رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

201

د. أحمد المحمدي

بين المنطوق والمقصود.. مسافة الأمان

10 يونيو 2026 , 12:31ص

بين مقصود لم يُنطق، ومنطوق لم يُقصد، تولد أكثر الفجوات اتساعا بين القلوب، وتنشأ كثير من الخصومات التي لم يكن لها أن تقع لو أن الناس أحسنوا فهم بعضهم بعضا، أو أحسنوا الظن فيما خفي عليهم من المقاصد.

فالإنسان لا يسمع الكلمات مجردة كما خرجت من فم قائلها، وإنما يسمعها عبر مرشحات كثيرة صنعتها تجاربه السابقة، وآلامه القديمة، ومخاوفه الكامنة، وصورته الذهنية عن المتحدث. ولهذا قد يقول اثنان العبارة نفسها، فتستقبل من أحدهما بالرضا، ومن الآخر بالاستياء، لا لاختلاف الألفاظ، وإنما لاختلاف ما أُسقط عليها من معان وتفسيرات.

ومن هنا كانت المشكلة الكبرى أن كثيرا من الناس لا يتعاملون مع الكلمات ذاتها، بل مع ما يظنون أنه وراء الكلمات. فهم لا يناقشون المنطوق، وإنما يناقشون المقصود الذي تخيلوه، ولا يحاكمون العبارة، بل يحاكمون النية التي رسموها في أذهانهم.

ولهذا فإن أكثر الخصومات لا تبدأ من سوء قصد حقيقي، وإنما تبدأ من سوء تفسير. كلمة قيلت على وجه، فحملت على وجه آخر، وتعليق عابر أريد به معنى محدود، فجر إلى معان واسعة لم تخطر ببال صاحبه، ثم تتراكم الظنون فوق الظنون حتى يصبح الوهم عند صاحبه حقيقة لا تقبل النقاش.

وقد نبه القرآن الكريم إلى خطورة هذا المسلك حين قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾.

ولم يقل سبحانه: اجتنبوا الظن كله، لأن الحياة لا تخلو من ظنون عارضة تمر بالقلب، ولكن الخطر أن يستقر الظن، ثم يتحول إلى تفسير، ثم إلى يقين، ثم إلى موقف عملي. فكم من علاقة هدمها ظن، وكم من مودة انقطعت بسبب تفسير لم يقم عليه دليل، وكم من قلب ابتعد عن قلب لأنه تعامل مع ما توهمه لا مع ما تحقق منه.

إن النفس البشرية إذا أحبت شخصا التمست لكلامه أحسن المخارج، وإذا امتلأت منه أو تأذت سابقا منه، جعلت كل كلمة دليلا جديدا على ما استقر فيها. ولهذا كان العدل مع الناس يبدأ من العدل في تفسير كلامهم، قبل العدل في الحكم عليهم.

ومن دقائق الحكمة أن الإنسان كلما ازداد يقينا بأنه يعرف ما يقصده الآخرون، كان أحوج إلى مراجعة نفسه، لأن القلوب عوالم خفية لا يحيط بها إلا الله. وما أكثر ما نظن أننا فهمنا الناس فإذا الأيام تكشف أننا كنا أبعد ما نكون عن حقيقة مقاصدهم.

ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرا وأنت تجد لها في الخير محملا”.

وهذه ليست مجرد وصية أخلاقية، بل منهج حياة يحفظ العلاقات من الانهيار. فالبحث عن المحمل الحسن ليس تجاهلا للأخطاء، وإنما هو إعطاء الناس حقهم في حسن الظن حتى يقوم الدليل على خلافه. وهو اعتراف ضمني بأن الإنسان قد يخطئ في التعبير، وقد تعجز الكلمات عن نقل ما في القلب، وقد يسبق اللسان إلى ما لا يريده صاحبه.

ومن تأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وجدها مدرسة كاملة في هذا الباب. فقد كان يلتمس الأعذار، ويتثبت قبل الأحكام، ويرد كثيرا من التفسيرات المتعجلة. بل إنه صلى الله عليه وسلم وضع أصلا عظيما حين قال: «إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم».

فوظيفة البشر أن يتعاملوا مع الظاهر، أما السرائر فموكولة إلى علام الغيوب. ولو فتح باب الحكم على النيات لفسدت الدنيا، لأن كل إنسان سيصبح قاضيا على ما لا يعلمه، وحاكما فيما لا يملك إليه سبيلا.

إن العلاقات الإنسانية لا يحفظها الذكاء في التقاط الزلات، وإنما يحفظها الكرم في تفسيرها، ولا يديمها البحث عن أسوأ الاحتمالات، وإنما يديمها حسن الظن ما وجد إليه سبيل.

وما أحوج الناس اليوم إلى هذه “المسافة الآمنة” بين المنطوق والمقصود، تلك المسافة التي تمنحنا فرصة للسؤال قبل الاتهام، والتثبت قبل الحكم، والتمهل قبل القطيعة، فإن كثيرا مما نهدمه في لحظة غضب لا نستطيع بناءه بعد سنوات من الندم.

مساحة إعلانية