رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقد من الله على بلادنا العزيزة بقيادات حكيمة فذة جمعت بين السياسة والعلم، وتمتعت ببصيرة ثاقبة حين رفعت شعار العلم والتعليم، وهيأت سبل طلب العلم لأبناء الوطن، حتى أمسى بفضل الله من أرقى البلدان العربية تقدما ورقيا في معارج العلم والتعليم والتدريب والخبرات، واكتسب بنوه الأوفياء معارف رفيعة سمت بهم إلى مصاف الدول المتقدمة في إدارة ملفات التعليم؛ والدخول إلى مضامير التعليم الحديث الذي يطوع وسائل التقانة الحديثة في صناعة الإنسان القطري القادر على خوض معترك الحياة بموفور قوة وشجاعة وثقة كبيرة واعتداد حقيقي بالنفس.
ولعله لا يخفى على القراء الأعزاء أن ما تجنيه دولة قطر اليوم من ثمرات التطور العلمي المطرد على مختلف الصعد، ما هو إلا نتيجة طيبة لجهود حكام البلاد وشيوخها في تشجيع العلم ودفع عجلته، منذ عهد الشيخ جاسم بن محمد، وصولا إلى عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، الذي حمل تراث أجداده في دعم العلم وتعزيزه أدواره في الحياة العامة، حتى أمست قطر قبلة العلماء والأدباء والمفكرين والدعاة والمثقفين والمبرزين والمبدعين الذين وجدوا أنفسهم في بيئة صالحة تحفز الإنسان وتدعوه إلى العطاء الموصول دون حدود.
وعودا إلى عهد الشيخ الهمام جاسم بن محمد آل ثاني، مؤسس دولة قطر الحديثة، نجد هذه الشخصية قد تعددت مواهبها، وتنوعت فنونها، فهو أمير البلاد ومؤسس كيانها، وهو الفارس الشديد الشكيمة، وبطل الحرب والسلام، وهو الاقتصادي الذي تربع على عرش تجارة اللؤلؤ في المنطقة آنذاك، وهو راعي العلم والعلماء، وحامي ذمار العقيدة الصحيحة في شرقي الجزيرة العربية، وهو شاعر فحل انقادت له أرسان القصيد، وطبع ديوانه الشعبي في الهند في حياته، وهو خطيب الوطن وقاضيه وإمامه، العارف بتاريخه المجيد وأنساب أهله الكرماء ومآثرهم الحسان، كما نقل لنا معاصروه من المؤرخين الثقات.
ولعلنا لا نستطيع في هذه المقالة أن نسجل بمداد من النور سائر القسمات البارزة لصورة المؤسس- جاده الغيث إذا الغيث همى- العلمية، فمثل هذا يستحق بحثا طويلا، وحفرا عميقا، ولكن حسب القارئ أن يقف على بعض الحقائق الناصعة التي رسمت وجها علميا وضاء لهذا البطل القطري العظيم؛ فقد كان الشيخ جاسم متحليا بصفات العلم، كثير القراءة، دأب المطالعة في الأسفار الدينية والأدبية والتاريخية، وقد ورث هذه الصفات عن والده الشيخ محمد بن ثاني الذي وصفه الرحالة الإنجليزي (بلجريف) بأنه كان «دائب المطالعة والنظر في الكتب».
وقد تهيأ للشيخ جاسم أن ينال قسطا جيدا من العلوم على يد بعض المشايخ الذين كانوا يتوافدون إلى مجلس والده، ومن بينهم الشيخ ناصر بن سليمان آل سيف، وكان اعتناؤه بالعلوم الشرعية والأدبية والتاريخية خاصة، فقد درس فقه المالكية، ثم الحنابلة، واتسم بالفصاحة العالية، والميل إلى قرض الشعر وحفظه لاسيما الشعر القديم، وكان يؤم الناس في الصلوات، ويصلي بهم صلاة التراويح والقيام، ويلقي خطبة الجمعة.
وبسبب المخاض العسير الذي كانت تعيشه البلاد آنذاك، وسوء أوضاع التعليم، استطاع أن يعوض ذلك بالطلب الذاتي، حتى استطاع أن يثقف نفسه ثقافة عالية في الدين والآداب والأخلاق والسياسة والاجتماع والتاريخ، كما يتراءى ذلك واضحا من ديوانه الشعري الذي ينبض بثقافة الشيخ المؤسس الرفيعة. وقد وصفه الرحالة (بلجريف) بأنه «أعلم جماعته»، وهي شهادة ثمينة تتعانق مع الوجه العلمي الفريد للمؤسس.
كان رحمه الله مولعا بالكتاب، حريصا على القراءة والمطالعة، معظما للعلم وأهله، ومن شواهد ذلك حرصه الشديد على استقدام ثلة من علماء نجد والبحرين والأحساء وغيرها من الحواضر إلى بلده؛ لنشر العلم، وتعليم الناس، وإرشادهم إلى دروب الخيرات وقناطر الطاعات، ومن أهم الأسماء الكبيرة التي استدعاها المؤسس إلى وطنه: الشيخ الأحسائي عيسى بن عبد الله بن عكاس، والشيخ النجدي محمد بن عبداللطيف آل الشيخ وغيرهما.
وقد بنى الشيخ جاسم علاقات وثيقة مع طائفة كبيرة من العلماء والأدباء في عصره في أكثر البلاد العربية، كالشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ، والشيخ محمود شكري الآلوسي، والشيخ سليمان بنسحمان، وغيرهم. وكانت الرسائل الإخوانية الودادية متواترة بينه وبينهم، مما يوحي بمنزلته العلمية، وعلاقاته المتينة بالشخصيات العلمية والأدبية الكبيرة.
وفضلا عن الأعطيات والمنح التي كانت تصل إلى المشايخ وطلاب العلم الدارسين في حلقاتهم، عمد الشيخ جاسم بن محمد إلى تخصيص عدد كبير من أملاكه وقفا مؤبدا على العلم وأهله وطلابه، ويعد المؤسس- من هذا الجانب- من أكبر المحسنين الواقفين لوجه الله تعالى في زمانه، بشهادة كثير من الباحثين المطلعين على وثائق الأوقاف، فمن ذلك- مثلا لا حصرا- أنه وقف مزرعة نخيل له كبيرة على الطلاب الدارسين على الشيخ عبد الله بن دخيل في بلدة المذنب، كما أخبرنا بذلك شيخنا العلامة عبدالرحمن بن سليمان الشمسان، حفظه الله، في أثناء قراءتنا عليه في مدينة بريدة.
ومن جملة أوقافه الزاهية الباقية تلك المساجد الكثيرة التي خطها داخل قطر وخارجها، وكانت منارات علم وإشعاع تنويري وإصلاحي في المنطقة كلها. ومن أشهرها: مسجد القبيب في قلب مدينة الدوحة، ومسجد الوسيل، ومسجد البدع، ومسجد الحويلة، ومسجد في المحرق بالبحرين، وآخر في حوطة بني تميم وغيرها. وما تزال أوقافة السنية جارية إلى اليوم في الرياض والدرعية وحريملاء وحوطة بني تميم وشقراء والمذنب والقصيم والأحساء والبحرين وغيرها من البلدان. وقد وضع الأستاذ الكبير راشد بن محمد بن عساكر دراسة مهمة- منشورة- تحدثت عن أوقاف الشيخ المؤسس في بلد نجد خاصة، ذكر فيها أن بلاد نجد وبلاد العرب لم تعرف أوقافا أكثر من أوقاف الشيخ جاسم، فانظر رعاك الله.
وحسبك أن تعرف أنه لما احترق مسجد الحنابلة بالمحرق، كلف الشيخ جاسم إعادة بنائه بالجص والطين، ثم أرسل إلى البحرين الشيخ القطري الحنبلي خلف بن راشد آل فخرو؛ ليكون إماما لذلك المسجد.
ولم يكتف الشيخ الجليل بدعوة العلماء الأجلاء إلى دياره حتى أوفد طلائع الطلاب القطريين للدراسة على علامة نجد- آنذاك- الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ. وكان أبرز المبعثين على نفقة الحاكم المحب للعلم الشيخان القطريان: عبد الرحمن بن عبد الله الدرهم، ومحمد بن حسن المرزوقي. وبدعم وتشجيع المؤسس كثر العلماء والأدباء من أهل قطر، وانتشروا في شمالها وجنوبها، فضلا عن مدينة الدوحة، ومن أبرز هؤلاء العلماء: الشيخ عبد الله بن أحمد الدرهم قاضي البلاد آنذاك، وابنه الفقيه الأديب صاحب التآليف المبهجة الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله الدرهم والشيخ محمد بن جابر آل جابر والشيخ محمد بن عبدالرحمن بن حمدان وكانوا جميعا في الدوحة والشيخ أحمد بن حمد الرجباني الدوسري والشيخ يعقوب بن يوسف آل إبراهيم التميمي في الوكرة، والشيخ عبدالوهاب بن الشيخ شاهين في الخور والشيخ إبراهيم بن عبد الله الساعدي الأنصاري في الخور، والشيخ محمد بن حسن المرزوقي في الوسيل، وكان جليس المؤسس ونديمه، والسيد خليفة بن محمد السادة في الرويس.
ومن المثل الحية على الوجه العلمي البارز للشيخ المؤسس احتفاؤه الخاص بطباعة الكتب الإسلامية القيمة من حر ماله، وتوزيعها في سبيل الله على طلاب العلم وأهله في البحرين والأحساء ونجد والحجاز والعراق والشام ومصر والهند وغيرها، حتى إنه كان يشتري سفينة محملة بالكتب، ويأمر بتوزيعها في سبيل الله. ومن أبرز ما طبعه الشيخ على نفقته الخاصة- في بلاد الهند- ووزعه على أهل العلم في الجزيرة والخليج والعراق والشام ومصر كتاب «فتح المنان» للشيخ محمود شكري الآلوسي، وكتاب «الدين الخالص» لصديق خان.
ونقل الشيخ محمد نصيف أن الشيخ جاسم اشترى أربعين صندوقا مملوءة كتبا من أحد العلماء الهنود بمبلغ أربعين ألف روبية، وهو مبلغ كبير آنذاك، ووجه إلى توزيعها في سبيل الله. ومن الجدير أن نذكر للقارئ أن الشيخ الجليل اتخذ وكلاء له في عدد من البلدان، كان من مهامهم توزيع الكتب التي وقفها على طلاب العلم في تلك البلدان.
وكان من أجنى ثمرات هذه الوجهة العلمية للشيخ المؤسس أن ترسم أبناؤه وأحفاده- حكام قطر وشيوخها- على مدى قرن ونصف هذا السنن العلمي المبهج، ويتلامح هذا المسلك الحميد في إقبالهم على تحصيل العلوم النافعة، ونشر الدعوة في ربوع قطر والعالم كله، وتأسيس المدارس والمعاهد والجامعات ومراكز العلم وأندية الثقافة، وبناء المكتبات العامة، ووقف مئات الكتب النفيسة في سبيل الله، مع اعتناء خاص بطباعة المصحف الشريف وتوزيعه في الخافقين، وتنظيم مسابقات حفظه، فضلا عن رعايتهم لحلقات العلم وأندية الأدب ومراكز الثقافة والإبداع، حتى حق لقطر أن تفخر بمنجزاتها العلمية والأدبية والثقافية التي تحققت بفضل العزائم القطرية للرعيل المستنير وخلفهم المستبصر.
إن المقولة الذهبية لسمو أمير البلاد المفدى «بكم تعلو، ومنكم تنتظر» التي اتخذت شعارا ساميا لليوم الوطني لهذا العام، هي خير ما يترجم عن دور الخلف القطري في متابعة مسيرة الأجداد في البناء والإعمار والتطوير والنماء، وتحقيق الرفعة القطرية، وبنعمة الله تتم الصالحات.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أستاذ العقيدة ورئيس اللجنة العلمية بقسم العقيدة في كلية الشريعة - جامعة قطر
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3720
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1125
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
753
| 27 أبريل 2026