رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

411

د. موزا محمد الكواري

معركة صناعة السرديات

30 أبريل 2026 , 11:13م

لم يعد الحدث في ذاته هو ما يشكّل الوعي العام، بل الطريقة التي يُعاد بها تقديمه وتداوله. ففي زمن تتسارع فيه الوقائع، تتقدم السرديات بخطوة، لتصبح الفاعل الأكثر تأثيرًا في تشكيل الإدراك، وتوجيه المواقف، وإعادة رسم ملامح المشهد.

لم تعد السردية مجرد انعكاسٍ للواقع، بل أصبحت أداة من أدوات النفوذ. تُبنى بعناية، وتُضخ عبر قنوات متعددة، وتُعزَّز بخوارزميات مصممة لتوسيع انتشارها، حتى تتحول من رواية محتملة إلى “حقيقة” راسخة في أذهان المتلقين. وهنا، لا تكون المعركة على الأرض وحدها، بل في الفضاء الرقمي حيث تُدار معارك موازية لا تقل تأثيرًا.

في هذا السياق، تلعب المنصات الرقمية دورًا يتجاوز كونها وسائط نقل، لتصبح بيئات حاضنة لصناعة السرديات. فخوارزميات التوصية لا تكتفي بعرض المحتوى، بل تعيد ترتيب أولويات المشاهدة، وتمنح الأفضلية لما يحقق التفاعل، لا لما يعكس الدقة. ومع هذا الخلل البنيوي، تتضخم بعض الروايات على حساب أخرى، ويُعاد تشكيل الحدث وفقًا لما تفرضه ديناميكيات الانتشار، لا معايير الحقيقة.

الأمر لا يتوقف عند حدود التضليل أو التحيّز، بل يتجاوز ذلك إلى محاولات ممنهجة لإعادة توجيه العلاقات بين الدول، وبناء تصورات ذهنية قد لا تستند إلى الواقع بقدر ما تستند إلى سرديات مصممة بعناية. وهنا تظهر ملامح ما يمكن تسميته بـ ”حروب السرديات الرقمية”، حيث تُستخدم المعلومات – أو ما يشبهها – كأداة تأثير ناعم، قد يسبق في نتائجه أدوات السياسة التقليدية.

وإذا كانت الهدن تُعلن في الميدان، فإنها نادرًا ما تمتد إلى الفضاء الرقمي. فالسرديات تظل نشطة، تعيد إنتاج ذاتها، وتبحث عن زوايا جديدة للانتشار، حتى في أكثر اللحظات هدوءًا. وهذا ما يجعل إدارة الصورة الذهنية للدول تحديًا مستمرًا، لا يرتبط بزمن الأزمة فقط، بل يمتد إلى ما بعدها.

إن التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى المعلومة، بل في القدرة على تفكيك السرديات المحيطة بها. فالمتلقي اليوم لا يواجه نقصًا في المحتوى، بل فائضًا منه، محمّلًا بتفسيرات جاهزة، وسياقات مُعدة مسبقًا. ومن هنا، تصبح الحاجة ملحة لتعزيز الوعي النقدي، وبناء خطاب إعلامي قادر على المنافسة، لا الاكتفاء برد الفعل.

في النهاية، قد لا يكون بالإمكان إيقاف تدفق السرديات، لكن بالإمكان إعادة التوازن. فبين حدثٍ يقع، وسرديةٍ تُروى، تبقى الحقيقة في حاجة دائمة لمن يحسن قراءتها… لا فقط من يجيد روايتها.

 

مساحة إعلانية