رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

675

د. أحمد المحمدي

وللّه على الناس حج البيت

24 مايو 2026 , 12:02ص

الحج ليس حركة أقدام إلى بقعة مقدسة فحسب، بل هو في حقيقته رحلة عودة الإنسان إلى حقيقة العبودية؛ ولهذا لم يكن البيت الحرام مجرد موضع في الأرض، بل جعله الله قياما للناس، ومركزا للتوحيد، ومهوى للأرواح قبل الأبصار، ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾.

فكأن البشرية كلما تاهت في دروب الأرض، ردَّها الله إلى هذا البيت؛ لتتذكر أن لها ربًا واحدا، وقبلة واحدة، وغاية واحدة.

ومن هنا جاء فرض الحج في القرآن بصيغة التكليف المقرون بالتوحيد: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾، فالحج حق لله على عباده، لأنه إعلان عملي عن خلع الشرك الظاهر والخفي، وتجريد القلب من عبودية ما سوى الله، ولهذا كانت التلبية شعار هذه الرحلة:

«لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك»،

فهي ليست ألفاظا تردد، بل ميثاق عبودية يتبرأ فيه القلب من كل شريك ينازع الله في المحبة أو الطاعة أو القصد.

وقد جعل الله الحج ركنا من أركان الإسلام، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بُنِيَ الإسلامُ على خمس… وحجِّ البيت» لأن هذه الشعيرة تجمع من معاني الدين ما لا يجتمع في غيرها؛ من التوحيد، والانقياد، والاتباع، والبذل، والصبر، ومجاهدة النفس.

ومن تأمل مناسك الحج وجدها قائمة على كمال التسليم، فالحاج يطوف ويسعى ويقف بعرفة ويرمي الجمار ويحلق، اتباعًا لأمر الله، واقتداءً برسوله صلى الله عليه وسلم الذي قال: «خذوا عني مناسككم» لأن العبودية الحقّة ليست أن يدرك الإنسان كل الحكمة، وإنما أن يُسلِّم لله ولو غابت عنه بعض الأسرار.

ولهذا كان الحج من أفضل الأعمال عند الله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل: أي العمل أفضل؟ فقال: «إيمان بالله ورسوله»، ثم قال: «الجهاد في سبيل الله»، ثم قال: «حج مبرور» لأن الحج يربّي القلب على الإخلاص، والجسد على الطاعة، والنفس على المجاهدة.

والحج المبرور هو الذي صح فيه الاتباع، وخلص من الرياء والفسوق، فكان أثره ظاهرًا على صاحبه استقامة وخشية وتعظيما لله، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» وقال: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه»، لأن الحج الحق ليس تغيير مكان، بل تغيير إنسان.

وفي الحج تتجلى وحدة الأمة بأوضح صورها، إذ يقف المسلمون على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وهيئاتهم في لباس واحد، وشعائر واحدة، وقبلة واحدة، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، فتذوب الفوارق الأرضية أمام رابطة العقيدة.

كما أن الحج يربط الأمة بأصلها الإبراهيمي الأول، فكل مشعر فيه يذكّر بتوحيد إبراهيم عليه السلام وتسليمه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾، ولذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «قفوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم».

الحج ليس انتقالًا إلى المشاعر وحدها، بل انتقال من أسر الدنيا إلى سعة العبودية، ومن التفرق إلى الوحدة، ومن الغفلة إلى الذكر، ولذلك بقيت هذه الشعيرة عبر القرون شاهدة على أن الأمة لا تحفظ هويتها إلا إذا بقي التوحيد مركز حركتها وحياتها

نسأل الله أن يرزق الحجاج حجا مبرورا، وذنبا مغفورا، وسعيا مشكورا، وأن يردهم وقد طهرت قلوبهم كما طهرت وجوههم بدموع الرجاء.

ونسأله سبحانه لمن لم يحج أن يكتب له أجر الشوق والنية، وأن يبلغه بيته الحرام عاجلا غير آجل.

اقرأ المزيد

الضربة المؤجلة.. حين حمت المنطقة إيران من نفسها الضربة المؤجلة.. حين حمت المنطقة إيران من نفسها

لم يكن قرار الرئيس الأمريكي تعليق الهجوم الواسع الذي كان يجري الإعداد له ضد إيران تراجعاً عن التهديد،... اقرأ المزيد

282

| 04 أغسطس 2026

رحلة القطار رحلة القطار

رحلة القطار.. حين تمضي الحياة وتدعونا إلى الأمل “الحياة لا تنتظر المترددين، والزمن لا يعود إلى الوراء، ومن... اقرأ المزيد

345

| 04 أغسطس 2026

نقاء القلب.. جوهرةٌ لا تُقدّر نقاء القلب.. جوهرةٌ لا تُقدّر

في زحمة الحياة وضجيجها، وفي خضمّ صراعاتها التي لا تنتهي، يظلّ هناك كنزٌ لا يفنى، وجوهرةٌ لا تُقدّر... اقرأ المزيد

153

| 04 أغسطس 2026

مساحة إعلانية