رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

117

د. أحمد المحمدي

الهجرة وسنن التغيير

21 يونيو 2026 , 10:35م

ليست الهجرة النبوية صفحة من صفحات السيرة فحسب، ولا ذكرى تستعاد كلما أقبل العام الهجري، وإنما هي في حقيقتها إعلان رباني عن ميلاد أمة، وكشف عن السنن التي تحكم حركة الإيمان في الأرض، وعن الطريق الذي تسلكه الدعوات حين تواجه الجاهلية والطغيان.

فالهجرة قبل أن تكون رحلة من مكة إلى المدينة كانت رحلة من الاستضعاف إلى التمكين، ومن مرحلة البلاغ الفردي إلى مرحلة بناء المجتمع، ومن حصار العقيدة في نفوس المؤمنين إلى انطلاقها لتصوغ حياة كاملة وتبني حضارة ممتدة.

ولم تكن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم حادثة فريدة في تاريخ الرسالات، بل كانت حلقة في موكب الإيمان الطويل. فما من رسول واجه قومه بالحق إلا وقف الباطل في وجهه، وما من دعوة أرادت تحرير الإنسان من عبودية البشر إلا تعرضت للمطاردة والإقصاء. ولذلك قص القرآن علينا خبر إبراهيم عليه السلام حين قال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. فالعقيدة لا ترتبط بالأرض إلا بمقدار ما تخدم الأرض رسالتها، فإذا تحولت الأوطان إلى سجون للفكرة المؤمنة أصبح الارتحال في سبيل الله لونًا من ألوان الثبات لا الهروب.

ومن هنا يتجلى الصراع الأبدي بين الحق والباطل. إنه ليس نزاعًا على أرض أو سلطان، وإنما صدام بين منهجين للحياة؛ منهج يريد أن تكون السيادة لله، ومنهج يريد أن تبقى السيادة للشهوة أو القوة أو الطاغوت. ولذلك أدرك ورقة بن نوفل طبيعة الطريق منذ اللحظة الأولى فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: «لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي». إنها سنة لا تتخلف، ولكنها سنة معلومة العاقبة؛ لأن الله لم يترك النتيجة للموازين الأرضية وحدها، بل كتب في قضائه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾.

ولهذا تنوعت وسائل الباطل في مواجهة الدعوة. مرة بالحبس، ومرة بالقتل، ومرة بالنفي والتشريد، ومرة بالإغراء والمال. ولقد جمعت قريش هذه الوسائل كلها في مواجهة الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى جعلت الجوائز الضخمة لمن يأتي به حيًا أو ميتًا. غير أن الله أراد أن يكشف ضآلة مكر البشر أمام تدبيره، فتحول سراقة الخارج طمعًا في الجائزة إلى رجل يعود بقلب جديد، يحمل الإيمان بدل المال، ويصبح بعد مطاردته حارسًا للطريق لا قاطعًا له.

وفي خضم هذه الأحداث تتجلى حقيقة المنهج الإسلامي في التعامل مع الأسباب. فالإيمان ليس استسلامًا سلبيًا ينتظر المعجزات، كما أنه ليس اعتمادًا أعمى على الوسائل المادية. لقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بكل سبب ممكن؛ اختار الرفيق، وهيأ الراحلة، واستأجر الدليل الخبير، ورتب الأدوار بدقة عجيبة، وكتم الأخبار عن العيون المتربصة. ثم بعد ذلك كله بقي قلبه معلقًا بالله وحده. فالتوكل الحق ليس إلغاء الأسباب، وإنما التحرر من عبوديتها.

وفي مشهد آخر يسطع نور الأخلاق وسط ظلام المؤامرة. فالرجل الذي أجمعت قريش على قتله هو نفسه الرجل الذي كانت تضع عنده ودائعها وأموالها. لقد عرفوا صدقه وأمانته، ولكنهم جحدوا الحق الذي جاء به. ومع ذلك لم تسمح الرسالة لصاحبها أن يقابل الخيانة بالخيانة، فأمر عليًا رضي الله عنه أن يرد الأمانات إلى أصحابها قبل أن يغادر مكة. وكأن الإسلام يقرر منذ اللحظة الأولى أن القيم ليست رهينة الظروف، وأن الأخلاق لا تتغير بتغير المواقف.

وتعلمنا الهجرة كذلك أن صاحب الدعوة يجب أن يبقى حرًا من أسر المطامع. ولهذا رفض النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ راحلة أبي بكر هبة، وأصر أن يدفع ثمنها. فالدعوة التي تنطلق لتحرير الناس لا ينبغي أن تستعبدها المنافع، والداعية الذي يحمل رسالة السماء ينبغي أن يكون عطاؤه أكثر من أخذه، وبذله أكثر من انتظاره.

ومع هذه العزة والاستقلال لم يكن الإسلام دين انغلاق أو تعصب أعمى، فقد استعان النبي صلى الله عليه وسلم بدليل مشرك عرف بالأمانة والخبرة. فالقضية ليست في الأسماء والشعارات، وإنما في توظيف الكفاءة المأمونة لخدمة الحق. وهكذا يظل الإسلام واقعيًا يتعامل مع الحياة كما هي، دون أن يتنازل عن أصوله أو يفرط في ثوابته.

ثم يأتي مشهد الغار ليختصر حقيقة الإيمان كلها. هناك حيث تنقطع الأسباب تقريبًا، ويقترب الخطر حتى يصبح على باب الغار، ويرتجف القلب البشري بطبيعته، يقول النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما». إنها ليست عبارة للتسلية، وإنما إعلان عن حقيقة كبرى؛ أن المؤمن حين يكون مع الله لا يبقى وحيدًا ولو اجتمع عليه أهل الأرض جميعًا.

وكانت الثمرة الكبرى للهجرة أن العقيدة صنعت ما عجزت عنه كل الروابط الأخرى. فقد جمعت بين الأوس والخزرج بعد تاريخ طويل من الدماء والأحقاد، وأقامت بين المهاجرين والأنصار أخوة لم يعرف التاريخ لها نظيرًا. وهنا تتجلى المعجزة الحقيقية للإيمان؛ فالأموال قد تجمع المصالح، والقوانين قد تنظم العلاقات، أما العقيدة وحدها فهي التي تؤلف بين الأرواح وتوحد القلوب.

وهكذا لم تكن الهجرة مجرد انتقال من مدينة إلى مدينة، وإنما كانت انتقالًا بالبشرية كلها إلى مرحلة جديدة. لقد أعلنت أن العقيدة إذا تمكنت من القلوب استطاعت أن تغير مجرى التاريخ، وأن تصنع من المستضعفين أمة، ومن المطاردين قادة، ومن الفكرة المحاصرة حضارة تملأ الدنيا نورًا وعدلًا وهداية.

مساحة إعلانية