رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أبرز مصائب العام الإداري الذي نودعه نجد تهديد الإنسانية بحرب عالمية ثالثة وهو التخوف الذي أصبح حديث الناس العاديين والمسؤولين الكبار وخبراء استشراف المستقبل ولم يعد هذا الموضوع يقال همسا أو بمنطق السخرية أو كأغلب المسلمين بتقبل المؤمن لقضاء الله وقدره مرددين الآية الكريمة: «قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون» (سورة التوبة) وهذه الحقيقة تحولت يقينا عندما نكون شهودا رغما عنا على حرب أوكرانيا تهز قلب أوروبا وهي «القارة العجوز» التي ظلت في مأمن من الحروب طيلة ثمانين عاما كأنما استخلص أهلها الحكمة من عبث الحروب وفوضى مقتل الملايين بلا سبب وبلا هزيمة أو نصر. والقتال بين أوكرانيا وروسيا الذي يدخل عامه الخامس هو الدليل القاطع الساطع لأنموذج الحرب العبثية كما قال حكماء غربيون بسبب محدودية معرفة رئيس أوكرانيا (وهو في الأصل فنان كوميدي ذاعت شهرته في البرامج الترفيهية للتلفزيون الأوكراني) تقدم للانتخابات الرئاسية وفاز حيث تفاجأ الجميع بفوزه وكان هو نفسه أول المتفاجئين ورغم أن عهدته الرئاسية تنتهي دستوريا سنة 2024 لكن تفاقم الأوضاع وبالنظر الى الأخطار المهددة لشعبه فإنه تشبث بالسلطة ووعد العالم بأن لقاءه مع الرئيس (ترامب) سيحدد مصيره ومصير أوكرانيا لكنه أراد إلحاق بلاده بالاتحاد الأوروبي والظفر بعضوية حلف الناتو وهو يعلم حق العلم أن الرئيس (بوتين) لن يسمح أبدا بأن تنقلب أوكرانيا فجأة من دولة روسية تعتبر قلب روسيا حسب عقيدة (ستالين) الى دولة غربية عدوة تنتصب فيها صواريخ الناتو العدو على حدودها لتهدد سلامة وأمن اتحاد الجمهوريات الروسية! ثم إن تغيير طبيعة العلاقات الدولية جعلت من الزعيمين (ترامب) و(بوتين) حليفين قررا إنهاء الحرب الأوكرانية الروسية كما يريدان وبما يتناسب مع مصالحهما دون أي اعتبار لدول الاتحاد الأوروبي بل إن جميع اللقاءات الثنائية بين الرجلين تمت دون حضور الأوروبيين بينما ينشط الرئيس الفرنسي (ماكرون) في إقناع رؤساء دول الاتحاد بضرورة الدفاع عن أوكرانيا بل بحتمية تسليحها فاستجاب له أغلب القادة ورصدوا 90 مليار يورو لتمويل المجهود الأوكراني «لتحرير بلاده من المعتدي الروسي!!!» وأتذكر أنا حكماء الغرب الذين بلغ سنهم قرنا كاملا مثل (ناحوم شومسكي) عالم اللسانيات الشهير و(هنري كيسنجر) ثعلب الدبلوماسية الأمريكية وهما يؤمنان أن قدر أوكرانيا هو أن تبقى على الحياد وذلك أسلم وضع لها يخدمها ويخدم السلام ويجنب القارة الأوروبية ويلات الحرب. أما في بقية أنحاء العالم فقد أكد عام 2025 أن التطرف العنصري نفذ جرائم الإبادة الجماعية وأدانته الضمائر الحية ورأينا خروج مظاهرات مليونية من جامعة كولمبيا ومن كل عواصم الغرب تدين الإرهاب الرسمي وتترحم على أرواح 20 ألف طفل وعشرات آلاف النساء وكبار السن والأبرياء غير المسلحين الذين قتلوا بلا وجه حق. أهم ما يبقى في الذاكرة من تلك الكارثة هو أن المعتدي المحتل أصبح عبئا على أقرب حلفائه وطبعا على جيرانه المعتدى عليهم وأعتقد اصبح عبئا على الشعب الإسرائيلي نفسه ودليلنا على هذا هي المظاهرات الكبرى اليومية في تل أبيب وكل مدنهم منادية بوضع حد للحرب وإرجاع الرهائن الى أهاليهم والكف عن العناد والسباق من مرحلة الى مرحلة لمزيد تدمير القطاع والضفة بغاية منع إنشاء دولة فلسطين وهو المطلب الشرعي بضمان الأمم المتحدة المسمى بحل الدولتين. بمثل هذه الممارسات المارقة عن القانون يستمر توسيع رقعة الاستيطان ببناء آلاف المستوطنات وزرعها في قلب أرض فلسطين مثلما فعل الاحتلال عندما أقام جدار العار مقتطعا من أملاك المواطنين الفلسطينيين وأدانته منظمة الأمم المتحدة بل أمر مجلس الأمن بهدمه والمجلس كما تعلمون هو الذي لا اعتراض على قراراته وضرب به المحتل عرض الحائط. وخلال السنة التي نودعها نشطت الدبلوماسية القطرية لأداء رسالة الوساطة السلمية الخيرة وعدم الاكتفاء بالتنديد وتحملت من أجل مواقفها المبدئية قصفا غادرا غير متوقع لمقر اجتماع قيادات فلسطينية التأمت لإعداد رد مناسب على مقترحات أمريكية وإسرائيلية القصد منها إقرار السلام وتوفير الأمن والسعي الجاد لوقف النزيف والتمهيد لحل الدولتين وطي صفحات الماضي الأليمة. وطبعا بجرأة وصدق جاءت عبارات حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى من أعلى منبر الجمعية العمومية للأمم المتحدة تسمي إرهاب الدولة باسمه وتدين المروق عن الشرعية مع استمرار الوساطة بشروط خضوع المحتل للقانون الدولي. وفي سياقات أخرى عاشت شعوب عربية كوارث حروب أهلية مدمرة بسبب التدخلات الأجنبية واستعانة أهل البلاد بقوى معادية للتغلب على الخصوم مثلما يقع اليوم في السودان للعام الرابع بانقسام عبثي بين فصيلين فتح الأبواب للتدخلات الأجنبية المختلفة التي اغتنمت هشاشة اللاعبين السودانيين للتخطيط لاقتسام ثروات السودان الكبرى حين يسقط المتنافسون وتنتهي الحرب لكن بعد مقتل ألاف الضحايا وحصول أضرار بليغة تركت شقوقا في جدار وحدة الشعب ومرافقه وتعليم أجياله وجراحا لن تندمل. ونتمنى للشعب اليمني أن يتفق أهله على حلول عادلة وسلمية تبعد عنه أشباح الانقسامات وعودة الحرب الكارثية التي جربها اليمنيون منذ الستينات حين تدخل زعيم مصر جمال عبد الناصر رحمة الله عليه في شؤون اليمن ضد حكم عريق هو حكم الأئمة (آخرهم بدر وأحمد) ونصب المشير عبد الله السلال على رأس جمهورية لم تلبث أن انهارت وغيرت مسار تاريخ اليمن الحديث. ومن الأحداث المخيفة المؤسفة التي طبعت 2025 تلك المصائب التي نزلت على كل من سوريا ولبنان بسبب المطامع الإسرائيلية وبسبب التركيبة الأثنية والدينية لشعوبهما وهو ما فتح الأبواب مشرعة لعمليات قصف أجنبية بعلة حماية الدروز مثلا وأملنا جميعا أن تنجو سوريا مما يهددها من تقاتل أهلي وكذلك لبنان داعين بالصبر والقوة لرجلين متميزين هما أحمد الشرع وجوزيف عون ليعبرا ببلديهما الى سنة 2026 بسلام.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما رافقها من إجراءات أحادية قام بها المجلس الانتقالي ( المنحل ) أربكت المشهد السياسي والأمني، ومن الواضح أن اليمن يتجه اليوم بعزم وإرادة، نحو مرحلة أكثر هدوءا واستقرارا.هذه الفترة رغم قصر مدتها إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التي شكلت اختبارا صعبا لتماسك الدولة وقدرتها على الصمود، وأيضا لحكمة القيادة السياسية في إدارة لحظة شديدة الحساسية، داخليا وإقليميا.إن خطورة ما جرى في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن مقتصرا على تعميق الانقسام الاجتماعي أو إثارة الحساسيات المحلية، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد وحدة البلد ووحدة مجلس القيادة الرئاسي وتماسك الحكومة، وإضعاف جبهة الشرعية برمتها في لحظة لا تحتمل فيها البلاد أي تصدّعات إضافية. هذا الوضع الصعب مثل تحديا حقيقيا كاد أن ينعكس سلبا على المسار السياسي العام، وعلى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الوجودية التي لا تزال قائمة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي وانقلاب جماعة الحوثي. وخلال هذه الأزمة، برز بوضوح مدى أهمية الموقف الدولي، الذي ظل رغم كل التعقيدات قائما على مقاربات موضوعية ومسؤولة تجاه الملف اليمني. فقد حافظ المجتمع الدولي على موقف موحد داعم للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وهو مكسب سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية كان مهددا بالتآكل نتيجة تداعيات الأزمة الأخيرة. ومن المهم التأكيد على أن الحفاظ على هذا الدعم والزخم الدولي المساند للحكومة لم يكن نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة جهد سياسي ودبلوماسي منظم وواع، أدرك حساسية المرحلة وخطورة أي انزلاق غير محسوب نحو الصراع داخل مظلة الحكومة، مرسخا قناعة دولية بضرورة دعم الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استعادة الدولة وصون الاستقرار. اليوم تمضي القيادة السياسية والحكومة في مسار تصحيحي شامل، يستهدف احتواء تداعيات الأزمة ومعالجة جذورها، وهو مسار يحظى بتأييد شعبي واسع، ودعم كامل وواضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبالحديث عن دعم أشقائنا في مجلس التعاون بقيادة السعودية فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الدعم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مساندة ظرفية مرتبطة بأحداث معينة، بقدر ما هو ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، وتشابك المصالح بين اليمن ومحيطه الخليجي. نعم، إن أهمية الدعم الخليجي لليمن تتجاوز بطبيعتها البعد الاقتصادي أو الإنساني، لتتصل مباشرة بجوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. فاستقرار اليمن والاستثمار في دعم مؤسساته الشرعية يظل الخيار الأكثر حكمة لضمان أمن جماعي مستدام، قائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة. ولكي تتمكن الحكومة ومجلس القيادة من استعادة زمام المبادرة، وتعزيز حضور الدولة، فإن اليمن أحوج ما يكون اليوم إلى موقف خليجي داعم على مختلف المستويات، سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، لأن هذا الدعم يشكّل الطريق الأكثر واقعية لضمان استقرار الأوضاع، واستعادة الثقة، وانتشال اليمن من أزماته المتراكمة، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات التي لا تنفذ إلى جوهر المشكلات التي تعاني منها بلادنا. وعلى المستوى الداخلي، شكلت الأزمة الأخيرة فرصة لإعادة تذكير جميع المكونات والقوى السياسية بأولويات اليمن الحقيقية، وبالمخاطر الأساسية المحدقة به. فالصراع الجانبي، وتغليب الحسابات الضيقة، لا يخدم سوى مشاريع التقسيم والإنفلات ومشروع الحوثي، الذي لا يزال التهديد الأكبر لمستقبل اليمن، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الجميع للتحرك وفق برنامج واضح، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة في صدارة الأهداف، وصولا إلى مرحلة لا يكون فيها اليمن رهينة للسلاح أو المشاريع الخارجة عن الدولة، وإنما دولة مستقرة، شريكة لمحيطها، وقادرة على إدارة شؤونها بإرادة وطنية جامعة.
1422
| 14 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1338
| 08 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات كان من المفترض أن تترك أثرًا دافئًا في قلوبنا، لكننا كثيرًا ما نمرّ بها مرور العابرين. لا لأن اللحظة لم تكن جميلة، بل لأننا لم نمنحها انتباهنا الكامل، وانشغلنا بتوثيقها أكثر من عيشها. نعيش زمنًا غريبًا؛ نرفع الهاتف قبل أن نرفع رؤوسنا، ونوثّق اللحظة قبل أن نشعر بها، ونلتقط الصورة قبل أن يلتقطنا الإحساس. لم نعد نعيش اللحظة كما هي، بل كما ستبدو على الشاشات. كأن وجودنا الحقيقي مؤجّل، مرتبط بعدسة كاميرا، أو فيديو قصير، أو منشور ننتظر صداه. نخشى أن تمر اللحظة دون أن نُثبتها، وكأنها لا تكتمل إلا إذا شاهدها الآخرون وتفاعلوا معها. كم مرة حضرنا مناسبة جميلة؛ فرحًا، لقاءً عائليًا، أو جلسة بسيطة مع من نحب، لكن عيوننا كانت في الشاشة، وأصابعنا تبحث عن الزاوية الأفضل والإضاءة الأجمل، بينما القلب كان غائبًا عن المشهد؟ نضحك، لكن بوعيٍ ناقص، ونبتسم ونحن نفكر: هل التُقطت الصورة؟ هل وثّقنا اللحظة كما ينبغي؟ نذهب إلى المطعم، أو نسافر إلى مكان انتظرناه طويلًا، فننشغل بالتصوير أكثر من التذوّق، وبالتوثيق أكثر من الدهشة. نرتّب الأطباق لا لنستمتع بطعمها، بل لتبدو جميلة على صفحاتنا، ونصوّر الطريق والمنظر والغرفة، بينما الإحساس الحقيقي يمرّ بجانبنا بصمت. نملأ صفحاتنا بالصور، لكننا نفرّغ اللحظة من معناها، ونغادر المكان وقد وثّقناه جيدًا… دون أن نكون قد عِشناه حقًا. صرنا نعيش الحدث لنُريه للآخرين، لا لنعيشه لأنفسنا. نقيس جمال اللحظة بعدد الإعجابات، وقيمتها بعدد المشاهدات، ونشعر أحيانًا بخيبة إن لم تلقَ ما توقعناه من تفاعل. وكأن اللحظة خذلتنا، لا لأننا لم نشعر بها، بل لأن الآخرين لم يصفّقوا لها كما أردنا. ونسينا أن بعض اللحظات لا تُقاس بالأرقام، بل تُحَسّ في القلب. توثيق اللحظات ليس خطأ، فالذاكرة تخون أحيانًا، والسنوات تمضي، والصورة قد تحفظ ملامح ووجوهًا وأماكن نحب العودة إليها. لكن الخطأ حين تصبح الكاميرا حاجزًا بيننا وبين الشعور، وحين نغادر اللحظة قبل أن نصل إليها، وحين ينشغل عقلنا بالشكل بينما يفوتنا الجوهر. الأجمل أن نعيش أولًا. أن نضحك بعمق دون التفكير كيف ستبدو الضحكة في الصورة، أن نتأمل بصدق دون استعجال، وأن نشعر بكامل حضورنا. ثم – إن شئنا – نلتقط صورة للذكرى، لا أن نختصر الذكرى في صورة. بعض اللحظات خُلقت لتُعاش لا لتُوثّق، لتسكن القلب لا الذاكرة الرقمية. فلنمنح أنفسنا حق الاستمتاع، وحق الغياب المؤقت عن الشاشات، فالعمر ليس ألبوم صور، بل إحساس يتراكم… وإن فات، لا تُعيده ألف صورة.
807
| 13 يناير 2026