رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

0

سعدية مفرح

سيرة يكتبها صاحبها.. وسيرة تفضحه

17 مايو 2026 , 10:44م

مؤخراً.. أصبحت بعض دور النشر العربية تنظر إلى المحرر الأدبي بوصفه شريكًا حقيقيًا في صناعة الكتاب، بعدما ظل الكاتب طويلًا يعمل وحيدًا، يحمل النص من فكرته الأولى حتى لحظة خروجه إلى القارئ، كأن الكتابة عزلة مكتملة لا تحتمل يدًا أخرى. ومع ذلك، ما زال بعض الكتّاب يتعاملون مع فكرة التحرير الأدبي بحذر يشبه الحرج أحيانًا، وكأن النص يفقد شيئًا من هيبته حين يقترب منه شخص آخر. والحقيقة أن كثيرين يخشون المحرر لأنهم يخشون القراءة الدقيقة، ويخشون تلك العين التي ترى ما حاول الكاتب إخفاءه بين الجمل.

قبل أسبوعين انتهيت من تحرير سيرة ذاتية لشخصية معروفة، وكانت تجربة أعادتني إلى أسئلة قديمة عن معنى السيرة أصلًا، وعن المسافة الملتبسة بين الحقيقة وطريقة تقديمها. فمن يكتب سيرته لا يقدّم حياته كما عاشها تمامًا، وإنما كما يريد لها أن تبقى في ذاكرة الآخرين. هناك دائمًا نسخة معدّلة من الذات، نسخة أكثر ترتيبًا وتهذيبًا، وأحيانًا أكثر بطولة. حتى أكثر السير صدقًا تحتفظ بمنطقة صامتة لا يقترب منها أحد، منطقة يعرف صاحبها جيدًا أنها لو كُشفت لتغيّرت الحكاية كلها.

كنت كلما تقدّمت في الفصول أشعر أنني لا أقرأ حياة شخص واحد، وإنما أقرأ أيضًا طريقته في الدفاع عن نفسه. بعض الجمل بدت كأنها مرافعة مؤجلة، وبعض الأحداث كُتبت بعناية تشبه انتقاء الإضاءة المناسبة لالتقاط صورة قديمة. حتى الذكريات تخضع أحيانًا لإعادة الترتيب، فالعقل لا يحفظ الماضي بحياد كامل، وإنما يعيد تشكيله كلما احتاج صاحبه إلى تبرير أو عزاء أو انتصار صغير على زمن مضى.

وأثناء العمل لاحظت أمرًا شديد المفارقة؛ فبعض الناس يخفون حقيقتهم بالكلام الكثير. يروون التفاصيل بإسهاب مربك، ويملأون الصفحات بالوقائع والأسماء والتنقلات والمواقف، ثم يخرج القارئ من كل ذلك وهو لا يعرفهم حقًا. كأن الوفرة نفسها تتحول إلى ستارة. هناك من يكتب عشرات الصفحات عن نجاحاته، ثم تكشفه جملة عابرة قالها عن أمه، أو خوف صغير مرّ سريعًا بين سطرين، أو طريقة حديثه عن شخص تركه في منتصف الطريق.

التفاصيل الصغيرة كانت دائمًا أكثر صدقًا من العناوين الكبيرة. الإنجازات اللامعة تعرف كيف تقدم نفسها، أما الحقيقة فتظهر غالبًا في الهامش. في الطريقة التي يصف بها أحدهم أول غرفة سكنها، أو ارتباكه في مقابلة مبكرة، أو شعوره بالعجز أمام خسارة شخصية حاول تجاوزها بالكلمات. تلك اللحظات العابرة كانت تمنح السيرة روحها الفعلية، لأنها تأتي أقل تصنعًا، وأقل خضوعًا لرغبة التجميل.

لهذا أعتقد أن كتابة السيرة ليست مجرد تدوين للأحداث، وإنما عملية شاقة من المصالحة مع الذاكرة. فالذاكرة ليست أرشيفًا أمينًا كما نتخيل، وإنما كائن حساس، ينتقي ويخفي ويبالغ وينسى، ثم يعود فجأة ليضع أمامك مشهدًا صغيرًا ظننته انتهى منذ سنوات. وربما لهذا السبب تبدو بعض السير الذاتية باردة رغم امتلائها بالأحداث، بينما تشع أخرى بالحياة رغم بساطة ما ترويه. الفارق غالبًا يكمن في مقدار الصدق الذي سمح الكاتب بمروره إلى الصفحة.

وأظن أن كثيرًا من الأشخاص عاشوا فعلًا حيوات تستحق أن تُروى، لكنهم لا يعرفون كيف يحوّلون الذاكرة إلى كتاب. هناك من يملك تجربة غنية، ثم يقتلها بالتفاخر أو بالشرح الزائد أو بمحاولة الظهور في صورة مثالية. وهنا يأتي دور كاتب السيرة أو المحرر الأدبي؛ أن ينقّب عن اللحظة الإنسانية المختبئة تحت الركام، وأن يلتقط ما يمرّ عليه الآخرون بوصفه تفصيلًا عاديًا، بينما يكمن فيه المعنى الحقيقي للحياة.

أحيانًا أشعر أن مهمة المحرر الأدبي تشبه الإنصات أكثر مما تشبه الكتابة. فهو لا يبحث فقط عن سلامة اللغة أو تماسك البناء، وإنما يحاول أن يسمع الصوت الخافت خلف السرد، ذلك الصوت الذي يظهر فجأة ثم يختفي، ويقول عن صاحبه أكثر مما تقوله صفحات كاملة من الإنجازات والتواريخ. وربما لهذا السبب تظل بعض الكتب حيّة في الذاكرة، لأنها لم تكتفِ بسرد الوقائع، وإنما استطاعت أن تترك داخل القارئ أثرًا يشبه الاعتراف المؤجل.

مساحة إعلانية