رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. بثينة محمد الجناحي

مساحة إعلانية

مقالات

228

د. بثينة محمد الجناحي

هوية بلا معنى = جماعة بلا ذاكرة

23 يونيو 2026 , 01:00ص

كثرة التعبير بشكل نظري عن القضايا والمواضيع السائدة قد يجعل من الموضوع اعتياديا، ولكن عندما يصبح الموضوع أكثر واقعية، نكتشف أن النظرية مجرد مدخل مفاهيمي وكبعد واحد عن واقع يحاكي التفاصيل بالكامل! وهذا ما أدركته وأدركه دوماً عندما أحاول أن أجد للنظريات مكاناً في زمن اليوم وان كان تأثيرها عميقا كحال وجودها بين صفحات الكتب، خاصة عندما يكون الحديث والنظر في مسألة الهوية من مناظيرها المتعددة وتحديثها المستمر.

الجانب الرئيسي الذي ننظر للهوية من خلاله هو الجانب العام، حيث التعريف، الانتماء، التلاحم ولربما تحديد الذاكرة الجماعية التي تجسد المفهوم بشكله التعريفي المرجو. ولكن تظل هناك جوانب عدة في الهوية الوطنية لا يتم الحديث عنها بشكل واقعي من حيث الممارسة الفنية والتعبير الثقافي الذي يعتبر أحد أساسيات وأعمدة تشكيل الهوية من الجانب الثقافي. فلا شك بأن هناك علاقة وثيقة بين الهوية والفنون على سبيل المثال، وهذه العلاقة إن تطرقنا لها في زمن ما قبل البترول، شكلت العنصر الفني المصاحب لذكريات وممارسات اجتماعية ترمز لخصوصية فترة كفاح الجماعة، بل وتعكس طريقة الحياة من خلال الممارسات والأفعال بحسب الفنون التي تصاحبها. هذا جانب يجسد جزءا من الهوية بالتأكيد، لأنه يعكس طابعا ومصيرا جماعيا من حيث لحظات الكفاح، وطرق الاحتفال وقصص الأجداد.

ما سبق ذكره باختصار يعتبر جانبا يجسد الهوية الوطنية ثقافياً وفنياً، وإن قارنا هذا الجانب تحديداً في الزمن المتقدم، قد نلاحظ أنه أصبح هناك خلط واضح بين ما هو شعبي، تقليدي وما هو معاصر من حيث الابتعاد عن الجانب الجماعي الذي كان يجسد الجزء الرئيسي من الهوية والميل نحو الجانب الفردي من ناحية التعبير والمواضيع ذات الطابع الفردي الخاص، إذ أصبح الفن بعيدا عن الواقع وقريبا من الفرد من حيث التعبير والتنفيس. ولا بأس من هذا الجانب، إذ يظل التعبير أداة فعالة تساهم في صقل المواهب الإبداعية وتمكينها للتقدم في المسار الفني والأدبي بشكل فردي بارز، ولكن ما أود التركيز عليه في هذا المقال هي المسألة الجماعية وارتباطها في تحديث الهوية، فعند غياب الطابع الجماعي لأغنية وطنية على سبيل المثال، تشعر أن هناك فراغا واضحا بين الاغنية وروح الجماعة، فتظل الأغنية شكلا بلا مضمون، او لحظية من دون أي بعد ارتباط زمني وعلى مدى عقود، وأعتقد أن هذا الجانب فقد بشكل ملحوظ في الثقافة الحديثة.

الأغنية الوطنية تعتبر مجرد مثال، فلولا ركزنا على الفنون الأخرى، قد نستشعر نفس الفراغ، ونلاحظ الفجوة في المضمون وفقدان الارتباط بالعمل الفني مقارنة في الأعمال الثقافية السابقة، إذ قد تكون أكثر ميولا للاستهزاء والتنمر بدلاً من تجسيد رومانسية الكفاح عبر ملحمة وطنية خالدة. لا أستذكر اعتماد الفنون القديمة على أساليب السطحية لصناعة الفن، إنما كانت عمقاً تجتمع تحتها الروابط الجماعية للتعبير عن نفس المشاعر وبنفس المصير. أنا أعتبر أن هذه المسألة إشكالية مع تحديث الهوية، إذ يتطلب عملا مشتركا بين الأفراد تحت إطار جماعي واضح يعكس خصوصيتهم وواقعهم الثقافي بشكل يميزهم عمن في الخارج.

لا هوية تتشكل من سطحية المعنى، الفردانية أو الشكلية، إنما تحتاج إلى مضمون كجزء من التحديث والتخليد.

مساحة إعلانية