رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

249

د. أحمد المحمدي

العقل التبريري

28 أبريل 2026 , 12:38ص

العقل في أصل خلقته ميزان، به يُعرف الحق من الباطل، وبه يُهتدى إلى سواء السبيل، وهو في طبيعته جندي للهداية، لا خصم لها، غير أنه إذا أُسلم لسلطان الهوى، تبدلت وظيفته، وانقلبت طبيعته، فصار يخدم ما كان ينبغي أن يحاكمه، ويزين ما كان ينبغي أن يرده، وهنا لا يبقى عقلا هاديا، بل يصير عقلا مبررا، لا يبحث عن الحقيقة ليخضع لها، بل عن المخرج ليتحصن به.

وهذا العقل لا يولد فجأة، بل يتشكل في الخفاء، حين تتكرر لحظة صغيرة، يتغاضى فيها الإنسان عن صوت الحق في داخله، فيعتاد أن يقدّم راحته على صدقه، وسلامته الظاهرة على سلامته الباطنة، حتى يألف هذا الانحراف، ويغدو عنده عادة فكرية لا يشعر بها.

حين يخون العقل وظيفته

العقل السليم يقف عند الفعل وقفة محاسبة، يسأل قبل الإقدام لا بعده، يزن قبل أن يحكم، ويحتكم إلى معيار ثابت لا يتبدل بتبدل الرغبات، أما العقل التبريري فلا يبدأ بالسؤال، بل يبدأ بالنتيجة، يحسم الأمر في داخله وفق ما تميل إليه نفسه، ثم يستدعي الأدلة لاحقا، لا ليتأكد، بل ليُقنع، فيصير التفكير عنده أداة دفاع لا أداة بحث. وهنا يتحول العقل من قائد إلى تابع، ومن نور يكشف الطريق إلى ستار يُخفيه، فلا يعود يفرق بين الحق الذي ينبغي اتباعه، والباطل الذي ينبغي اجتنابه، بل يلبس أحدهما لباس الآخر حتى تختلط المعالم.

التزيين أخطر من الوقوع

الذنب في أصله ضعف، لكنه لا يزال يحمل في داخله بذرة الرجوع، لأنه يكسر صاحبه ويوقظ ضميره، أما إذا تلبس بالتبرير، صار مرضا مزمنا، لأن صاحبه لم يعد يرى فيه عيبا، بل يراه خيارا له مسوغاته، وهنا يتحول الخطأ من زلة إلى منهج.

ولهذا كان التزيين أخطر من الوقوع، لأنه لا يكتفي بإسقاط الإنسان في الخطأ، بل يعيد تشكيل وعيه حتى لا يراه خطأ أصلا، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾، فالمصيبة ليست في الفعل وحده، بل في الصورة التي تُرسم له في القلب، حتى يبدو مقبولا، بل مبررا، بل مستحقا.

من الذنب إلى القناعة

العقل التبريري لا يقف عند حدود الدفاع، بل يتدرج في الهدم، يبدأ بتخفيف وقع الخطأ، ثم بتأويله، ثم بإعادة تعريفه، حتى يتحول من انحراف إلى رأي، ومن زلة إلى موقف، ومن فعل يُستحيا منه إلى فكرة يُدافع عنها. 

وهنا تقع الكارثة الصامتة، حين لا يعود الإنسان يخطئ وهو يشعر بالذنب، بل يخطئ وهو مطمئن، بل ربما وهو يظن أنه على صواب، فيصاب القلب بعمى لا تراه العين، ولا يكشفه التحليل، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، فيبقى الإدراك العقلي حاضرا، لكن الميزان الداخلي قد اختل، فلا يعود يميز بين ما ينبغي أن يُفعل وما ينبغي أن يُترك.

معركة الداخل

ليست المعركة الحقيقية في ساحات الخارج، بل في تلك اللحظة الخفية التي يقف فيها الإنسان بين نداءين، نداء الحق يدعوه إلى الرجوع، ونداء التبرير يزين له الاستمرار، وبينهما تتحدد وجهته، لا بما يفعله فقط، بل بما يرضى أن يسميه حقا في نفسه. والخطر كل الخطر أن يخسر الإنسان هذه المعركة وهو لا يشعر، فيظن أنه ثابت، وهو في الحقيقة ينحدر، ويظن أنه يفكر، وهو في الحقيقة يُعاد تشكيله من الداخل.

طريق النجاة

النجاة ليست في العصمة من الزلل، فإن هذا فوق طاقة البشر، وإنما في حفظ الصدق عند الزلل، أن يرى الإنسان خطأه كما هو، بلا تزيين ولا تهوين، وأن يملك شجاعة الاعتراف، لا مهارة التبرير، وأن يعود إلى ميزانه الأول كلما اختل.

فإن التوبة لا تبدأ من ترك الذنب فقط، بل من كسر الصورة التي زُين بها، ومن إعادة الأشياء إلى أسمائها الحقيقية، فالكلمة التي تُحرّف لتُجمّل الخطأ، أخطر من الخطأ نفسه. إن العقل إذا لم يكن خادما للحق، صار خادما للهوى، وإذا لم يكن نورا يهدي، صار ظلمة تضل، فليحذر المرء أن يكون عقله حجة له في الظاهر، وهو عليه في الباطن، يبرر له حتى يسقط، ويزين له حتى يضل.

وفي الختام نسأل الله أن يرد عقولنا إلى فطرتها، وأن يرزقنا بصيرة لا تنخدع، وقلوبا لا تُخدر، وأن يعصمنا من أنفسنا إذا مالت، ومن عقولنا إذا بررت، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والله الموفق.

اقرأ المزيد

alsharq سيرة يكتبها صاحبها.. وسيرة تفضحه

مؤخراً.. أصبحت بعض دور النشر العربية تنظر إلى المحرر الأدبي بوصفه شريكًا حقيقيًا في صناعة الكتاب، بعدما ظل... اقرأ المزيد

66

| 17 مايو 2026

alsharq العراق .. واختبار الدولة

منذ عام 2003 والعراق يعيش داخل دائرة سياسية مغلقة، تتبدل فيها الحكومات وتتغير الوجوه، لكن الأزمة الجوهرية بقيت... اقرأ المزيد

93

| 17 مايو 2026

alsharq العلاقات التركية - الجزائرية من الماضي إلى الحاضر

تستند العلاقات بين تركيا والجزائر إلى روابط تاريخية وثقافية قوية تعود إلى العهد العثماني. مع انضمام برباروس خير... اقرأ المزيد

63

| 17 مايو 2026

مساحة إعلانية