رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عنوان مقالي هو نفس عنوان الكتاب الذي ألفه الأمير شكيب أرسلان السوري في نهاية القرن التاسع عشر وأنا أعيده للتأكيد على أن نفس السؤال مطروح منذ ذلك التاريخ الى يومنا هذا. وسبق أن طرحه بوعي رواد حركات الإصلاح الإسلامية أمثال محمد عبده وجمال الدين الأفغاني والشيخ عبد العزيز الثعالبي صاحب كتاب (أليس الصبح بقريب) وفي أيامنا هذه حاول الأستاذ التونسي (عماد بن نصر) الإجابة عن نفس السؤال فانطلق الباحث من تجربة وطنه (الجمهورية التونسية) كمثال يمكن أن ينسحب على بقية الدول العربية ما عدا تجربة دولة قطر الرائدة التي تفطن أميرها في منتصف التسعينيات الشيخ حمد بن خليفة رحمة الله عليه الى المكانة التي ستحظى بها طاقة الغاز في تمكين العالم من طاقة نظيفة وسهلة الاستخراج لكن الشيخ كان يدرك أن ذلك الرهان الصعب يحتاج الى تمويلات ضخمة فشرع في خوض معركة إقناع الشركات العملاقة والمصارف الكبرى بالمساهمة في التمويل وبفضل إرادته التي لا تلين رحمه الله تمكن من الحصول على الموافقة. واليوم أعلنت جامعة قطر عن إنشاء قسم للهندسة النووية وابتعاث أول دفعة إلى الخارج لتطوير مشروع تخصيص الهندسة النووية لأغراض سلمية مدنية وهذه مبادرة تؤكد استمرار حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني على نهج الخروج من التخلف ومسايرة العصر الحديث.
وننتقل لتحليل المقال المهم للأستاذ عماد بن نصر الذي قدم لنا شرحا علميا لتخلف العالم الاسلامي وتقدم الأمم الأخرى. فيقول: "إن التاريخ في هذه الرقعة من العالم لا يسير في خط مستقيم بل يدور في حلقة مفرغة من الطموحات المجهضة والفرص المهدورة. فحين نتأمل مسار الدولة التونسية بعد الاستقلال لا نجد أنفسنا أمام مسيرة بناء طبيعية بل أمام ملحمة مأساوية تشبه تراجيديات مدن الملح حيث تولد الأفكار الكبرى مشحونة بالضوء ثم تطفأ بدم بارد في دهاليز السياسة الضيقة وخلف كواليس التبعية العميقة. ومثال ذلك نذكر المشروع النووي التونسي بين عامي 1959 و1969 الذي لم يكن مجرد ترف تقني أو رغبة عابرة في مجاراة العصر بل كان محاولة جذرية لإعادة صياغة الهوية التونسية من حالة الاستهلاك والتبعية إلى حالة الفعل التاريخي والسيادة المطلقة. وكان رهانا على توليد إنسان جديد يكسر قيود الحاجة ويمتلك مفاتيح القرن العشرين من بوابته الأكثر تعقيدا وهي الطاقة الذرية. فالملحمة تبدأ برجلين صاغا مفهوم الجهاد العلمي في زمن كانت النخب السياسية تغرق في صراعات الزعامة والولاءات الضيقة. والرجلان هما: (محمد علي العنابي) ذلك العقل الاستراتيجي الذي كان يتحرك في أروقة (فيينا) مقر المفوضية الدولية للطاقة الذرية، وهو الذي أدرك قبل غيره أن الاستقلال بلا سيادة طاقية هو مجرد وهم قانوني فوضع اللبنات الأولى لمفوضية الطاقة الذرية قبل أن يغيبه الموت في ظروف غامضة عام 1962. وتسلم المشعل منه شاب قادم من أرقى مخابر باريس (البشير التركي) الذي لم يكن مجرد عالم فيزياء فذ بل كان منظرا جيوسياسيا يرى في المختبر امتدادا لساحة المعركة ضد الاستعمار. وهو الذي أنشأ مركز تونس قرطاج للبحوث النووية حيث لم تكن الخطط حبرا على ورق بل كانت خريطة طريق لقلب المعادلات الجغرافية والاقتصادية لشمال إفريقيا. وتجلت عبقرية المشروع في اختيار مدينة (ڨابس) بالجنوب التونسي لتكون حاضنة للمفاعل النووي العتيد. ولم يكن الاختيار عشوائيا بل استند إلى رؤية علمية متكاملة لربط الطاقة بالماء فكان المخطط يقضي بإنشاء محطة لإنتاج الكهرباء وتوطين صناعات ثقيلة بالتوازي مع منشأة عملاقة لتحلية مياه البحر بطاقة إنتاجية تصل إلى 150 ألف متر مكعب يوميا. وطبعا كان هذا المشروع كفيلا بتحويل الجنوب التونسي الصحراوي القاحل إلى واحة خضراء شاسعة وتأمين احتياجات البلاد من المياه لقرون وإلغاء مصطلح الجفاف من القاموس التونسي. لكن الصدمة المعرفية الكبرى التي فجرها (د. البشير التركي) كانت تكمن في أحشاء الأرض التونسية نفسها وتحديدا في قطاع الفسفاط. لأن (التركي) اكتشف عبر أبحاث مخبرية دقيقة أن الفسفاط التونسي الذي كان يصدر خاما بأبخس الأثمان الى أوروبا يحتوي على نسب عالية من اليورانيوم تصل إلى 140 جزءا في المليون لا سيما في مناجم (صرا ورتان). فوضع الرجل المعادلات الرياضية والكيميائية لاستخلاص هذا الذهب المشع كمنتج ثانوي أثناء تصنيع حمض الفسفوريك. كانت الحسابات تؤكد إمكانية استرجاع 360 طنا من اليورانيوم سنويا وهي كمية ضخمة لا تمنح تونس الاكتفاء الذاتي الكامل للطاقة لقرون فحسب بل تحولها إلى لاعب استراتيجي ومصدر رئيسي للوقود النووي في العالم مما يخرجها نهائيا من دائرة الابتزاز المالي والنفطي للقوى الكبرى. هنا اصطدم الحلم العلمي بالجدار الصلب للجغرافيا السياسية والجبن العقائدي للنخبة الحاكمة عندما مارست واشنطن وباريس ضغوطا خانقة على الوكالة الدولية للطاقة الذرية لحرمان تونس من أي تمويل فلم يتردد (البشير التركي) في كسر الطوق وتوجه إلى موسكو عام 1963، حيث قدم السوفييت عرضا سخيا ومكتملا لبناء المفاعل وتدريب الكوادر دون شروط سياسية مسبقة لكن هذا العرض اصطدم بالفوبيا الشيوعية الهستيرية التي كانت تسيطر على الزعيم الحبيب بورقيبة وبشهوته الدائمة لنيل الرضا الغربي. ففضل بورقيبة مع الأسف دولة تعيش على المساعدات المبرمجة والقروض المشروطة تحت المظلة الأمريكية والفرنسية على دولة تصنع مصيرها بمفاعلاتها الذرية وتنافس الكبار. ولم يقتصر التخريب على رأس السلطة بل شاركه في الجريمة رموز البيروقراطية وعلى رأسهم أحمد بن صالح الذي رأى في المركز النووي كيانا علميا متمردا يهدد خطته المركزية في التعاضد القسري فكان الصراع بين عقل تقني يستشرف المستقبل وعقل بيروقراطي يسعى لاحتكار الحاضر حتى لو كان ركاما. ووصلت التراجيديا التونسية ذروتها المفجعة عام 1969. أي في الوقت الذي كان فيه المجتمع العلمي الدولي ينحني إجلالا للبشير التركي بانتخابه رئيسا للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في (فيينا) كانت السكاكين السياسية في تونس تجهز لطعن المشروع في الظهر. فعاد (التركي) محملا بالمجد الدولي ليستقبله قرار رسمي بحل المفوضية وإغلاق المركز النووي نهائيا. وطبعا لم يكن القرار مجرد تراجع سياسي بل كان عملية إبادة علمية وحضارية مكتملة الأركان. فتم تحطيم الأجهزة المخبرية المتقدمة وتحويلها إلى خردة تباع في الأسواق ونقلت الكوادر العلمية والنوابغ إلى وظائف إدارية بائسة لقتل روح الإبداع في نفوسهم. ثم جاءت الجريمة الكبرى التي لا غفران لها وهي إحراق أرشيف المركز بالكامل حيث احترقت المخططات والنتائج المخبرية والدراسات الجيولوجية التي استغرقت عقدا من الزمن. وكان حرق الأرشيف فعلا مقصودا لمحو الذاكرة العلمية لتونس وللأمة العربية وضمان بقائها في حالة تبعية أبدية وتأكيدا للقوى الخارجية بأن تونس ومن حولها الدول الاسلامية لن يخرجوا عن الدور المرسوم لهم كحديقة خلفية عاجزة عن أي "تمرد". وهنا يصل المحلل الى طرح السؤال الجوهري وهو: ماذا لو لم يغتل ذلك الحلم في عام 1969؟ والإجابة هي: "لو نجح مفاعل (ڨابس) لكان وجه تونس والمنطقة بأسرها قد تغير كليا. ولكنا اليوم نتحدث عن تونس بصفتها القوة التكنولوجية والصناعية الأولى في شمال إفريقيا كدولة مصدرة للطاقة النظيفة ومكتفية ذاتيا وتمتلك احتياطات استراتيجية من اليورانيوم المستخرج من فسفاطها. ولو نجح المشروع لما كانت تونس اليوم تعيش تحت وطأة المأساة المائية الخانقة ولما كان الجنوب التونسي يعاني العطش لأن محطات التحلية العملاقة كانت ستغرق البلاد بالمياه العذبة وتحول الصحراء القاحلة إلى سلة غذاء خضراء للمتوسط. ثم إن ما يحدث اليوم في تونس من انقطاع متكرر ومذل للكهرباء وجفاف الصنبور في بيوت التونسيين لعدة أيام ليس مجرد أزمة عابرة ناتجة عن التغير المناخي أو نقص الأمطار بل هو النتيجة الحتمية المباشرة والجرح الغائر لقرار عام 1969. نحن اليوم ندفع فوائد الديون التاريخية للجبن السياسي. تونس التي كانت على وشك أن تصبح بنكا للطاقة النووية تقف اليوم عاجزة أمام تلبية أبسط مقومات الحياة لمواطنيها، تتسول القروض لشراء المحروقات وتنتظر رحمة المساعدات الخارجية لتأمين طاقة متهالكة. وكذلك العتمة التي تلف المدن التونسية اليوم والعطش الذي يجفف حلق الأرض والإنسان هما الصدى الحقيقي لرماد الأرشيف العلمي الذي أحرق قبل عقود. وخلاصة تحليلنا.. أن قصة الرجلين المغامرين (البشير التركي) و(محمد علي العنابي) أثبتت "أن التخلف في هذه البلاد لم يكن يوما قدرا جغرافيا بل هو صناعة محلية بامتياز تمت برعاية دولية وبأيدي نخب آثرت كراسيها على سيادة أوطانها ليبقى اليورانيوم المدفون في مناجمنا شاهدا على ثروة منهوبة وحلم وطني ذبح بدم بارد ومستقبل مهدور يعيش التونسيون اليوم تفاصيل انكساره في الظلام والظمأ". هذه نماذج حية للفرص المهدورة والمغامرات الشجاعة المجهضة حتى تتعظ بها الأجيال العربية القادمة فتتجشم الصعاب وتكسب الرهانات كما فعل قبلهم ثلاثة رجال وهم سمو الشيخ حمد بن خليفة والبشير التركي ومحمد على العنابي تغمدهم الله سبحانه برحمته وأنزلهم في أخراهم منازل المؤمنين بالله تعالى وبقدرتهم على تحديد مواعيد مع التاريخ.
الضربة المؤجلة.. حين حمت المنطقة إيران من نفسها
لم يكن قرار الرئيس الأمريكي تعليق الهجوم الواسع الذي كان يجري الإعداد له ضد إيران تراجعاً عن التهديد،... اقرأ المزيد
168
| 04 أغسطس 2026
رحلة القطار
رحلة القطار.. حين تمضي الحياة وتدعونا إلى الأمل “الحياة لا تنتظر المترددين، والزمن لا يعود إلى الوراء، ومن... اقرأ المزيد
207
| 04 أغسطس 2026
نقاء القلب.. جوهرةٌ لا تُقدّر
في زحمة الحياة وضجيجها، وفي خضمّ صراعاتها التي لا تنتهي، يظلّ هناك كنزٌ لا يفنى، وجوهرةٌ لا تُقدّر... اقرأ المزيد
99
| 04 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
2088
| 29 يوليو 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2085
| 01 أغسطس 2026
ليس للحلم قيمة إن بقي حبيس الخيال، ولا للنتائج معنى إن جاءت دون قصة تُروى عن الطريق الذي سبقها. ففي حياة كل إنسان مساحة تمتد بين ما يتمناه وما يحققه، وبين ما يرسمه في مخيلته وما يراه واقعًا ملموسًا، وهذه المساحة لا يملؤها سوى الاجتهاد. نحن نعيش في زمن يُبهرنا بما نراه من إنجازات الآخرين، فنشهد لحظة وصولهم إلى القمة، ونغفل عن سنوات السعي التي سبقتها. نرى النتائج ولا نرى الليالي التي أُرهقت فيها الأرواح، ولا المحاولات التي تعثرت ثم نهضت من جديد، ولا الدموع التي تحولت بإصرار أصحابها إلى ابتسامات فخر ونجاح. فالنتائج ليست محض صدفة، وإنما هي الابن الشرعي للاجتهاد والصبر والاستمرارية. إن الحلم هو الشرارة الأولى التي تُضيء دروب الطموح، لكنه لا يستطيع أن يسير وحده. فهو بحاجة إلى عقل يُخطط، وقلب يؤمن، ويد تعمل دون كلل. وما بين نقطة البداية وخط الوصول، يقف الاجتهاد شاهدًا على كل خطوة خطاها الإنسان نحو ما أراد أن يكونه. وقد يتأخر الحصاد، وتطول الطريق، وتأتي الأيام بما يُثقل الخطى ويُضعف العزيمة، لكن أصحاب الأحلام الحقيقية يدركون أن النجاح ليس سباقًا مع الزمن، بل رحلةٌ مع النفس. رحلة يتعلم فيها الإنسان أن كل تعثر درس، وأن كل تأخير قد يحمل في طياته حكمة لم ندركها بعد، وأن النتائج العظيمة تحتاج إلى وقت يليق بها. ولعل أجمل ما في الاجتهاد أنه لا يمنحنا النتائج فحسب، بل يصنع منا أشخاصًا أكثر قوة ونضجا وقدرة على مواجهة الحياة. فما نكسبه في الطريق لا يقل قيمة عما نصل إليه في نهايته. ختامًا، يبقى الحلم بداية الحكاية، وتبقى النتائج آخر سطورها، أما ما بينهما فهو واقع اسمه الاجتهاد؛ ذلك الرفيق الذي لا يخذل من أحسن السعي، ولا يُضيع تعب من أخلص العمل. فليكن لنا من أحلامنا نصيب، ومن اجتهادنا أوفر الحظ، ولنتذكر دائمًا أن ما نزرعه اليوم، سنحصد ثماره غدًا بإذن الله. فبين الحلم والنتائج، لا تُقاس المسافة بالأيام، بل بما بذلناه فيها من اجتهاد.
1461
| 30 يوليو 2026