رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

إحسان الفقيه

إحسان الفقيه

مساحة إعلانية

مقالات

411

إحسان الفقيه

ذكرى الإسراء والمعراج.. حين تكلم المكان

18 يناير 2026 , 03:45ص

لم تكن رحلة الإسراء والمعراج مجرد حادثة مُعجزة تروى من أجل استثارة العجب، وإنما هي بيان إلهي يُتلى على الوجود، ودرس خالد في فلسفة المكان ومعنى الرسالة وسر اتصال الأرض بالسماء.

انطلاقًا من الإيمان بالقدرة الإلهية المطلقة وحقيقة أن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فإنه لو شاء لرفع نبيه صلى الله عليه وسلم من مكانه بمكة إلى السماوات العلا دون أن يعبر المسافات والجغرافيا أو يمر بالمسجد الأقصى، لكنها الحكمة الإلهية التي تصنع للشيء معنى وهداية.

إن هذه الأمة لا تُبنى بالمعجزات وحدها، بل بالمعاني التي تستقر في المكان وتُنقش بها الذاكرة، فتتحول إلى هوية لا تُمحى عبر الزمن.

بدأت هذه الرحلة من ذلك الموضع الذي وقف فيه الإنسان متجردًا بتوحيده الخالص لله رب العالمين، عندما وُضع للناس ذلك البيت العتيق الذي لم يكن حجارة تُقدس، وإنما معانٍ إيمانية تشربها القلوب، إذ الوجهة لله بالتوحيد الخالص الذي هو امتداد للفطرة التي فطر الله الناس عليها، فكأن هذا المكان ينطق دلالةً بأنه من لم يكن توحيد الله مبدأه فلا معراجَ له، ولا قبول به، إذ هو الحق الصراح الذي يفرض نفسه مهما تفرقت بالإنسان السُبل، ومهما طغت المادية في حياة البشر.

يصل النبي صلى الله عليه وسلم في رحلته إلى المسجد الأقصى، ليس لقربه أو بعده، وإنما لثقل معناه وعمقه التاريخي واتصاله بسلسلة النبوات.

ينطق هذا المكان دلالةً، بأنه اجتماع لتاريخ النبوة من أوله إلى آخره بساحة واحدة، كأن هذا المكان قد ابتعث في البشرية حقيقة راسخة غابت عن أكثر العقول، وهي الأصل الواحد للشرائع السماوية، أصل توحيد الله تعالى، فكلها في أصلها قد جاءت بالحق، ولا تُسأل عن إهمال أتباعها لها وعدم قيامهم بحقها وعدم حفاظهم عليها.

وإنها لحقيقة نزل فيها قرآن يتلى إلى قيام الساعة، حقيقة العقيدة التي لا تصلح إلا بالإيمان بهؤلاء الأطهار جميعًا (لا نفرق بين أحد من رسله).

وفي إمامة النبي محمد لإخوانه الأنبياء، إعلان لا يخطئه فهْم من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أن هذه الرسالة التي جاء بها خاتم الأنبياء قد جاءت لتصل لا لتقطع، جاءت لتتم لا لتلغي، جاءت لتصحح لا لتستأصِل.

ينطق ذلك المكان دلالةً، بأن هذه الريادة لتلك البقعة، قد صارت في عهدةِ هذا النبي الخاتم ومن سار على دربه، ليس عن اختيار بشري، وإنما عن كلمة عليا لمن له الخلق والأمر.

المكان في فلسفة الإسلام ليس مجرد بقعة جغرافية، وليس فراغًا يُملأ بالأحداث التي يذهب ذكرها أدراج الرياح، إنما ذاكرة يطالعها المؤمن جيلًا بعد جيل، ولو كان المكان بلا وزن في ميزان الإيمان لما ارتبطت الصلاة بقبلة.

 لم تكن الرحلة من المسجد الحرام إلى الأقصى تفصيلًا عارضًا، بل كانت جوهرًا ومعنى متغلغلًا، فمن أسقط الأقصى من حساباته فقد أساء قراءة سورة الإسراء وإن حفظها عن ظهر قلب.

تأتي هذه الذكرى العطرة كل عام كناقوس ينعش الذاكرة الإيمانية، ويسعف قضية القدس في ضمير الأمة، تلك البقعة التي يراد لها أن تختزل في نشرة أخبار، أو تحبس في توصيف سياسي بارد، تأكيدًا على حقيقة أن الأقصى قد دخل وعينا من باب السماء لا من باب التاريخ.

القدس ليست مجرد أرض، بل معنى مقيم، ليست مسألة حدود، بل قضية هوية، ومن توهم أن الدفاع عنها شأن ظرفي أو قومي، فقد جردها من قدسيتها.

ربما لو عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى السماء مباشرة لبقيت القدس على هامش الوعي، ولما صارت عقيدة، لكن أبى الله إلا أن يكون المرور بهذه الأرض لتصبح مسؤولية لا تنفصل عن الهوية.

كذا نطقت السماء دلالةً، بأن الالتجاء إليها ليس هروبًا وبعدًا عن الواقع، وإنما التماس للزاد من أجل العودة لإصلاح الأرض، لم يقض النبي بقية عمره في رحاب سدرة المنتهى، إنما عاد إلى الأرض بهم جديد وعزم جديد ويقين جديد، وتلك إشارة لبيان حقيقة هذا الدين، ليس دينا انسحابيًا يترك الأرض للفساد والمفسدين، وإنما هو دين إعمار للأرض بالحق وللحق.

مساحة إعلانية