رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

م. حسن الراشد

مساحة إعلانية

مقالات

498

م. حسن الراشد

توطين الصناعة من قيود الممرات

17 مايو 2026 , 10:45م

قد تكون الجغرافيا قدرًا ثابتًا، خاصةً لدول تكتسب حساسيتها من التواجد في مناطق ملتهبة بالصراعات والتوترات، لكن الاستثمار في البعد الاستراتيجي هو ما يصنع الفارق الحقيقي. فإما أن تتحول الجغرافيا إلى قيد يخنق الاقتصاد، أو إلى منصة انطلاق لتنويع المخاطر وتجاوز الأزمات.

وعندما تُصدَّر المواد الخام كالغاز أو النفط في صورتها الأولية، فإنها ترتبط عادةً بسفينة أو أنبوب أو مسار واحد، وفي أوقات الأزمات قد تكون نقطة اختناق وحيدة كافية لشل اقتصاد بأكمله. لكن بمجرد تحويل هذا الجزيء الواحد صناعيًّا، ليتفكك إلى عشرات الجزيئات المتمثلة في هيئة منتجات نهائية أو شبه نهائية، يتشكل ما يشبه محفظة استثمارية صناعية من المنتجات. وهنا يتحقق التحول والتنوع والتوازن الحقيقي: نقل ثقل الاقتصاد من البحر إلى اليابسة، ومن الميناء إلى المصنع، ومن شحنة وحيدة إلى منظومة إنتاج ولوجستيات متكاملة ومتنوعة.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى رؤية متكاملة تجمع بين الجوانب الجيوسياسية، والاستثماريّة والرؤية طويلة الأجل. وعمليًّا، تقتضي هذه الرؤية توجيه هذه الموارد لخدمة أغراض التوطين الصناعي محليًّا، كبديل استراتيجي، سعيًا لتعظيم القيمة المضافة عبر مسارين رئيسيين:

أولًا: المنتجات الصلبة: تشمل هذه الفئة البوليمرات واللدائن المشتقة من "الإيثيلين"، مثل البولي فينيل كلورايد (PVC) بأشكاله المختلفة، والبولي إيثيلين بأنواعه (HDPE, LDPE, LLDPE)، إضافةً إلى المنتجات المتخصصة عالية القيمة مثل إيثيلين فينيل أسيتات (EVA)، والبولي إيثيلين المحفَّز بالميتالوسين (mPE). كما تشمل أحادي الإيثيلين جلايكول (Monoethylene Glycol - MEG)، والألفا أوليفينات (Alpha Olefins) بما فيها الخطية (LAO)، ومنتجات الأوكسو (OXO)، التي يمكن إنتاجها بالاستفادة من خصائص الغاز عالي الإيثان المتوافر، بما يتيح إقامة شبكة واسعة من الصناعات التحويلية والمنتجات النهائية التي لا تُعد ولا تُحصى، بالإضافة إلى الأسمدة الكيماوية (اليوريا، NPK، والمحسنات الكبريتية)، إلى جانب الصناعات المعدنية كثيفة الطاقة المعتمدة على الغاز مثل الحديد الإسفنجي والألومنيوم ومشتقاته التحويلية.

ثانيًا: السوائل والسوائل الغازية والمشتقة من غاز "الميثان ": كالأمونيا، والمذيبات الكيماوية المختلفة، والمواد الكيماوية المتخصصة، والميثانول ومنه الفورمالدهيد. وهذه المواد الحيوية تدخل في العديد من الصناعات التحويلية.

ويتمثل الأثر المباشر لهذا التحول في خفض الاعتماد على منتج أو مصدر واحد، وتعظيم القيمة المضافة لكل وحدة غاز منتجة، وتنويع الأسواق المستهدفة، وتقليص المخاطر اللوجستية، إلى جانب توطين التكنولوجيا وتأهيل الكفاءات الوطنية. كما قد توفر بعض المنتجات التحويلية استقرارًا نسبيًا وهوامش ربح أعلى، وتخفف من أثر تقلبات أسعار الغاز والنفط عالميًا، فضلًا عن مرونة لوجستية كبيرة تكسر الارتهان للممرات الجغرافية الضيقة، بفضل سهولة التخزين وتعدد خيارات الإنتاج والنقل.

ولا ينبغي تقييم المشاريع الصناعية الاستراتيجية بمعيار تحقيق معدل العائد الداخلي (IRR) المرتفع وحده؛ إذ إن بعضها، من وجهة نظري، يُعد من الأصول التنموية التي تتجاوز منافعها لغة الأرقام والقوائم المالية، لتشمل تعزيز الحماية الاقتصادية، وتوطين الصناعة، ونقل التكنولوجيا، وبناء الخبرات الوطنية؛ بما يرسخ السيادة الصناعية. إنها استثمارات تماثل في قيمتها قطاعات التعليم والصحة والرياضة؛ فكما تُقاس تلك القطاعات بأثرها الاستراتيجي طويل الأجل، تُقاس الصناعة بما تبنيه من قدرات وطنية وما تحققه من استدامة اقتصادية للأجيال القادمة.

مساحة إعلانية