيل الحياة الصغيرة، في كلمة تُحفظ، وعهد يُصان، وأمانة تُؤدى، ووعد لا يُخلف، لأن هذه الأمور التي يراها الناس يسيرة، هي التي تُكوّن في مجموعها شخصية الوفاء، أو شخصية الخيانة.

فاجعل لنفسك عهدا لا تخونه، ولو لم يطّلع عليك أحد، وكن صادقا مع الله قبل أن تكون صادقا مع الناس، فإن من صلح سره صلحت علانيته، ومن حفظ قلبه في الخفاء، حفظه الله في العلن، ومن تعفف عن الخيانة في مواضع القدرة، رفعه الله يوم تنكشف السرائر.

وفي الختام ليست الفضيحة هناك إلا صورة لما كان هنا، وليست النجاة هناك إلا ثمرة لما زُرع هنا، فاختر لنفسك لواء يُرفع لك لا عليك، وذكرا يُقال فيك لا عليك، ووجها تلقى به ربك وهو عنك راضٍ.

اقرأ المزيد

alsharq ستبقى قطر كعبة المضيوم

رسخت دولة قطر على مر العصور مكانتها العظيمة بين أشقائها العرب، وكتبت تاريخها بحروف من ذهب لتترك إرثاً... اقرأ المزيد

51

| 25 يونيو 2026

alsharq كيف يعيد الاقتصاد الأخضر الرقمي تشكيل مستقبل الخليج؟

اقتصاد القيمة الذكية: كيف يعيد الاقتصاد الأخضر الرقمي تشكيل مستقبل الخليج؟ لم يعد التحول الذي تشهده اقتصادات الخليج... اقرأ المزيد

102

| 24 يونيو 2026

alsharq حين يتحدث القائد بقلب الإنسان

ليست القيادة مناصب تُحمل، ولا ألقابا تُكتب قبل الأسماء. القيادة الحقيقية تظهر في اللحظات الصعبة، حين يجد المسؤول... اقرأ المزيد

93

| 24 يونيو 2026

مساحة إعلانية