رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد القديدي

د. أحمد القديدي

مساحة إعلانية

مقالات

132

د. أحمد القديدي

قائد استثنائي ورجل المواعيد مع التاريخ

16 يوليو 2026 , 11:19م

من خلال إقامتي الطويلة زمنيا والثرية فكريا في الدوحة لم أنس يوما قصيدة من الشعر النبطي الأصيل قالها مؤسس الدولة القطرية الناشئة بكونها "كعبة المضيوم" أي بلسان ذلك العهد "كعبة كل من يضام " أي يسلط عليه ظلم من حاكم أو من قبيلة ويستجير بقطر وحاكمها فلا يلقى سوى الأمان.

وللتذكير بتاريخ حكم أسرة آل ثاني الذي يبدأ في القرن الثامن عشر حين انتظم أمر القبائل القطرية بزعامة آل ثاني، واتخذت البلاد طريقها نحو الاستقرار، مرتبطة بعلاقات متزنة بمختلف الأطراف النافذة في المنطقة. فقد وقّع الشيخ محمد بن ثاني سنة 1868 اتفاقية مع السلطات البريطانية في الخليج تم فيها الاعتراف بسيادة قطر حتى وفاة الشيخ في 17 يوليو 1913 وكان يُقال قديماً إن قبيلة بني تميم هي "هامة مضر" فإن كان ذلك فسمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني -رحمه الله- هامة الأمة في النصف الثاني من القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، فقد كان نسيجا وحده، ركنا ركينا، وحصنا منيعا، ورأيا سديدا، ومثال من أبرز الأمثلة نذكر القضية المركزية للأمة الإسلامية (فلسطين) التي لم تعد قضية شعارات ولا مزايدات بل حراكا على الأرض بغير منّ أو أذى. لهذا كانت مواقف الأمير الوالد واضحة بغير حدة وناصعة بغير مزايدة وجادة بغير مصادمة. ولهذا السبب ترك الأمير الوالد في نفوس الفلسطينيين وفي تراب فلسطين نفسها أثرا خالدا لن تغيره الأيام وسيبقى مع الزيتون كأنه رجاء معلق حتى الوصول للأقصى... كما كتب أحد المحللين العرب على إثر وفاة تلك القامة الشامخة صباح الأحد 12 يوليو الجاري.

ولو بحثنا في جذور دور وساطة الخير والسلام الذي تؤديه قطر الى اليوم مع حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني لأدركنا أن سمو الأمير الوالد برع في تكريس دور قطر كوسيط ناجح فقطر منذ بداية عهد حكمه تتدخل وتطفئ فتيل العنف بغير ضجيج كأنما غرس سموه رحمه الله فلسفة وساطة الخير والسلام ونبذ العنف وأصبحت قطر حمامة سلام واثقة تدخلت على الصعيد العالمي من دارفور إلى لبنان مروراً بتشاد وجيبوتي وإريتريا والصومال واليمن ثم الكونغو ورواندا وبوروندي انتهاء بأفغانستان. ونجحت قطر في ذلك حيث أصبح لها ولأميرها حضور دولي ووزن عالمي بفضل قدرة قيادتها الفائقة على صياغة اتفاقات الوساطة القابلة للاستمرار. هذا سر نجاح قطر الذي أثبتت الأيام نجاحه واستمراره فانطلقت قطر لاستضافة عديد المؤتمرات والفعاليات وهو ما أدهش الجميع خاصة حين أقدم حضرة صاحب السمو الأمير الوالد رحمة الله عليه على تنظيم كأس العالم 2022 واغتنام فرصته الذهبية للتعريف بقيم الإسلام وروائع حضارته، حيث رسخ كأس العالم تميزا مدهشا يلخص رؤية قطر لنفسها ولموقعها العربي الإسلامي وتكريس عالمية هويتها المعتزة بإسلامها وبتمسكها بلحمتها الخليجية كوشائج قربى لا تنقطع. ثم تعاقبت مئات البطولات الأسيوية والإقليمية مما عرف العالم بقطر وأشعت السياحة وزار قطر ومعالمها ملايين السياح من جميع قارات الدنيا حيث أصبحت قطر قطبا سياحيا عالميا. وبالرؤية ذاتها انطلقت مشاريع تعليمية خلاقة ورائدة، فالمدينة التعليمية ومؤسساتها وعشرات الجامعات والمؤسسات العلمية ومراكز الأبحاث كلها اليوم تقيم في قطر وتعمل بجدية وتقدم المزيد، تستضيف وتعلم وتثقف وتخرج، والمحصلة خير شاركت فيه صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، كل هذه المحطات تمتد من قطر الى العالم، ويبقى الإنسان القطري هو الهدف الأمثل المرجو تطويره وتنميته وحسبك اليوم امتلاء شاشة الجزيرة بنجوم قطريين في مختلف المجالات من المحللين والمعلقين ذوي الإطلالة المحلية والرزانة العلمية. ولا ننسى أن بعث شبكة الجزيرة بكل قنواتها عرض قطر لعواصف مختلفة، لكن كما قيل كلما اتفق المختلفون على ذم الجزيرة، إلا كان ذلك مدحا لها، وإثباتا لحياديتها، وخلف كل ذلك.. كان الأمير الراحل يقف خلف هذا المشروع الإعلامي والحضاري بإيمان راسخ وإرادة صلبة لا تلين لأنه يدرك ما لم يدركه غيره من أبعاد ورسالات لشبكة الجزيرة وهي اليوم منارة لم يلتحق أحد لا بسمعتها ولا بعدد متابعيها العرب وغير العرب فأصبحت هي (السي إن إن) عربية التحليل إسلامية التوجهات فملأت الدنيا وشغلت الناس لأنها لا تنطق بلسان قطر لكنها وفرت مساحة للمسكوت عنه حيث استضافت الجميع وتقبلت الجميع إلا من هو متطرف، واستطاعت أن تكرس بصمة إعلامية وتجربة فريدة ومدرسة مختلفة شعارها (الرأي والرأي الآخر) ولم يبالغ أحد الكتاب العرب حين وصف صاحب السمو الأمير الوالد عليه رحمة الله بالتواضع ودماثة الخلق والشجاعة والهدوء والحلم والصبر والأناة والقدرة على التعامل مع الجميع بلا حواجز، وكلها خصال تعني بإيجاز أنك أمام قائد اعتقد أن القيادة في جوهرها وفي قيمها وغاياتها إنسانية أيضا وهكذا كان فقد شوهد كثيرا رحمة الله عليه متواجدا في الأماكن العامة، يحيي ويصافح ويسلم ويبتسم. ويتناول غداءه أو عشاءه في مطعم عادي بل أحيانا شعبي كأنه زبون من بين الزبائن لا يميزه شيء بل يضيف له شعبية يحبها هو ويحرص عليها. لن أنسى حدثا عشته كشاهد عيان يدل على رفعة همة الشيخ حمد وسمو أخلاقه السياسية: في مقر بلدية باريس التي حرصت على تكريمه وكنت من بين المدعوين فاجتهد رئيس البلدية وألقى كلمة نال فيها من شأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية قائلا إن إيران خطر على السلام العالمي لأنها تريد تصدير العنف الى جيرانها وهنا وقف الشيخ حمد وفاجأنا جميعا بارتجال كلمة حق حيث قال رحمه الله: "لا تنسوا أيها الغربيون أن إيران تنتخب رئيسها كل خمس سنوات في شفافية تحسدونها أنتم عليها بلا تلاعب إعلامي أو توجيه خفي للرأي العام". ووقفنا كلنا للتصفيق لموقف الشيخ حمد بمن فينا كل أعضاء السلك الدبلوماسي المدعوون وطاقم أعضاء المجلس البلدي الفرنسيين تقديرا من الجميع لذلك الموقف الشهم. ولعل من الوفاء للمواقف النبيلة أن تُراجِع الجمهورية الإسلامية الإيرانية سياستها تجاه دولة قطر، تلك الدولة الجارة التي لم تتردد في الدفاع عنها في كثير من المحطات، انطلاقًا من روابط الجوار ووحدة الدين والمصير الإسلامي. وكان الأولى أن تُقابَل تلك المواقف بالتقدير وحسن الجوار، لا بأن تُستهدف الأراضي القطرية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وهي أعمال لا تنسجم مع قيم الأخوة الإسلامية، ولا مع ما تقتضيه علاقات حسن الجوار والاحترام المتبادل بين الدول. وحين اصطففنا للسلام عليه وهو يغادر القاعة الكبرى التاريخية للبلدية ترافقه صاحبة السمو الشيخة موزا ومعهما صديقي بو محمد سعد الرميحي، خصني رحمة الله عليه بتحيته التي أعتز بها دائما وهي: "لسه شباب يا دكتور" رحمك الله وخلد ذكرك أيها الضارب مواعيدك مع التاريخ.

مساحة إعلانية