رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ عام 2003 والعراق يعيش داخل دائرة سياسية مغلقة، تتبدل فيها الحكومات وتتغير الوجوه، لكن الأزمة الجوهرية بقيت على حالها دون تغيير، لأنّ المشكلة لم تكن في انتقال السلطة أو تداول المناصب، بل في غياب "مشروع الدولة" القادر على تحويل العراق من ساحة للصراعات والتجاذبات إلى دولة تمتلك قرارها وسيادتها ومؤسساتها الفاعلة. ومع نيل حكومة علي الزيدي ثقة البرلمان، يعود السؤال الاستراتيجي نفسه ليُفرض بقوة: هل نحن أمام حكومة جديدة تُضاف إلى سلسلة الحكومات السابقة أم نحن أمام بداية محاولة حقيقية لإعادة بناء الدولة العراقية؟
إنَّ العراق اليوم يقف عند لحظة مختلفة تماماً عن المراحل السابقة، لأن البلد استنزف تقريباً كل فرص المناورة السياسية التقليدية ولم يعد المجتمع يحتمل المزيد من الحلول المؤقتة أو "التسويات" التي تُرحّل الأزمات من مرحلة إلى أخرى، بمعنى آخر هو يعيش حالة من الانكشاف السياسي والاقتصادي والأمني، الأمر الذي يجعل المرحلة الحالية أقرب إلى "الاختبار الأخير" للنظام السياسي برمته.
لقد قامت الحكومات المتعاقبة طوال السنوات الماضية على فلسفة "التوازنات والمحاصصة" لا على فلسفة "الإنجاز وبناء المؤسسات" ولذلك تحولت أغلب الحكومات إلى إدارات لتخفيف الاحتقان السياسي لا إلى مشاريع وطنية قادرة على صناعة التحول الحقيقي، ومن هنا فإن نجاح حكومة علي الزيدي لن يُقاس بعدد التصريحات أو الاتفاقات السياسية بل بقدرتها على الانتقال من منطق التسويات إلى منطق الدولة.
وأول اختبار حقيقي أمام الحكومة الجديدة يتمثل في "استعادة الثقة الشعبية" وهي أخطر ما خسرته السلطة خلال السنوات الماضية، لأنّ المواطن العراقي لم يعد يقتنع بالشعارات والخطابات، بل أصبح يبحث عن نتائج ملموسة يشعر بها في حياته اليومية فهو الذي أرهقته الأزمات الاقتصادية وضعف الخدمات والبطالة ولم يعد يريد وعوداً طويلة الأمد بل يريد دولة تحترم كرامته وتؤمن له الحد الأدنى من الاستقرار والعيش الكريم.
ولهذا فإن الأشهر الأولى من عمر الحكومة ستكون حاسمة في تحديد طبيعة العلاقة بين الشارع والسلطة، فإذا استطاعت الحكومة أن تقدم نموذجاً جاداً في مكافحة الفساد وتحسين الخدمات وفرض هيبة القانون فإنها ستنجح في استعادة جزء من الحاضنة الشعبية وهي القوة الأهم لأي مشروع إصلاحي حقيقي.
أما الملف الأمني فإنه يبقى أساس الاستقرار السياسي كله، لأنّ الدولة التي لا تحتكر قرار القوة والسلاح بيدها لا تستطيع أن تبني مشروعاً سيادياً مستقلاً، ورغم التحسن النسبي في الوضع الأمني، فإن العراق ما زال يعيش هشاشة واضحة نتيجة تشابك الملفات الداخلية مع التأثيرات الإقليمية والدولية، ولذلك فإن حكومة علي الزيدي ستكون مطالبة بإعادة تعريف مفهوم الأمن بوصفه مشروع سيادة شاملا لا مجرد انتشار للقوات الأمنية في المدن.
وإن فرض هيبة الدولة وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء ومنع تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية تمثل التحدي الأصعب أمام الحكومة الجديدة، لأنّ العراقيين يريدون دولة قوية تحمي حدودها وقرارها الوطني لا دولة تتأثر بكل عاصفة تهب من الخارج.
وعلى المستوى الاقتصادي تبدو المعركة أكثر تعقيداً وخطورة، لأنّ العراق رغم ثرواته الهائلة ما زال يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط وهذه معادلة شديدة الخطورة في عالم تتغير فيه موازين الاقتصاد والطاقة بسرعة كبيرة، وإن استمرار الاقتصاد الريعي يعني بقاء القرار السياسي هشاً وقابلاً للاهتزاز مع كل أزمة مالية عالمية.
وإن الحكومة العراقية الجديدة أمام فرصة حقيقية لإعادة بناء الاقتصاد على أسس أكثر تنوعاً من خلال تنشيط الصناعة والزراعة وتشجيع الاستثمار الحقيقي بعيداً عن المشاريع الوهمية التي استنزفت ميزانيات الدولة خلال السنوات الماضية، كما أن تحقيق الأمن الغذائي والدوائي لم يعد مجرد ملف خدمي بل أصبح جزءاً من مفهوم الأمن القومي لأن الدولة التي تعتمد بالكامل على الخارج في غذائها ودوائها تبقى عرضة للضغوط والابتزاز في كل أزمة.
وفي الجانب السياسي فإن إدارة العلاقة مع القوى السياسية المختلفة تحتاج إلى قدر كبير من التوازن والحكمة، لأنّ العراق بلد معقد التركيبة ولا يمكن إدارته بمنطق الغلبة وحده لكن الخطر يكمن في أن تتحول التوازنات السياسية إلى قيود تمنع الإصلاح الحقيقي، ولذلك فإن حكومة علي الزيدي مطالبة من قبل الشعب بالموازنة بين بناء التفاهمات السياسية وبين الحفاظ على استقلالية القرار الحكومي وعدم الخضوع لابتزاز المصالح الحزبية الضيقة.
كما أن اختيار الكفاءات المهنية سيكون اختباراً مبكراً لجدية مشروع الإصلاح، لأنّ الدولة لا تُدار بالمحاصصة ولا بالمجاملات السياسية، بل بالعقول القادرة على التخطيط واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، وكل إصلاح حقيقي يبدأ من بناء مؤسسة قوية يقودها أشخاص يمتلكون الكفاءة والنزاهة والإرادة.
أما خارجياً فإن العراق يمتلك فرصة مهمة لإعادة تموضعه الإقليمي والدولي، لأنّ الموقع الجغرافي والثقل التاريخي والسياسي للعراق يمنحانه القدرة على أن يكون لاعباً مؤثراً في المنطقة لا مجرد ساحة للصراعات، وإذا استطاعت الحكومة الجديدة أن تنتهج سياسة خارجية متوازنة تقوم على المصالح الوطنية والحياد الإيجابي فإن العراق سيكون قادراً على استعادة دوره الطبيعي كقوة استقرار إقليمية.
لكن كل هذه الملفات تبقى مرتبطة بعامل واحد حاسم وهو "الإرادة السياسية" لأنّ الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بالشعارات والبرامج وحدها، بل يحتاج إلى قرارات شجاعة تصطدم أحياناً بشبكات مصالح واسعة اعتادت الاستفادة من ضعف الدولة وترهل مؤسساتها.
ولهذا فإن حكومة علي الزيدي تقف اليوم أمام امتحان تاريخي حقيقي؛ فإما أن تنجح في إعادة إحياء مشروع الدولة العراقية القوية، وإما أن تتحول إلى محطة أخرى في سلسلة الأزمات الممتدة منذ أكثر من عقدين من الزمن.
والعراقيون لا ينتظرون المعجزات لكنهم ينتظرون دولة قوية تمتلك القرار والشجاعة والقدرة على إعادة البلد إلى أبنائه، ومن ينجح في تحقيق ذلك سيكتب بداية مرحلة جديدة في تاريخ العراق الحديث.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
12897
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3852
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3153
| 30 أكتوبر 2026