رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سعدتُ كثيرًا أثناء زيارتي لمعرض الدوحة الدولي للكتاب لهذا العام، بأن أجد كتابًا مميزًا يحمل عنوان "الدبلوماسية الإنسانية القطرية: رؤية أخلاقية عربية إسلامية"، وذلك في جناح إحدى المكتبات التابعة لكاتب هذا العمل، السيد عبد العزيز البوهاشم السيد باحث قطري متخصص في التاريخ والعلاقات الدولية، حاصل على شهادات أكاديمية من جامعة قطر وجامعة لوسيل. شغل عدة مناصب قيادية في مؤسسات الدولة، وله اهتمام كبير بالتراث والثقافة القطرية والخليجية. عُرف بشغفه بجمع الكتب والمقتنيات التراثية، وأسهم في توثيق ثقافة البادية والصقور، إضافة إلى مشاركته في الفعاليات والمعارض التراثية داخل قطر وخارجها.
وقد جذبني عنوان الكتاب منذ اللحظة الأولى لما يحمله من أبعاد إنسانية وأخلاقية تعكس صورة مشرقة عن الدور القطري في المجال الإنساني والدبلوماسي.
*يتناول الكتاب مفهوم الدبلوماسية الإنسانية القطرية بوصفها نموذجًا متميزًا في الاستجابة الإنسانية على الساحة الدولية، حيث تقوم على منظومة من القيم العربية والإسلامية التي تؤكد أهمية الكرامة الإنسانية والتعاون والإغاثة. كما يوضح الكاتب كيف استطاعت المؤسسات القطرية، مثل قطر الخيرية والهلال الأحمر القطري وصندوق قطر للتنمية، أن تؤدي دورًا فاعلًا في تقديم المساعدات الإنسانية ومواجهة الأزمات والكوارث حول العالم.
ويبرز الكتاب أيضًا البعد الأخلاقي والسياسي لهذا الدور الإنساني، موضحًا أن العمل الإنساني ليس مجرد مساعدات عابرة، بل هو مسؤولية حضارية تسهم في بناء السلام وتعزيز التنمية المستدامة. كما يناقش التحديات التي تواجه الدبلوماسية الإنسانية في ظل المتغيرات السياسية والاقتصادية الدولية، مؤكدًا أهمية الشفافية والقيم الأخلاقية في تحقيق التأثير الإيجابي.
وفي ختام هذا العمل، يقدم الكاتب رؤية علمية وعملية تؤكد أن الدبلوماسية الإنسانية القطرية أصبحت نموذجًا يُحتذى به في العالم العربي والإسلامي، لما لها من أثر في خدمة الإنسان وصون كرامته وتعزيز قيم التضامن والتعايش بين الشعوب.
* يتكوّن هذا الكتاب من ثمانية فصول، يتناول كل فصل منها جانبًا مهمًا من جوانب الدبلوماسية الإنسانية القطرية، من حيث أبعادها الأخلاقية والقيمية، ودورها الإغاثي والإنساني، وتأثيرها في تعزيز السلام والتنمية وبناء صورة حضارية قائمة على مبادئ الرحمة والكرامة الإنسانية.
*يتناول الفصل الأول الإطار الأخلاقي والقيمي للدبلوماسية الإنسانية، موضحًا أن العمل الإنساني ليس مجرد استجابة طارئة للكوارث والأزمات، بل هو مسؤولية أخلاقية تعكس قيم الرحمة والعدل والكرامة الإنسانية. ويؤكد الكاتب أن الدبلوماسية الإنسانية تقوم على مبادئ عربية وإسلامية أصيلة تُعلي من قيمة الإنسان بعيدًا عن المصالح السياسية أو الحسابات الضيقة، كما يناقش أهمية بناء علاقات دولية قائمة على الاحترام والتعاطف والتعاون. ويبرز الفصل أن نجاح أي جهد إنساني يعتمد على التزامه بالقيم الأخلاقية، حتى لا يتحول العمل الإغاثي إلى مجرد أداة سياسية أو وسيلة لتحقيق المصالح والنفوذ (أي إلى بروباغندا).
* في الفصل الثاني يناقش الكاتب المبادئ التوجيهية للدبلوماسية الإنسانية، مركّزًا على قيم الحياد والاستقلال وعدم التحيّز بوصفها أسسًا أخلاقية تحكم العمل الإنساني المعاصر. ويوضح أن الدبلوماسية الإنسانية لم تعد مجرد وسيلة لتقديم المساعدات، بل أصبحت أداة تعزز العدالة والرحمة وتحفظ كرامة الإنسان بعيدًا عن المصالح السياسية أو الصراعات الدولية وتسعى لتحقيق السلام والأمن في المنطقة والعالم. كما يبرز الفصل أهمية التوازن بين الواجب الإنساني واحترام سيادة الدول والثقافات المحلية، مع التأكيد على ضرورة الشفافية والمسؤولية في إدارة الأزمات والكوارث. ويرى الكاتب أن نجاح العمل الإنساني يعتمد على الالتزام بمنظومة قيمية متكاملة تجعل المساعدات وسيلة لخدمة الإنسان لا أداة للنفوذ أو تحقيق المصالح الخفية.
* يتناول الفصل الثالث دور الزكاة والوقف باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في تمويل العمل الإنساني بصورة أخلاقية ومستدامة، حيث يوضح الكاتب كيف استطاعت دولة قطر توظيف هذه الموارد في دعم الدبلوماسية الإنسانية والاستجابة السريعة للأزمات والكوارث. كما يبرز الفصل أهمية الزكاة بوصفها أداة تعزز قيم الرحمة والتكافل والتضامن الإنساني، وتسهم في دعم المحتاجين والمتضررين في مختلف أنحاء العالم. وتتجلى هذه المعاني بصورة أكبر في العشر الأوائل من ذي الحجة، التي يُستحب فيها الإكثار من الزكاة والصدقات وأعمال الخير، لما تحمله من قيم إنسانية وأخلاقية تتوافق مع ما أكّد عليه الكتاب من أهمية حفظ كرامة الإنسان وترسيخ مبادئ العطاء والتعاون بين المجتمعات.
* يتطرق الفصل الرابع إلى تطور الدبلوماسية الإنسانية القطرية ودورها في تعزيز مكانة قطر الدولية من خلال العمل الإغاثي والوساطة الإنسانية. كما يوضح كيف اعتمدت قطر على مؤسساتها الإنسانية لتقديم الدعم للمناطق المتضررة، مع الالتزام بالقيم الأخلاقية والقانون الدولي الإنساني، مما جعلها نموذجًا مؤثرًا في مجال القوة الناعمة والعمل الإنساني.
* يركز الفصل الخامس على أبرز الفاعلين الرئيسيين في الدبلوماسية الإنسانية القطرية، موضحًا الدور المتكامل الذي تؤديه المؤسسات الحكومية والخيرية في إدارة العمل الإنساني. ويبرز الفصل مساهمة جهات مثل الهلال الأحمر القطري، وقطر الخيرية، وصندوق قطر للتنمية، ومؤسسة التعليم فوق الجميع، في تقديم المساعدات الإنسانية والتنموية ودعم المجتمعات المتضررة من الأزمات. كما يوضح الكاتب أن نجاح النموذج القطري يعود إلى قدرته على الجمع بين الاستجابة السريعة والتخطيط التنموي طويل المدى، إلى جانب اعتماده على الشراكات الدولية والشفافية والمرونة المؤسسية، مما عزز مكانة قطر كفاعل إنساني مؤثر على الساحة الدولية.
* يعرض الفصل السادس المبادرات القطرية في تعزيز الحماية الدولية من خلال تطوير مفهوم الدبلوماسية الإنسانية، حيث برزت قطر كوسيط إنساني فاعل عبر دعمها للمناطق المتضررة وبناء شراكات مع المنظمات الدولية، مع التركيز على حماية الإنسان وتعزيز الكرامة والاستقرار.
* أما الفصل السابع فيناقش التحديات التي تواجه الممارسة القطرية، مثل تسييس العمل الإنساني وصعوبات التنسيق والضغوط الإعلامية والقانونية، مع التأكيد على قدرة قطر على الموازنة بين المبادئ الإنسانية والمصالح السياسية، بما يعزز دورها كقوة ناعمة مؤثرة في الساحة الدولية.
* يقيّم الفصل الثامن الدبلوماسية الإنسانية القطرية من منظور أخلاقي وقيمي وقانوني، موضحًا اعتمادها على مبادئ النزاهة والشفافية واحترام السيادة مع الموازنة بين البعد الإنساني والمصالح السياسية، كما يبرز دورها في ترسيخ صورة قطر كفاعل إنساني مؤثر إقليميًا ودوليًا.
* أما الفصل الختامي فيعرض النتائج والتوصيات المستقبلية، مؤكدًا أن التجربة القطرية أصبحت نموذجًا يجمع بين القيم الأخلاقية والكفاءة المؤسسية، مع الدعوة إلى تطوير الشراكات الدولية، وتوظيف التكنولوجيا والحوكمة الرقمية، وتعزيز الاستدامة والشفافية لضمان استمرار الدور الإنساني القطري بفاعلية أكبر في مواجهة الأزمات العالمية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8391
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4851
| 05 أغسطس 2026
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم يتوقف عن سؤال محوري يتكرر بصور مختلفة: أين نقف؟ وعلى أي أرض نسير؟ قد يبدو السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة، وأربكت العلماء، وأشعلت الجدل بين الحضارات. والأعجب من ذلك أن هذا الاستفهام ما زال حتى اليوم يثير انقساماً فكرياً واسعاً، رغم كل ما بلغته البشرية من تقدم هائل في علوم الفضاء والاستشعار عن بُعد. فهل الأرض كرة كاملة؟ أم أنها مفلطحة عند القطبين وأقرب إلى الشكل البيضاوي؟ أم أن هناك من يرى أنها ليست كذلك أصلًا، وإنما هي سطح واسع لم نفهم تمام كنهه بعد؟ إن المتأمل المنصف لا يستهين بأي سؤال، ولا يقدس رأياً لمجرد شيوعه؛ فتاريخ العلم كله قائم على مراجعة المسلّمات. لقد كان الناس يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض ثم تبدلت الصورة، وظنوا أن الذرة أصغر جزء في الكون حتى انقسمت إلى عالم أعجب، وكانوا يرون الزمن ثابتاً حتى جاء أينشتاين ليجعله قابلاً للتمدد والانكماش. وهذا يدلك على أن العلم ليس كتاباً أُغلق، بل رحلة استكشاف لا تنتهي. النموذج العلمي السائد تتبنى المؤسسات العلمية في العالم أن الأرض ليست كرة تامة، بل جسم مفلطح قليلًا عند القطبين ومنتفخ عند خط الاستواء، وهو ما يُعرف في الفيزياء بـ "القطع الناقص الدوراني" ويستند هذا النموذج إلى صور الأقمار الصناعية، وحسابات الجاذبية، وملاحة الطائرات والسفن، والقياسات الدقيقة مما جعله الأكثر قبولاً في المجتمع العلمي. لماذا يستمر الجدل؟ في المقابل، ترى فئة أخرى أن كثيراً مما يُقدَّم للناس يعتمد على الثقة بالمؤسسات أكثر من اعتماده على التجربة الشخصية المباشرة. ويطرح أصحاب هذا الاتجاه أسئلة من قبيل: كيف يشعر الإنسان بوجود دوران الأرض؟ ولماذا يبدو الأفق مستقيماً؟ وهل تعكس جميع الصور الفضائية الواقع كما هو؟ قد يختلف الباحث مع هذه التساؤلات أو يوافقها، لكنها تبقى جزءاً من حركة الفكر الإنساني التي لا يجوز مصادرتها بالسخرية؛ فالعلم الحقيقي لا يخاف من السؤال. المقاربة القرآنية ومن اللافت أن القرآن الكريم لم يجعل الشكل الهندسي للأرض قضية إيمانية، ولم يربط الهداية بأبعادها؛ بل وجَّه الإنسان إلى ما هو أعظم وأشمل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. دعا القرآن إلى التفكر في التكوين، ولم يفرض نموذجاً هندسياً محدداً. ولهذا نجد ألفاظاً مثل "مدّ الأرض"، "دحاها"، و"سطحت"، وهي تعابير تناولها المفسرون بطرائق متعددة دون أن يجعلوا منها سبباً للتنازع أو الخلاف. عالم الأراضين السبع… أبعاد تتجاوز الإدراك ومما يزيد الأمر ذهولاً وتأملاً، أن النص القرآني لم يقف عند حدود هذه الأرض التي نعيش عليها ونقيس أبعادها، بل أشار إلى أبعاد وعوالم أخرى بوضوح في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. إن هذا التماثل بين السماوات والأراضين يفتح الباب أمام أسئلة أكثر عمقاً وأشد إبصاراً: هل أرضنا هذه مجرد طبقة واحدة من منظومة أعظم؟ وهل الأراضين الأُخرى طبقات جيولوجية داخلية، أم أبعاد كونية موازية لا نراها بأعيننا ولا تدركها مراصدنا؟ لقد أشار المفسرون الأوائل - كابن عباس رضي الله عنهما - إلى أن في كل أرض خلقاً وعوالم لا نعرف حقيقتها. واليوم، تقترب الفيزياء النظرية الحديثة من هذا المفهوم حين تتحدث عن "الأبعاد المتعددة" و"الأكوان الموازية"، مما يثبت أن محاولة حصر "الأرض" في شكل هندسي مجرد (كرة أو سطح) قد يكون تبسيطاً قاصراً لواقع كوني معقد جداً لم نكتشف منه إلا القشور. هل الحقيقة أكبر مما نتصور؟ يخبرنا التاريخ أن الإنسان كثيراً ما ظن أنه وصل إلى نهاية المعرفة، ثم اكتشف أنه كان في بدايتها فقط. فلعل أجيال القرن القادم سيبتسمون لبعض نقاشاتنا اليوم كما نبتسم نحن لنظريات القرون الوسطى، وربما يكتشف العلم مستقبلاً أن توصيف الأرض أعقد بكثير من مجرد حصرها في كلمات مثل "كرة" أو "بيضة" أو "سطح"؛ فالطبيعة لا تُختصر في المصطلحات. إن المشكلة الحقيقية ليست في شكل الأرض، بل في شكل العقول؛ فهناك من يحوّل الرأي العلمي إلى عقيدة جامدة لا تُناقش، وهناك من يتخذ النظرية غير المثبتة يقيناً مطلقاً، وكلا الطرفين يبتعد عن روح البحث العلمي السليم. فالقيمة الكبرى ليست في الوصول إلى الشكل النهائي، بل في بقاء العقل حراً يجمع بين الإيمان، والتواضع، والبرهان.
969
| 06 أغسطس 2026