رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

رمضان فريد

- كاتب وأكاديمي في أكاديمية المها للبنين

مساحة إعلانية

مقالات

855

رمضان فريد

الخيال هدية الصّحراء للعربيّ

21 نوفمبر 2025 , 02:23ص

حينما تنطلق من هذا الجسد لتحلّق في عالم الخيال لا يكون هذا إلا هروبا من واقع أقل ما يمكن أن يقال عنه إنّه مزعج، وهذا الواقع المزعج يعيشه الجميع ولا أتصور أنّ أحدًا لا يحصل على جرعة من مرارته بشكل منتظم في يومه؛ لأنّ أوجاع الواقع لم تعد تقتصر على الفقراء الكادحين بل هي عند الأثرياء المتخمين أكثر حضورًا ولا على البسطاء من عامّة النّاس وحدهم وإنما هي عند الملوك والزّعماء أشد وطأة بحكم مسؤوليّاتهم والتّحدّيات المتجدّدة، كلّنا في الهمّ شرق، ولكن سؤالي، هل هذا يعيب الشّخصيّة العربيّة؟ أم هي ميزة يُحسد عليها؟

أتصوّر أنّها ميزة للعربيّ، لا ينازعه فيها أحد بحكم الصّحراء التي احتوته قرونًا وفرضت عليه الأفق الواسع والخيال المستمر؛ لذلك كانت الثّقافة العربيّة هي الأكثر مصدرًا للرّوحانيّة والدفء والعمق والحكمة دون سائر الثّقافات، وكما كان نبيّنا محمد - صلى الله عليه وسلّم - يأوي إلى الغار للتّأمل فنحن العرب نلجأ إلى الخيال طلبا للرّاحة وهروبًا من الوجع، ومنّا من يعود من عالم الخيال بفكرة ناجحة كأنّها وحي من السّماء فيفتح بها أبوابه المغلقة، ومنّا من يعود إلى الخيال مرات أخرى لعلّه يجد عصا موسى ليغرق فراعين عصره والمتنمرين حوله وينجو مع قومه الصّالحين من شرّ عالم تحوّل إلى ثُكنة عسكريّة أو إلى سفينة محطّمة ركّابها يبحثون عن النّجاة من أهوال المصير.

هذا الخيال الّذي صوّره الأدباء في رواياتهم على أنّه فتوّة الغلابة، لم يعد ملاذًا للغلابة وحدهم بل صار فتوّة للجميع ونحن نطلبه أكثر من الدّلفيري بشكل يومي، فالمعلّم يطلبه ليستنهض فيه تلاميذه ويحرّرهم من الإهمال والكسل والضّابط يطلبه ليستردّ وطنه ممن سلبوه، والحاكم يطلبه ليُسعد شعبه ويملأه طمأنينة، والأمّ تطلبه ليصير أبناؤها في أحسن حال، وليس هذا عجزًا نلام عليه بقدر ما هو استعداد فطري للشّخصية العربيّة ويتناسب مع بيئتها، فهي لا تقبل الانكسار حتى وإن بدت صامتةً طوال الوقت فغالبا ما تكون في رحلة البحث عن علاج.

إذن، علينا أن نمجّد الخيال الّذي كان وراء أجمل القصائد وأحدث الاختراعات وأروع الرّوايات وأعذب الألحان، فكلّ هذه الإبداعات عاشت في خيال أصحابها قبل أن تهبط إلى واقعنا، ويكفي أنّه يمنحنا وقتًا للرّاحة والاستجمام لبعض الوقت، ولنا في الخيال حياة.

 

مساحة إعلانية