رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبدالعزيز بن عبدالله بن عبدالرحمن آل ثاني

أستاذ العقيدة ورئيس اللجنة العلمية بقسم العقيدة في كلية الشريعة - جامعة قطر

مساحة إعلانية

مقالات

732

عبدالعزيز بن عبدالله بن عبدالرحمن آل ثاني

قطر رفعت شعار العلم فبلغت به مصاف الدول المتقدمة

18 ديسمبر 2025 , 03:39ص

‎لقد من الله على بلادنا العزيزة بقيادات حكيمة فذة جمعت بين السياسة والعلم، وتمتعت ببصيرة ثاقبة حين رفعت شعار العلم والتعليم، وهيأت سبل طلب العلم لأبناء الوطن، حتى أمسى بفضل الله من أرقى البلدان العربية تقدما ورقيا في معارج العلم والتعليم والتدريب والخبرات، واكتسب بنوه الأوفياء معارف رفيعة سمت بهم إلى مصاف الدول المتقدمة في إدارة ملفات التعليم؛ والدخول إلى مضامير التعليم الحديث الذي يطوع وسائل التقانة الحديثة في صناعة الإنسان القطري القادر على خوض معترك الحياة بموفور قوة وشجاعة وثقة كبيرة واعتداد حقيقي بالنفس.

ولعله لا يخفى على القراء الأعزاء أن ما تجنيه دولة قطر اليوم من ثمرات التطور العلمي المطرد على مختلف الصعد، ما هو إلا نتيجة طيبة لجهود حكام البلاد وشيوخها في تشجيع العلم ودفع عجلته، منذ عهد الشيخ جاسم بن محمد، وصولا إلى عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، الذي حمل تراث أجداده في دعم العلم وتعزيزه أدواره في الحياة العامة، حتى أمست قطر قبلة العلماء والأدباء والمفكرين والدعاة والمثقفين والمبرزين والمبدعين الذين وجدوا أنفسهم في بيئة صالحة تحفز الإنسان وتدعوه إلى العطاء الموصول دون حدود. 

وعودا إلى عهد الشيخ الهمام جاسم بن محمد آل ثاني، مؤسس دولة قطر الحديثة، نجد هذه الشخصية قد تعددت مواهبها، وتنوعت فنونها، فهو أمير البلاد ومؤسس كيانها، وهو الفارس الشديد الشكيمة، وبطل الحرب والسلام، وهو الاقتصادي الذي تربع على عرش تجارة اللؤلؤ في المنطقة آنذاك، وهو راعي العلم والعلماء، وحامي ذمار العقيدة الصحيحة في شرقي الجزيرة العربية، وهو شاعر فحل انقادت له أرسان القصيد، وطبع ديوانه الشعبي في الهند في حياته، وهو خطيب الوطن وقاضيه وإمامه، العارف بتاريخه المجيد وأنساب أهله الكرماء ومآثرهم الحسان، كما نقل لنا معاصروه من المؤرخين الثقات.

ولعلنا لا نستطيع في هذه المقالة أن نسجل بمداد من النور سائر القسمات البارزة لصورة المؤسس- جاده الغيث إذا الغيث همى- العلمية، فمثل هذا يستحق بحثا طويلا، وحفرا عميقا، ولكن حسب القارئ أن يقف على بعض الحقائق الناصعة التي رسمت وجها علميا وضاء لهذا البطل القطري العظيم؛ فقد كان الشيخ جاسم متحليا بصفات العلم، كثير القراءة، دأب المطالعة في الأسفار الدينية والأدبية والتاريخية، وقد ورث هذه الصفات عن والده الشيخ محمد بن ثاني الذي وصفه الرحالة الإنجليزي (بلجريف) بأنه كان «دائب المطالعة والنظر في الكتب».

وقد تهيأ للشيخ جاسم أن ينال قسطا جيدا من العلوم على يد بعض المشايخ الذين كانوا يتوافدون إلى مجلس والده، ومن بينهم الشيخ ناصر بن سليمان آل سيف، وكان اعتناؤه بالعلوم الشرعية والأدبية والتاريخية خاصة، فقد درس فقه المالكية، ثم الحنابلة، واتسم بالفصاحة العالية، والميل إلى قرض الشعر وحفظه لاسيما الشعر القديم، وكان يؤم الناس في الصلوات، ويصلي بهم صلاة التراويح والقيام، ويلقي خطبة الجمعة.

وبسبب المخاض العسير الذي كانت تعيشه البلاد آنذاك، وسوء أوضاع التعليم، استطاع أن يعوض ذلك بالطلب الذاتي، حتى استطاع أن يثقف نفسه ثقافة عالية في الدين والآداب والأخلاق والسياسة والاجتماع والتاريخ، كما يتراءى ذلك واضحا من ديوانه الشعري الذي ينبض بثقافة الشيخ المؤسس الرفيعة. وقد وصفه الرحالة (بلجريف) بأنه «أعلم جماعته»، وهي شهادة ثمينة تتعانق مع الوجه العلمي الفريد للمؤسس.

كان رحمه الله مولعا بالكتاب، حريصا على القراءة والمطالعة، معظما للعلم وأهله، ومن شواهد ذلك حرصه الشديد على استقدام ثلة من علماء نجد والبحرين والأحساء وغيرها من الحواضر إلى بلده؛ لنشر العلم، وتعليم الناس، وإرشادهم إلى دروب الخيرات وقناطر الطاعات، ومن أهم الأسماء الكبيرة التي استدعاها المؤسس إلى وطنه:  الشيخ الأحسائي عيسى بن عبد الله بن عكاس، والشيخ النجدي محمد بن عبداللطيف آل الشيخ وغيرهما. 

وقد بنى الشيخ جاسم علاقات وثيقة مع طائفة كبيرة من العلماء والأدباء في عصره في أكثر البلاد العربية، كالشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ، والشيخ محمود شكري الآلوسي، والشيخ سليمان بنسحمان، وغيرهم. وكانت الرسائل الإخوانية الودادية متواترة بينه وبينهم، مما يوحي بمنزلته العلمية، وعلاقاته المتينة بالشخصيات العلمية والأدبية الكبيرة.

وفضلا عن الأعطيات والمنح التي كانت تصل إلى المشايخ وطلاب العلم الدارسين في حلقاتهم، عمد الشيخ جاسم بن محمد إلى تخصيص عدد كبير من أملاكه وقفا مؤبدا على العلم وأهله وطلابه، ويعد المؤسس- من هذا الجانب- من أكبر المحسنين الواقفين لوجه الله تعالى في زمانه، بشهادة كثير من الباحثين المطلعين على وثائق الأوقاف، فمن ذلك- مثلا لا حصرا- أنه وقف مزرعة نخيل له كبيرة على الطلاب الدارسين على الشيخ عبد الله بن دخيل في بلدة المذنب، كما أخبرنا بذلك شيخنا العلامة عبدالرحمن بن سليمان الشمسان، حفظه الله، في أثناء قراءتنا عليه في مدينة بريدة.

 ومن جملة أوقافه الزاهية الباقية تلك المساجد الكثيرة التي خطها داخل قطر وخارجها، وكانت منارات علم وإشعاع تنويري وإصلاحي في المنطقة كلها. ومن أشهرها: مسجد القبيب في قلب مدينة الدوحة، ومسجد الوسيل، ومسجد البدع، ومسجد الحويلة، ومسجد في المحرق بالبحرين، وآخر في حوطة بني تميم وغيرها. وما تزال أوقافة السنية جارية إلى اليوم في الرياض والدرعية وحريملاء وحوطة بني تميم وشقراء والمذنب والقصيم والأحساء والبحرين وغيرها من البلدان. وقد وضع الأستاذ الكبير راشد بن محمد بن عساكر دراسة مهمة- منشورة- تحدثت عن أوقاف الشيخ المؤسس في بلد نجد خاصة، ذكر فيها أن بلاد نجد وبلاد العرب لم تعرف أوقافا أكثر من أوقاف الشيخ جاسم، فانظر رعاك الله.

وحسبك أن تعرف أنه لما احترق مسجد الحنابلة بالمحرق، كلف الشيخ جاسم إعادة بنائه بالجص والطين، ثم أرسل إلى البحرين الشيخ القطري الحنبلي خلف بن راشد آل فخرو؛ ليكون إماما لذلك المسجد. 

ولم يكتف الشيخ الجليل بدعوة العلماء الأجلاء إلى دياره حتى أوفد طلائع الطلاب القطريين للدراسة على علامة نجد- آنذاك- الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ. وكان أبرز المبعثين على نفقة الحاكم المحب للعلم الشيخان القطريان: عبد الرحمن بن عبد الله الدرهم، ومحمد بن حسن المرزوقي. وبدعم وتشجيع المؤسس كثر العلماء والأدباء من أهل قطر، وانتشروا في شمالها وجنوبها، فضلا عن مدينة الدوحة، ومن أبرز هؤلاء العلماء: الشيخ عبد الله بن أحمد الدرهم قاضي البلاد آنذاك، وابنه الفقيه الأديب صاحب التآليف المبهجة الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله الدرهم والشيخ محمد بن جابر آل جابر والشيخ محمد بن عبدالرحمن بن حمدان وكانوا جميعا في الدوحة والشيخ أحمد بن حمد الرجباني الدوسري والشيخ يعقوب بن يوسف آل إبراهيم التميمي في الوكرة، والشيخ عبدالوهاب بن الشيخ شاهين في الخور والشيخ إبراهيم بن عبد الله الساعدي الأنصاري في الخور، والشيخ محمد بن حسن المرزوقي في الوسيل، وكان جليس المؤسس ونديمه، والسيد خليفة بن محمد السادة في الرويس.

ومن المثل الحية على الوجه العلمي البارز للشيخ المؤسس احتفاؤه الخاص بطباعة الكتب الإسلامية القيمة من حر ماله، وتوزيعها في سبيل الله على طلاب العلم وأهله في البحرين والأحساء ونجد والحجاز والعراق والشام ومصر والهند وغيرها، حتى إنه كان يشتري سفينة محملة بالكتب، ويأمر بتوزيعها في سبيل الله. ومن أبرز ما طبعه الشيخ على نفقته الخاصة- في بلاد الهند- ووزعه على أهل العلم في الجزيرة والخليج والعراق والشام ومصر كتاب «فتح المنان» للشيخ محمود شكري الآلوسي، وكتاب «الدين الخالص» لصديق خان.

ونقل الشيخ محمد نصيف أن الشيخ جاسم اشترى أربعين صندوقا مملوءة كتبا من أحد العلماء الهنود بمبلغ أربعين ألف روبية، وهو مبلغ كبير آنذاك، ووجه إلى توزيعها في سبيل الله. ومن الجدير أن نذكر للقارئ أن الشيخ الجليل اتخذ وكلاء له في عدد من البلدان، كان من مهامهم توزيع الكتب التي وقفها على طلاب العلم في تلك البلدان.

وكان من أجنى ثمرات هذه الوجهة العلمية للشيخ المؤسس أن ترسم أبناؤه وأحفاده- حكام قطر وشيوخها- على مدى قرن ونصف هذا السنن العلمي المبهج، ويتلامح هذا المسلك الحميد في إقبالهم على تحصيل العلوم النافعة، ونشر الدعوة في ربوع قطر والعالم كله، وتأسيس المدارس والمعاهد والجامعات ومراكز العلم وأندية الثقافة، وبناء المكتبات العامة، ووقف مئات الكتب النفيسة في سبيل الله، مع اعتناء خاص بطباعة المصحف الشريف وتوزيعه في الخافقين، وتنظيم مسابقات حفظه، فضلا عن رعايتهم لحلقات العلم وأندية الأدب ومراكز الثقافة والإبداع، حتى حق لقطر أن تفخر بمنجزاتها العلمية والأدبية والثقافية التي تحققت بفضل العزائم القطرية للرعيل المستنير وخلفهم المستبصر.

إن المقولة الذهبية لسمو أمير البلاد المفدى «بكم تعلو، ومنكم تنتظر» التي اتخذت شعارا ساميا لليوم الوطني لهذا العام، هي خير ما يترجم عن دور الخلف القطري في متابعة مسيرة الأجداد في البناء والإعمار والتطوير والنماء، وتحقيق الرفعة القطرية، وبنعمة الله تتم الصالحات.

 

مساحة إعلانية