رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
القيادة تكشف عن نفسها عند مواجهة الأمم للتحديات الخطيرة، ولا ينتجها ضجيج بورصة الأوراق السياسية.بينما كان محمد نجيب يطوف مصر بسيارة وحوله بعض من الضباط ملوحا للجماهير التي تلتف من حوله، كان عبد الناصر يجلس في مكتبه بمجلس قيادة الثورة يراجع خطط التغيير لتتحول "حركة الجيش المباركة" إلى "ثورة" غيرت وجه مصر والمنطقة ومازال أثرها يمتد عبر العالم والتاريخ.وبينما كان الضجيج يعلو في مصر حول ديمقراطية الصناديق بعد يناير2011، كان "هو" هناك يدير مصر ويرتب لما تستحقه، وما يجب أن تنتجه ثورة الشعب، ولا أجافي الحقيقة إن قلت إن من أدار المواجهة ضد الثورة المضادة خلال السنوات الثلاث الماضية هو "الأحق" بأن يقود مسيرة البلاد إلى المستقبل.ظهرت صور عبد الناصر في أيدي المتظاهرين، وفي أيدي البسطاء منهم كانت تعبيراً عن مطلب العدالة الاجتماعية والانحياز للفقراء من عامة الشعب، وكانت أيضاً تعبيراً عن الموقف الشعبي ضد الإخوان، ولكن كان هناك من يحمل الصور أو يطبعها ويوزعها في محاولته لإثبات وجوده السياسي دون جهد حقيقي مع القوى الاجتماعية أو امتلاك رؤية شاملة تربط الاحتياجات بخطط عمل، بالنسبة لهؤلاء كانت "صور الزعيم" تعبيرا عن العجز الذي كشفه-فيما بعد-هتاف يسقط حكم العسكر الذي وحد بعض فصائل اليسار واليمين الإخواني الفاشي أو ممن ينفذون أجندة إسقاط الجيش المصري، وربما وجد هؤلاء مبرراتهم في عدد من تصرفات المجلس العسكري السابق دون معلومات مكتملة أو التغاضي عن طبيعة الحدث ومعناه، سواء في وقائع 8 أبريل 2011 أو في واقعة مجلس الوزراء 2011.ولكن غير الطبيعي هو اللغط ممن ينتمون إلى ما أطلق عليه التيار الناصري.انقسم التيار بين وجود شعبي يرى عبد الناصر نصيراً له، جاء من الشعب وعاش له، ورفع رايات الاستقلال الوطني والكرامة والعدالة الاجتماعية، وبين وجود سياسي جعل من الناصرية مبرراً لوجوده الذاتي، وأدى ذلك لتحويل هذا الوجود السياسي إلى مجرد "ظاهرة صوتية" لمجموعة "دكاكين" تنتمي إلى"أفراد" أو "تجارب محدودة" انعزلت عن التواصل مع قوى المجتمع في حركتها نحو التغيير وتحولت هذه الدكاكين إلى بالوعات للتمويل السياسي كما كانت مقبرة لعناصر من الشباب الواعد ولقدرات كان يمكنها أن تنمو وتحافظ على مفاهيم وقيم أرساها عبد الناصر فيما لو توفرت الشروط الصحية لمشاركتها الوطنية. وحاول البعض الحفاظ على نفسه خارج الدكاكين وأن يمسك بجوهر الانتماء. محاولة سرقة الثورة أو العيش الطفيلي على حسابها شملت العناصر السياسية في هذا التيار ومن غيره من التيارات السياسية، كما شملت جماعة الإخوان ونسيت هذه العناصر دلالة تحليل مفهوم أساس حكومة عبد الناصر وهو مفهوم تحالف قوى الشعب العامل الذي يشمل (العمال والفلاحين والجنود والمثقفين والرأسمالية الوطنية)، ولم يكن انضمام الجنود للتحالف ضمن عسكرة الدولة ولكنه كان تحديداً للدور في مهام المجتمع والدولة، سواء الدفاع ضد العدو الخارجي أو حماية الإرادة الشعبية أو ما جرى التعبير عنها بعد ذلك بحماية الدستور.تجارب مشاركات من يعلنون انتماءهم الثوري لهذا التيار جميعها تنتهي عند حد التعايش مع النظام حتى وإن بدا أن تعارضا ما بينهما، فالتعارض هذا لم يكن صراع إرادات ولكنه كان مجرد كلام في مواجهة تغييرات مادية تجري في الواقع اليومي. سقط اتحاد العمال، فقد ولد في أحضان السلطة وظل كذلك، وسقطت تعاونيات الفلاحين واتحاداتهم الجديدة بعد ثورة يناير التي سعت أيضا إلى حضن السلطة.غاب المثقفون عن الدور التنويري، وبدت أدوات الثقافة وآلياتها داخل المجتمع غريبة باهتة، وتحللت الرأسمالية الوطنية وانحصرت في أشخاص وغاب عنها دور رئيسي في خطة المجتمع التي اعتبرتها جزءا من موروث مجتمع شمولي وليست المدخل العلمي لمفهوم إدارة الموارد وتنميتها وصار سعيها إلى الكسب السريع والاحتكار وانتقلت إليها كل أمراض الرأسمالية دون قانون يواجه التغول الرهيب على الإرادة الوطنية.ولم يعد هناك ضمن قوى التحالف سوى الجيش المصري الذي احتفظ بتماسكه نتيجة تراتبية سلطة القرار داخله. وتعرض الجيش بعد حرب 1973 لمنعطفات رئيسية فرضت عليه خيارات تؤكد نزول الجيش وقياداته للحفاظ على كيان الدولة والحيلولة دون انهيار الوطن.الأول عندما فرطت "السياسة" فيما أنجزته العسكرية والذي انقلب بعد ذلك إلى اتفاقات ومعاهدات تمنع الجيش عن أداء مهمته في سيناء ومن بعد ذلك وضع سياسة تحجيم القوات والتسريح المبكر للقيادات.الثاني الحيلولة ما بين الجيش والإمكانات العسكرية التي يجب امتلاكها باختيار "السياسة" أمريكا كمصدر رئيسي للسلاح، خاصة أن الوضع الاقتصادي يحول دون توفير التمويل اللازم لشراء الأسلحة، وانعدام الطموح عند صانع القرار، "السياسة تُفرط أيضا"، لدعم محاولات تطوير السلاح التي يقوم بها الجيش. الثالث محاولة الجيش للخروج من تأثير التغيرات الاقتصادية المتلاحقة في المجتمع المصري بامتلاك المقدرات المعيشية لقواته، مضافا إلى ذلك عبء مواجهة التفريط في الأرض والإمكانات قبل الثورة (طريق السخنة – بنك القاهرة) وما جرى خلال حكم الإخوان.الرابع تمثل في موقف من التوريث، والذي كان حلقة الربط بين ثورة يناير2011 وبين الجيش، بالإضافة إلى عقيدة عدم توجيه سلاحه ضد الشعب، وكان المنعطف الأخير هو حالة السيولة التي أعقبت ثورة يناير، حيث أطلق المجلس العسكري السابق كل عناصر الإرهاب من السجون وفتح المطارات لعودة المئات منهم، ثم جاءت نكبة عام الحكم الفاشي الذي حول مصر إلى ملجأ لنفايات الجماعات الإرهابية من جميع أنحاء العالم.ظل الجيش متماسكا وبرزت عقيدته خلال مواجهات يونيو ويوليو 2013 وانتمائه الذي لم يتحدد فقط يومها ولكن الوقائع والحوارات تؤكد أنها تصور حاكم للدفاع عن الأرض والشعب، ظل راسخا طوال الفترة من يناير 2011 حتى يونيو 2013 كما كان رفض التوريث حاكما لموقف الجيش قبل يناير 2011.الثورة مواقف وفعل وتغير في موازين القوة وهنا لا يجب أن نبحث عن رموز للثورة، ولكن نبحث عن استيعاب هذه المعاني والقدرة على إعمالها.الأمم لا تضع إرادتها رهينة التمويل الأجنبي على شاشات الفضائيات ولكنها تخوض مواجهاتها من توفير لقمة العيش إلى الدفاع عن الحياة فوق أرضها، هي مواجهة يومية لتوفير إمكانات الوجود.سقط أدعياء الناصرية وسيبقى انتماء عبد الناصر ونداؤه بالحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة العربية خيارا إستراتيجيا للأمة.
696
| 01 أبريل 2014
استقرار المجتمعات هو تعبير عن ميزان القوى داخل المجتمع والقدرة على التعبير السياسي عن تلك القوى، وأي خلل يصيب ميزان القوى يدفع إلى صراع يستمر طالما لم يتحقق توازن للقوى ينتج العدل ويحدد المسؤولية المشتركة عن المجتمع.لم يتغير ميزان القوى الاجتماعية في مصر، ولكن جرى تحريك للقوى المكونة للدولة، والإضافة التي أنتجتها ثورة يناير 2011 هو إطلاق حالة الحراك داخل المجتمع وتجاوز الفئات الشعبية لحالة السكون وكسرها لحاجز الخوف ولكن هذا الحراك لم يتحول إلى قوة لأنه يفتقد الرؤية ويفتقد القيادة.ابلغ تعبير عن ذلك هو يونيو 2013. والفصل بين يناير 2011 ويونيو 2013 هو تجاوز من أصحاب مصالح وعناصر تحاول إجهاض نتائج حركة الشعب.يونيو 2013 كانت إعلان لموقف تراكم عند الشعب ضد محاولة صياغة يناير 2011 لصالح جماعة الإخوان وكل التيارات التي تتخذ من الدين ستاراً للسيطرة على المجتمع، فضلاً عن انحرافها عن صحيح الدين كما عاشة الشعب ودفع الحراك الشعبي إلى تعديل في مواقف القوى داخل الدولة مما أدى إلى حسم الموقف يوم 3 يوليو 2013، ولكنه كان حسماً منقوصاً، وكانت نقطة الضعف الجوهرية فيه هي التيارات السياسية التي عبر منها السياسيون الذين اختاروا عناصر خريطة الطريق وتوقيتاتها وكأن هناك جمرة نار في يدهم يريدون التخلص منها، بأن الخطر في جماعة الإخوان وحدها جعل نتائج 3 يوليو 2013 تغفل عن ضعف التعبير السياسي داخل المجتمع وعدم قدرته للامساك بجوهر المشكلة والتي تتجسد في المكون السياسي من نخبه أو أحزاب، تتعامل وكأنها تمن على الشعب ولا تملك حلاً لمعضلاته، ففقدت حقيقة المواجهة فوق الأرض، هل هي صراع مناصب وصياغات دستورية أم هي حرب وجود.أغفلت القوى السياسية دلالة يوم 26 يوليو 2013 وأثرة على ميزان القوى الدولي تجاه مصر، واكتفت فقط بدلالة الاستجابة الشعبية لنداء صدر من القائد العام للقوات المسلحة بطلب تفويض، واستغرقهم أمر طلب التفويض بين ناقد له وبين معظم لسرعة الاستجابة الشعبية لطلب القائد العام (36 ساعة) وحجمها (44 مليون).في تقديري أن هذا النداء (يوم 24 يوليو 2013) والاستجابة له بعد 36 ساعة بخروج شعبي تجاوز الحشود السابقة عليه حدد من يقود حركة التغيير في المجتمع ولا أتجاوز أن أقول من هو المؤهل لأن يكون قائد الثورة.نداء 24 يوليو ووقائع 26 يوليو 2013 دفع بتغير جديد، أن مصر تملك قرارها، وانتقلت من مواجهة موجة (أنه انقلاب) إلى أنه استرداد للقرار إلى الإرادة المصرية.26 يوليو 2013 كان تحديداً في الموقف من القوى الدولية، تخرج مصر من قضبان محبس أن 99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا، وأيضاً كانت نقطة الضعف تتجسد في موقف الكيانات السياسية وأغلب النخب السياسية.وبقدر قيمة المواقف الأربع في 30 يوليو و3 يوليو و24 يوليو و26 يوليو 2013، فإن الموقف المضاد تحول من حالة الكلام السياسي والحركة الشعبية السلمية إلى مواجهة من نوع جديد التوصيف المباشر لها هو دفع مصر إلى الحالة السورية والعراقية والليبية، لكن الحقيقة أنه ليس دفعاً للداخل إلى تلك الحالة، بل هو حصار أيضاً من الخارج.الحصار الخارجي لمصر لا يتوقف عند حد طبيعة الحالة في ليبيا أو السودان أو الحدود الشرقية بشقيها إسرائيل وحركة حماس، ولكنه يتنامى في كل شرق إفريقيا ومنابع النيل وما يمكن أن يطلق عليه السودان بشقيه الشمالي الإخواني والجنوبي الذي تعتبر إسرائيل فيه صاحبة اليد الطولي.26 يوليو 2013 حدث كشف أبعاد الخطر الخارجي الذي يهدد الأمن القومي وضرورات تعديل ميزان القوة لتتمكن مصر من حماية أمنها القومي، وأيضا يتجسد الضعف في الحالة السياسية في الداخل المصري.التمني لا يحول الضعف في الحالة السياسية وانعزالها عن الأخطار اليومية والإستراتيجية وغياب إدراكها بدلالات الحراك الشعبي، لا يحول ذلك كله إلى حاله قوه ولن تكون نتائج صندوق الانتخابات النيابية غير تعبيراً عن الضعف ووضع سلطة التشريع في يد غائبةً عن إدراك حقيقة الأخطار والأهداف.إن الإجابة على سؤال من يمثل الثورة لا تعتمد على مجرد الكلام. فالكلام لا ينبت عشباً، ولا حساب عدد سنوات السجن لكنها تعتمد على ماهية المواقف التي أكدت الثورة والاتجاه إلى دعم الأمن القومي.ويبقى سؤال حول الإرهاب الداخلي والموقف منه، سؤال يطرد الساسة خارج حلبة الاحتياج الوطني، ويسقط العديد ممن يتحدثون عن ديمقراطية لا تتيح الدفاع عن الوطن وحقوق لأفراد، مكونها الرئيس هو المال السياسي الذي تتلقاه على حساب حق البقاء للوطن وبناء قدرته على توفير مكونات هذا البقاء.اغتراب الساسة والكيانات السياسة عن حالة المجتمع وعنفة البشري أضاف أحاديثهم إلى حالة من الابتزاز لمحاولات إدارة أزمة الوطن ومهام التغيير، إلى أحلام أقرب إلى الوهم منها لأي أداء جاد يضع المهام على طريق الاتجاز، وتحولت الشعارات إلى حالة من الإرهاب تضاف إلى إرهاب السلاح والانفجارات والمولوتوف.وتداعت صورة أخرى للإرهاب تديره الثروة المنهوبة في زمن مبارك والتي تملك شاشات الفضائيات، فمصالحهم تتضارب وما تتطلبه مهام الثورة وتحاول إقصاءها مقابل الإسهام في إزاحة الإخوان، وأصبحت قيادة المرحلة الانتقالية تواجه تحديات القادم وسط موجهات إرهاب متتالية ومتنوعة وليس لها ظهيرا غير الشعب الذي يستطيع أن يقاوم ويصبر ويصمد. إن وجد خطابا سياسيا صادقا وقيادة تملك شجاعة المواجهة والحسم وتكشف انتماءها الاجتماعي للشعب، عندها الشعب خاصية الأمة المصرية المميزة لمصر متجاوزاً حالة التشرذم السياسي.الكلام لا يُنبِتُ في الواقع شيئا غير طنين أجوف، والعدم لا ينتج غير العدم.
857
| 25 مارس 2014
جمعت الليلة الأخيرة في رحلة الدوحة لزيارة شقيقي بعد جراحة اعتبرتها كبيرة، وبدت بوادر الشفاء ورضا الأطباء عن النتائج، جمعت عددا من الأصدقاء والأبناء، يحاولون جلب الابتسامة بينهم ليتجاوزوا إحساس الفراق وواجب الشكر لحالة من الاحتضان الإنساني كشفت عمق الروابط الإنسانية التي تتجاوز مادية الحياة. هناك في الدوحة تجلى أمامي معنى أننا نحن العرب تجمعنا روابط أعمق من خطوط الحدود الفاصلة بين أقطارنا، وأن الملمات ولحظات الألم تكشف عمق التنادي الإنساني والأخوي واكتشفت أن مصر حاضرة، وأنها ملئ الكيان العربي، وأن حوارات تجرى في القاهرة حول اللحظة تكاد تكون ذاتها هناك، الفارق الوحيد هو المكان والأشخاص وجوازات السفر المتنوعة. محاولات الابتسام أو تجاوز أزمة أسابيع ثلاث بعد الجراحة فتحت الباب أمام أحد الشباب من الجالسين أن يعبر عن كل أمر بمصطلح في الفن وتكنيك السينما حتى وصل إلى تعبيرMaster scene أو المشهد الرئيسي، ضحكنا، وأوقف الصديق علاء بكري ضحكنا عندما قال بصوت جاد: سأروي لكم ما هو المشهد الرئيسي في حياتي، أسكتنا حديثه الجاد، وصمت الجميع ليقول لنا إن والده أحد محامي نابلس وشارك في تأسيس الحزب الشيوعي الفلسطيني، وكانت مدرسة علاء مجاورة لمكتب أبيه، ويمر عليه بعد المدرسة ليصطحبه والده إلى المنزل.وذات يوم دخل على أبيه مكتبه دون أن يشعر الأب به ووجد أباه يستخدم جزءا من ورقة جريدة بديلا عن المنديل لتطبع أحبار الجريدة علاماتها على أنفه، ويحاول علاء أن يزيلها عن أنف أبيه، ولكنها كانت تترك آثارها في وجدان علاء وعقله، أن هذا المحامي الكبير، قامة ونضالا وعمرا، ترك ما تتيحه الحياة وقبض على قضيته ومات لها.أحسست أني أريد أن أضم علاء إلى صدري، وترقرقت دمعات حائرة في عين علاء، ولكنها كانت في داخلي نزيفا في القلب، مشاهد للآباء تصوغ حياة الأبناء حتى وإن رحلوا وتحدد لهم موقفهم في الحياة، لينجو به من يحيله إلى حالة صمود.واستدعى الموقف في ذهني مواقف أبناء وآباء وقلبها قضايا الوطن."يوسف" ابن الرابعة حفيد شقيقي، لعبه بين "الآي باد"، وتشخيص لمطاردة ضابط الشرطة للصوص افتراضية من حوله، يشاركه أخوه "زياد" الذي يكبره بأربع سنوات أخرى. يوسف والده ضابط شرطة في مصر، يعيش أزمة الأمن والإعلام ولا يعيش عمره، قلقه الدائم أن يعود أبوه إلى المنزل، وذات يوم وسط فيض الإعلام المستشري حول القتل، إذا بيوسف يفاجئ أباه بقوله: "أنت بتقتل الأطفال ليه يا بابا؟"، ودهش الأب وقال له: لا يا يوسف أنا لا أقتل الأطفال وسلاحي يوجه إلى المجرمين واللصوص للقبض عليهم ولكن يوسف يعود ليفاجئ أباه بكلمة صاخبة: "لا يا بابا، أنتم بتقتلوا الأطفال ومش هتقتلني لأني ابنك!!". جرح في مجتمع أحدث ندبا في وجدان طفل السنوات الأربع.هذا مناضل يساري وذلك ضابط شرطة، ولكل منهما أثر في وجدان ابنه، وجدان لم يكن بعيدا عن حالة الوطن لحظة تشكله. وعادت بي الذاكرة لاثنين من أبناء جيل من المناضلين رحل عنا، وكانا معتقلين معا عام 1959 في معتقل الواحات: محمد الزعفراني وفؤاد حداد.أحمد الزعفراني تركه أبوه وعمره يقارب عمر يوسف وأختين تكبرانه مع أمهما بعد اعتقاله، منزلهم بالقلعة، تجتهد الأم لتعول أولادها الثلاث.كان والد أحمد يملك مصنعا للملابس أسماه "دمشق"، لأنه تأسس في عام الوحدة بين مصر وسوريا، وأثناء الاعتقال اهتز المصنع، وطلبت الأم يوما من أحمد أن يذهب إلى صديق حميم لوالده يملك أيضا مصنعا للملابس، ولطالما قدم والد أحمد إليه الخدمات، ويطلب منه جنيها "سلف".. ورد الرجل أحمد قائلا إنه في أول اليوم وليعد إليه بعد ساعات، وعاد أحمد بعد الظهر إلى الرجل الذي كرر ذات الرد " ارجع إلى بعد قليل"، فطلب أحمد نصف جنيه واعتذر الرجل حتى عن طلبه الأخير بربع جنيه، مضى أحمد عائدا إلى منزله وعندما عاد إلى صديق والده بعد ساعة وجد المصنع مغلقا..ظل الأمر عالقا بوجدان أحمد ليكتب بعدها.."أنا منين؟أنا من بكاء أمي ودموعها السخنة على خدي من جوعي للقمة ناشفةمش في يديوبتاكلها الصراصير..".أمين حداد من عمر أحمد الزعفراني، وعندما كتب فؤاد حداد قصيدة إلى ابنه أمين أرسلها محمد الزعفراني أيضا إلى ابنه أحمد.كان فؤاد حداد يكتب قصائده على ورق لف السجائر الرقيق ليتم تهريبها إلى خارج السجن وتنشر ليوفر عائدها مقومات الحياة لأسرته. وإذا كان فؤاد حداد هو مسحراتي الأمة، فلعله يرى الآن الابن أمين شاعر أجيال الثورة الجديدة والحفيد أحمد مسحراتي جيل الأحفاد.الموهبة لا تورث، ولكن المواقف والمعاناة والبيئة تصنع الوعي وتخرج من الوجدان موهبة منحها الله للإنسان عبر الأجيال، لا يتسع المقام هنا لعرض أثر آل حداد على أجيال متعاقبة، وقد يأتي وقت يمكننا فيه ذلك.كانت جلسة أثارت في النفس كل هذا، بدأت بكلمة مصطفى حسين(Master scene)، كما نطقها، لتتحول إلى غرفة ضغط للإفاقة وتجاوز أثر الانتقال عبر مستويات متعددة من ضغوط الحياة ما زالت تجسد أثر الآباء على أبنائهم.
1036
| 04 مارس 2014
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري قابل بالدستور ويدعمه وبالتالي قابل بمسؤوليات ما بعد المرحلة الانتقالية، وهو قول يضع قائله في موقف الحكم على الإرادة الشعبية، وكأن الإرادة الشعبية تحتاج شهادة من أحد والحقيقة أن الإرادة الشعبية تحتاج من يملك جسارة استيعابها بعيدا عن الأنا والعجز وادعاء الحكمة التي وضعت الشعب وحتى اللحظة في مواجهة بالدم والصبر وحتى اضطراب الأمل في تحقيق الغايات التي بلورتها حركته منذ يناير 2011، وانتظار النسب المئوية يبدو شرطا يزيد من أعباء المرحلة المصيرية، اللحظة هي لحظة إدراك وعمل وأقصى استخدام للزمن وأعلى اقتصاد للقوة.كلمة الشعب ليست مجرد نتائج الصندوق، فقد جسد الشعب إرادته عبر السنوات الثلاث الماضية ولم يفقد البوصلة، ودفع الثمن ويتطلع للعدل، وإن غاب العدل فلا أشك أنه سيعود ثانية للميدان.الاستفتاء على الدستور هو البوابة التي يدخل منها الشعب إلى اختيار رئيس للجمهورية. فهل الأمر اختيار بين بدائل جرت تجربتها، أم أنه ضرورات تفرض اختيارا؟ وهل الاختيار لموظف بالإدارة الحاكمة لمصر أم أنه اختيار لقيادة؟القيادة مسؤولية تحت المتابعة والتقييم الشعبي حتى وإن مرت لحظاتها الأولى من جهة الشعب في حالة من الاسترخاء واعتقاد أن الطريق قد وجد ربانه، وإذا كان الشعب يحتاج الاستكشاف، فإن القيادة لا تملك ترف الانتظار، سواء جاءت عبر طموح شخصي لا ينفيه أحد عن البشر أو جاءت عبر تقدير للمسؤولية وقرار بالتصدي لها.مناخ الخطر في مصر والدم المسال والاشتباك اليومي، لا يفسح مجالا لانتظار إتمام الاختيار للرئيس الجديد، بل يفرض عليه أن يكشف عن إدراكه للثورة الشعبية، لماذا انفجرت؟ وكيف كانت حالة التصحر السياسي؟ وما أسبابه؟ وكيف هي حياة الإنسان "مخزون الثروة الحقيقية لمصر"؟ وكيف تمكن استعادة الطاقة البشرية لأداء مهام التنمية؟، وكيف له بالتنمية وما هي خياراته السياسية؟ ثم هل الأهداف الغائية للشعب في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية هي قضية انحيازه؟ وكيف؟ وهل الخيارات القومية والعالمية وسط الهجوم الأمريكي والغربي على المنطقة داخل اعتباره؟ أم أنه يدخل إلى الانتماء القومي طرفا يصالح هنا ويصارع هناك؟ وهل يرى الانتماء العربي انتماء إلى خزائن تمنح وتمنع، أم أنه انتماء مصير لا وجود دونه؟، وهل يدرك مصادر الخطر التاريخية على الوجود العربي والمصري؟، وهل يدرك مستجدات الخطر والتي تقبع على رأس شريان الحياة لمصر "النيل"؟، وتلك الأخطار التي أنتجها التجريف الثقافي والتعليمي والديني على العقل المصري؟ ما هي فلسفته في إدارة كل هذا؟ وما هي القوى الاجتماعية التي سيركن إليها؟كسر الشعب حاجز الخوف وحاجز القبول بما لا يرغب فيه وأطلق طاقة الرفض للسيطرة والاستبداد من سلطة فساد أو سلطة دينية، بل إنه تجاوز المواجهة الداخلية إلى التصدي للسيطرة الأمريكية على القرار عندما خرج في 26 يوليو 2013 ولم يكن الأمر تفويضا لمواجهة الإرهاب وهي من صميم مهام الدولة، ولكنها كانت تأكيدا على وحدة قرار المواجهة مع الإرهاب في الداخل وعناصر دعمه من الخارج ورفضه للتدخل الأمريكي في القرار المصري.لم يعد الأمر تفويضا على بياض، ولكنه برنامج عمل تتحدد مسؤولية إعلانه فيمن يتصدى لمسؤولية موقع الرئاسة لينجح أن اكسب الموقع سمة القيادة والخطاب الواضح وجسارة اتخاذ القرار.في 12 أغسطس 2012 تمت إقالة المشير طنطاوي والمجلس العسكري وتعيين الفريق أول عبد الفتاح السيسي وزيرا للدفاع وقائدا عاما للقوات المسلحة، يومها حادثت صديقا كان عضوا بالمجلس الاستشاري ومجلس الشعب بعد يناير، وكان قريبا من الحوارات الدائرة في ذلك الحين، وكانت كلمته (لن تمضي ستة أشهر إلا والسيسي رئيسا للجمهورية!).هل كان استقراء ذاتيا من الشاب أم أنها حسابات القوى والقدرات وطبيعة الصراع خارج ميادين الثورة؟مرت 18 شهرا مليئة بالأحداث، وقائعها كشفت انحياز الشعب لثورته وللدولة المصرية، وكشفت انحياز الجيش لعملية إعادة البناء للقوات المسلحة وتنوعا محدودا لمصادر السلاح، كما كشفت انحياز الجيش للإرادة الشعبية. كل ذلك يخرج بنا من مجرد وصف الحالة بالتآمر كما يراها البعض، أو الانحياز للطموح الشخصي واكتساب القدرة على تحقيقه بالانحياز للإرادة الشعبية في إزاحة حكم الإخوان، ولكنه يفرض جديدا، وهو ضرورة الارتقاء إلى الانحياز للأهداف الغائية للإرادة الشعبية، ولا يصير الانحياز انتقائيا حسب رغبة أو ما يحقق طموح، وغير هذا فإننا نكرر وقائع ما جرى بعد يناير وإن اختلف الشكل، وكأننا لم نستوعب دروس 36 شهرا مضت.الأمانة تقتضي الإقرار بأن إدارة المرحلة منذ ما قبل 24 يناير وإلى اللحظة كانت تنجز مهامها، ووصلت إلى اللحظة الحالية، ولكن هذه الإدارة لن توصف نتائج أدائها بالإيجاب ما لم تعِ دروس ثورة يناير 2011، فإذا كانت يونيو عملا مشتركا لها مع الشعب، فإن ثورة الشعب في يناير هي التي فتحت باب العمل المشترك في يونيو.ما يجري في مصر من صخب عالي الصوت سواء بمظاهرات أو قتل ودم وحرق، أو ذلك الصخب الإعلامي الممجوج على شاشات الفضائيات التي تتصرف بلا مسؤولية وتعلن سقوطا للإعلام الإعلاني في مصر، كل ذلك مظاهر للانحراف بالأحداث، هي مظاهر للعجز عن الاستيعاب لمعنى استخلاص الإرادة، وهي دلالة أن المشوار لاسترداد الدولة طويل ولم نبدأه بعد.لست ممن يؤيدون أو يرفضون، ولكن أدرك إلى من أنحاز، والإنسان بلا انحياز كريشة في عاصفة هوجاء، لا أرضا يقطع ولا وجودا يتحقق.الانحياز للإرادة الشعبية لا يعني أننا نحتاج إلى مخلِّص أو رئيسا توافقيا، ولكننا نحتاج ممن يكاد الإجماع الشعبي أن يقبل به أن يعلن عن نفسه، ويعلن لنا ماهية فلسفته والرؤية الحاكمة لها وفق انحياز اجتماعي محدد ومعلن.أكتب هذه المقالة من الدوحة - قطر في زيارة لشقيقي وأدعو له بالشفاء، وممن التقيت أحسست بأن مصر في القلب، هي حديث المجالس، الجميع ينتظر أن تعود مصر لمهامها، وأن وحدة الشعب العربي لن تنفصم عراها، ليس كلاما عاطفيا، ولكنه إدراك لعقل يعي معنى انتمائه للعروبة.
811
| 14 يناير 2014
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد الحالي في مصر، ووجدتني أعلق ورأيت أن التخوف والتعليق يصلحان لكشف صدع حالي لدى الشباب وكتبت: للآن لم نواجه بصراحة ما جرى ومازالت تبعاته تتوالى.مضت 25 يناير لينقض الإخوان على السلطة تحت مظلة أمريكية، ولم تنتج يناير قيادة تعبر عن إرادة التغيير والقدرة عليه.تحديد القوى المضادة للثورة أو للرغبة في التغيير بعد 9 مارس كان ممكنا، ولكنك لا يمكن إن تحدد القوى التي تريد التغيير وتملك القدرة عليه، والتواصل مع القوى الاجتماعية غائب ومنعدم. وسيطر الإخوان.وهناك سؤال أستدعيه من تواصل جري بين المخابرات الحربية بقيادة السيسي مع كافة العناصر سواء من الشباب أو ممن أطلق عليهم النخبة، أي إن هناك من يحدد ملامح الواقع وشخوصه، وهنا يصبح السؤال واجبا؛ من كان يدير المرحلة منذ 25 يناير حتى اليوم؟، وهل اختلفت الإدارة في أي مرحلة؟، أم إن المراحل كانت تختلف في طبيعة القرار وتوجهه؟وهنا تأتي 30 يونيو. الجميع كان لديه سؤال حائر ورد قبل يناير وورد بعد انكشاف الإخوان لمن اعتقدوا فيهم خيرا، ما هو موقف الجيش؟سؤال شرعي رغم هتافات يسقط حكم العسكر والتي اتفق عليها الإخوان واليسار والشباب، لأن الجيش هو القوة المنظمة الوحيدة لمواجهة هذا التنظيم الأخطبوطي والذي تتكشف علاقاته ومدى تغلغله في مؤسسات الدولة وحجم القدرات التمويلية له وارتباطاته الدولية وإسقاطه لمفهوم الوطنية من الاعتبار ومدى تجاوزه لضرورات الأمن القومي.كانت كافة الحوارات تؤدي إلى إن الجيش لن يتحرك إلا إذا تعرضت مصر لحرب أهلية، وانتشرت فكرة أن يحتشد الناس في التحرير لمواجهة الإخوان وإذا تعرض لهم الإخوان يتدخل الجيش.يجب النظر إلى حركة تمرد كآلية حشد، بالقطع لهم كل التقدير ولن أدخل فيما يتردد حول من كان الممول الرئيس والذي ليس ساويرس حسب ما وصل إلى، وليس هذا على الإطلاق نقطة البحث.ولكن هل الحركة هي من أخرجت 33 مليونا حسب CNN؟إن المحرض الأول كان الإخوان.والاستجابة الشعبية كانت وليدة رفض الشعب للإخوان.والجيش تحرك قبل خطاب مرسي الأخير "الشرعية ورجاله من ذهب".ويبقى أيضا السؤال: من كان يدير؟إذا الشعب تجاوز المتوقع منه.ملايين وقعوا وثيقة تمرد (22) مليونا حسب ما أعلنته الحركة.ودفع الشباب بالدكتور البرادعي وكانت خارطة الطريق، وربما كان يوم 3 يوليو كاشفا عمن يدير.أما إن هناك من يدعي أنه قيادة 30 يونيو فهذا أمر خارج القبول العقلي كمن يدعي أنه قيادة 25 يناير.ولعلك تذكر إن أحد مرشحي الرئاسة السابقين والذي يفتله الشوق كمدا للكرسي قال بعد تعيين عمر سليمان وتغيير الوزارة "لقد حققنا ما لم نكن نحلم به"، وفاته إن هذا ما كان حلمه هو ولكن الخروج الشعبي كانت إرادته قد تجاوزت اتفاق سليمان والإخوان.أزاح الشعب الإخوان وبدا للجميع إن هناك من يدير المشهد وانحاز للشعب.راجع 26 يوليو، دعوة وبعد 36 ساعة يخرج 44 مليون في الشارع أيضا حسب الـ CNN.وكما أزاح الشعب الإخوان.كان الخروج الثالث يتجاوز مطلب التفويض لمواجهة الإرهاب إلى تحجيم السيطرة الأمريكية المطلقة علي القرار المصري.مواجهات متعددة ولكنها جميعها يمكن حساب نتائجها إيجابيا.هل هو انقلاب أم ثورة شعبية أمر لا يعنيني على الإطلاق، ما يعنيني نتائج إدارة الصراع.وهنا يجب إن نراجع إلى من آلت السلطة السياسية أو من أين جلبت إدارة المرحلة عناصر الإدارة السياسية؟هناك من يقول إن جملة المستشارين والوزارة من صنع البرادعي وبمنزل أبو الغار، والمنتهي، الرئاسة المؤقتة في حالة احتفالية، والحكومة في حالة الموت السريري.وحالة من الانقلاب الاجتماعي عاشتها لجنة الخمسين بمن احتوتهم وأيا كان الرأي للبعض في أمر نسبة العمال والفلاحين ولكن بالنسبة لي كانت مؤشرا للانحياز الاجتماعي لهذه اللجنة وكان هاجسها موقف حزب النور. وصار الدستور لعنة تطارد المصريين.وخرج رئيس اللجنة، وهو ونائبه من مطاريد التحرير، ليقول لا عزل ولا إقصاء، كأن الشعب كان في يناير ويونيو ويوليو قد إصابته هستريا جماعية.ويعلن عبد الغفار شكر في مقال له "إن الدستور تعبير عن ميزان القوى الحالي"، وهو طعن في الدستور وتأكيد لأن موجات الشعب المتعاقبة لم تجر أي تعديل في ميزان القوي داخل المجتمع بعد!لم يتحدث أحد عن التطهير ولكنهم جميعا تحدثوا عن المصالحات.ولم يبحثوا أمر الأموال المصرية بالخارج بل تجري تسويات خفية أو علنية كما الحال مع أحمد عز وسوزان مبارك.ولم يتحمل أحد مسؤوليات قتل الشهداء أو المصابين، لم ننجو من إحالة أمر الثورة وقضاياها غير في تحقيقات الاتحادية عكس رغبة مرسي، وفي أمر جنحة الهروب من سجن وادي النطرون، وعدا هذا فحدث ولا حرج.الذي يدعي أنه قيادة 30 يونيو كاذب.والذي يدعي أن عناصر الفساد ستغيب عن المشهد واهم.والذي يري أن المسؤولية تقع على الشعب ظالم.قال الدكتور أحمد أنيس رحمه الله عام 1972، "إن مصر حيرت علماء الاجتماع، لا تتحرك عندما يتوقع الجميع منها الثورة وتثور عندما لا يتوقع أحد منها الحركة". كل يوم تتأكد هذه المقولة، هل نستطيع مواجهة أنفسنا ولا نقبل بمن ندرك أنهم وصمة في جبين الثورة والساسة.مازلت مؤمنا إن ما كان في مصر قبل 25 يناير لن يعود، وان أطلت الرؤوس واستعادت مكانا لها فهو خطر على النظام الذي يفتح هذا الباب.ولعلنا ونحن نرى إن إدارة مصر تكاد تنتقل طواعية لمن أدار السنوات الثلاث الماضية أن يكشف عن انحيازه الاجتماعي والسياسي.مسؤولية القادم من أيام جسيمة، ويجب أن تجد رجالها.
571
| 07 يناير 2014
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه أداة لإعادة ترتيب القوي الاجتماعية خصما من حساب الشعب ولغايات غير التي يريدها، حالة انقلاب على الشعب عصب الثورة التي لا علاقة للأحزاب بها، ويتولي أمر الانقلاب على هدف الدستور من لا يملكون حقا غير أن الصدفة واختيارات مجهولة المنبع أتت بهم. هل قدر هذا الشعب أن يعطي من لا يملك لمن لا يستحق أمر تقرير مستقبل الوطن متجاهلا إرادة شعبية عبرت عن قدرتها في موجات متعاقبة وأزاحت نظامين، على أن تؤول سلطة الدولة لمن يعبرون وبصدق عن الثورة. اللحظات المفصلية في تاريخ الأمم تستوجب شجاعة مواجهة التحدي، وتمييز طبيعة التحدي، والاستعداد لدفع ثمنه، وغير ذلك هو إهدار للعمل الشعبي الذي أطاح بالعجز قبل أن يطيح بالأنظمة، وتجاوز التيارات والأحزاب، واستعاد الدولة، وحال دون انهيارها. التصحر السياسي في مصر جعل الكيانات السياسية نبت بري منبت الصلة بالمجتمع وقواه الاجتماعية، كالكلأ في البادية لا تتجاوز قيمته سوى أن ترعى عليه الأغنام. والغريب في الأمر أن ثورة الشعب وموجاته المتتالية أنتجت إقطاعا سياسيا ولم تنتج سلطة الثورة. وتمكن الإقطاع السياسي على غير معطيات الواقع والحركة الشعبية، حتى أن مقولة بدت همسا وآخذة في التصاعد حول ما جري في يونيو تقول "ليته كان انقلابا"!، دلالة كفر بالكيانات السياسية القائمة، والتي فرضت وللمرة الثانية خارطة طريق تحاصر الإرادة الشعبية وتستفزها، فما أن ذهب مبارك، حتى فتحوا الباب على مصراعية للإخوان وبمباركة أمريكية، وما أن ذهب الإخوان كنظام ليبدأوا حالة من العنف المريب، تم تسليم القرار في أمر الدستور إلى العجز السياسي أو الإرهاب السياسي الذي نجح وبرعاية أمريكية أن يحاصر ثورة يونيو باتهام أنها انقلاب عسكري، وتنشغل مصر الدولة في الدفاع عن نفسها، رغم ما كشفته المعلومات عن تماهي الإخوان مع أمريكا والكيانات الجهادية التي تحاول تكرار المشهد العراقي في مصر. من حدد أعضاء لجنة الخمسين؟ سؤال إجابته المباشرة هي الرئيس المؤقت ونائبه المستقيل ومستشاريه، ومن هم هؤلاء؟ سؤال تحمل الإجابة علية صفة القدرية. يبدو المشهد الآن في مصر أن هناك محورين للعمل، او هناك إيحاء بذلك. الأول يمثله الجيش في مواجهة الجماعات المسلحة في سيناء وتمتد المواجهة علي محيط الحدود المصرية. والمواجهة تصاعدت بعد 26 يوليو 2013 لتصبح مواجهة، لا تصل للصدام، مع أمريكا والناتو، وتدخل روسيا على خط تواصل مع مصر، ليس لمجرد الدعم السياسي ولكنه يشمل تحديث السلاح، وهو ما تحتاجه القوات المسلحة المصرية. ودخلت السعودية والإمارات العربية والكويت علي محور دعم اقتصادي، وبدأ الجيش أيضاً في عدة مشروعات عاجلة بامتداد خطوط السكك الحديدية والطرق والإسكان. الثاني كان تنفيذ خارطة الطريق التي أصابها العوار الأول باختيارها تعديل الدستور، ثم اختيار لجنة التعديل، ووضع بعض الكريمة عليها من رجال لهم وزنهم وأيضا بإضافة شباب من حملة تمرد إلى عضويتها، وكأنهم جاؤوا لاستكمال انقلاب مبارك علي دستور 1971، وفي غيبوبة عن حقيقة العلاقة بين الجيش والدولة والتي كانت درس هزيمة يونيو 1967 الأول. دستور الثورة كان مطالب بتحديد النظام الاقتصادي بعد أن تعامل مبارك مع كلمة "الاشتراكية" في دستور 1971 بالمحو، خطوة كان السادات قد بدأها علي الصعيد الاقتصادي بسياسة الباب المفتوح، ووصفه يومها أحمد بهاء الدين - والد زياد بهاء الدين نائب الببلاوي للشؤون الاقتصادية - بانفتاح "السداح مداح"، وهو تعبير عن ضياع القواعد وان يفعل كل من هب ودب ما شاء، ويومها وصفهم كامل زهيري نقيب الصحفيين "كنا فيما سبق مع رأسمالية البيوتات والآن نرى رأسمالية البوتيكات"، لينتهي الأمر إلى نزع أراضي الإصلاح الزراعي بالقوة من الفلاحين، ثم الخصخصة لهدم القطاع العام وإحالة العمال إلى المعاش المبكر. وانتقل مبارك إلى مرحلة تزاوج الثروة مع السلطة، وصار الشعب عبيد إحسانات مبارك وانعدام النظام الاقتصادي. ولم يحاول أحد أن يبحث ماهية النظام الاقتصادي القادر أن يعبر بمصر حالة الإفقار (40%) تحت خط الفقر، وأي قارئ للدستور لا يجد تصورا متماسكا للتنمية، ولكنها كلمات وعبارات لا تكون نظاما. وكانت النقطة الثانية هي الفرز والتطهير، للتخلص من مكونات نظامين سيطرا علي إدارة الدولة، ولكن رئيس لجنة الدستور يصرح أنه لا عزل سياسيا!، وجل مقوماته انه كان مرشحا للرئاسة وعلاقته بالثورة محاولة لدخول ميدان التحرير ذات يوم، واعترضه أهل التحرير في حينها وأخرجوه. وثالثة القضايا وأكثرها حساسية، هي العلاقة بين الجيش والدولة، وهو أمر لا ترفضه المؤسسات العسكرية المحترفة بل هو داعم لها، ولكن تناول أمر الجيش بما جرى أحال الجيش من مؤسسة القتال والقلب الصلب للمجتمع، إلى فئة وليس مؤسسة محترفه. وبات واضحا أن الجيش لا يثق في النظام القادم ووضع مادة انتقالية تفرض اختيار وزير الدفاع والقائد العام من قبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة. ثم الحملة الإعلامية بأن الموافقة على الدستور تعني رفض الإخوان!، ولا أرى هذا الرابط سوى استخدام المشاعر الرافضة للإخوان، وان الموافقة تعني دعم مواجهة الإرهاب، وأنها تعني نعم لـ 25 يناير و30 يونيو، وكل هذا لا رابط بينه وبين الموقف من الدستور. ليس من المنطق أن يجرد العمال والفلاحين من مكسبهم النيابي، بينما البحث عن المصالحات مع الفساد، والإخوان، يتم كأنه قدر محتوم. من يجهض حركة الشعب؟، وهل يقبل جيش العمال والفلاحين هذا الانقلاب على القوى العاملة في مصر؟، وكيف الأمر بعد إقرار الدستور والدخول لباقي استحقاقات خارطة الطريق؟، وهل سيبقى الشعب قابلا بالإقطاع السياسي أم أننا أمام معضلة جديدة في مسلسل الفرص الضائعة؟.
477
| 10 ديسمبر 2013
الشباب في مصر هو قضيتها الأساسية، هم زاد التغيير وعصبه، وهم حاجة الوطن ومستقبله، وتتحول قصة الثورة والشباب إلى قصة السلطة والشباب، ليرى الشباب حلمهم ينطفئ، وتتحول العلاقة من حوار واجب إلى استبداد يبدأ على استحياء لينتهي واقعا مريرا. ناقش يوسف شاهين وصلاح جاهين هذه القضية مبكرا في فيلم "عودة الابن الضال" عام 1976، وكان علي المدبولي رمزا لشباب جيل الثورة ويصف صلاح جاهين حال هذا الجيل على لسان علي في أغنية الشارع لنا بقوله "مشوار بديته وقلبي بالأمل مليان... جمل الطريق عضني وطلعت أنا خزيان... أحلى ما في الحلق طعم المر للذكرى... شوفوا المرار لما يبقي حلو يا جدعان"، وترد الأغنية على علي المدبولي: "كان وعد منك وحلم منا قالت الشفايف شافت عيونا قوس الشتوية سبع تلوان"، وكأنه حوار بين جيل الثورة وجمال عبدالناصر، لينتهي الفيلم بحمام دم وقتل وكأنه استشراف لما يحمله المستقبل، وما كاد الفيلم يعرض حتى انفجرت الحرب الأهلية اللبنانية وكان الظن أنها حدود الانفجار، ولكن الأيام قالت إن توقعات رؤيتهما تتجاوز وتمتد بالزمن 37 عاما لتشمل دول عربية متعددة ومصر كذلك. علي عبدالعظيم شاب من شباب يناير، طالب بنهائي آداب إسباني، يملك قدرة غنائية أدت إلى فوزه بالمركز الثاني في إحدى المسابقات خلال أكتوبر الماضي. لينضم إلى دور الغناء في الثورة المصرية، أغان أغلبها تحمل شجن الألم والأنين، ولكنها تعبير عن جيل بأكمله غير طبيعة العلاقات في مصر. علي ابن أسوان، والمنتمي للجعافرة، ابن النيل والسد العالي، إضافة اخمن لون آخر. في وسط القاهرة بالأمس كانت مظاهرات لطلبة هندسة القاهرة بسبب مقتل طالب بالكلية أثناء مظاهرة الأسبوع الماضي، ليدخل معهم طالبان الإخوان ويحاولوا دخول ميدان التحرير، وفي الوقت ذاته كان شباب الثورة يحاول أن يتجمع بميدان طلعت حرب لموقف من قانون التظاهر، لتبدأ عدة مواجهات بين الأمن وبين هذه التجمعات الشبابية، لتمتد بالشوارع الخلفية لوسط المدينة، وكأن الشباب صار هو قضية المواجهة، واختفى الحوار السياسي، وكأن هناك من يريد للأمر انفجاراً جديداً في لحظة يحتاج الوطن للحمة بين أطيافه، ودائما ما يقولون ابحث عن المستفيد؟ فهو وراء ذلك كله. هناك في وسط القاهرة شوارعها الرئيسية، وأيضا الخلفية، وخلف مقهى ريش الشهير، هناك ممر يصل إلى مقهى زهرة البستان، في ريش يجتمع سياسيون ونخب، وفي زهرة البستان علي شارع يصل بين شارعي صبري أبوعلم وشارع هدى شعراوي يتجمع غير النخب والسياسيين حرافيش الثورة، حيث يحيل جرسون المقهى "أيمن" العلاقات إلى بيت للعائلة. في آخر الليل يتجمع الشباب يتداولون قصص اليوم والأخبار، ليصل علي عبدالعظيم ويصيب الجميع بحيوية، ويجلس بين مجموعة ويبدأ الغناء دون موسيقى، ليصمت كل الجالسين ويسمعوا. أضاف علي للغناء أمرا آخر، أنه لا يغني فقط بين أصدقائه أو على المقهى، ولكنه يغني أمام أقسام الشرطة ومباني المحاكم عندما تكون هناك قضية تمس شباب الثورة، وما أكثر هذه القضايا. تم القبض على مجموعة من الشباب أمام مجلس الشورى في اليوم التالي لإعلان قانون التظاهر، وقامت الشرطة بفض التجمع الخارج على قانون التظاهر، ولم يكن الفض مواكبا فقط لما يمنعه قانون التظاهر ولكن تم خلاله ممارسة أساليب قديمة تعود إلى ما قبل يناير 2011. جرى التحقيق مع الشباب في قسم التجمع الخامس، وذهب علي مع رفاقه إلى هناك وجلسوا أمام القسم الذي يحيط به الأمن المركزي من خلف حواجز حديدية، لتبدأ سلسلة مشاهد تكشف معدن الشباب المصري على جانبي الحاجز الحديدي، بدأ علي بالغناء أمام الجنود بأغنية لمحمد منير من فيلم حدوتة مصرية، والأغنية تحمل ذات اسم الفيلم. وجذب صوت علي ضباط شرطة شباب أخذوا يتقاطرون واحدا وراء الآخر ليسمعوا ثم يبتسموا ويشاركوا في الغناء، مشهد يجري تداوله على صفحات الإنترنت، وينتهي المشهد بعناق بين علي وضابط شرطة، وكأننا أمام نهاية العالم عندما نظر البعض للموقف أنه دعم هنا أو هناك، ولكن الحقيقة أنه معدن هذا الشباب أيا ما كانت وظيفته، أو الزي الذي يرتديه. هذا العناق الوجداني بين شابين مصريين واجهه على جانب آخر تصريح من مستشار الرئيس المؤقت للإستراتيجية والذي بدأ دوره مستشارا سياسيا دون معرفة لما يعنونه من تغيير المسمي الوظيفي، ينفي فيه أن لقاءات ستتم مع شباب الثورة لمراجعة قانون التظاهر وكأن هذه اللقاءات عار يجب التخلص منه بنفيه، وكأن أيضاً إصدار هذا القانون وممارسات الداخلية التي تعود إلى ما قبل يناير ليست انتحارا من سلطة مؤقتة كان مقدرا لها أن تكون سلطة بروتوكالية وليس سلطة تحديد العلاقات بين شباب الثورة وغايات الثورة العليا. هناك فجوة تتسع بين السلطة المؤقتة وبين المواطنين، والشباب هو العنصر الحيوي والفعال في كتلة الشعب. قدمت السلطة لنفسها بقانون التظاهر، وقانون منع رسومات الجرافيتي على الحوائط التي أرخت للثورة، يعاقب بالسجن أربع سنين وغرامة 100 ألف جنيه بينما القتل الخطأ عقابه سجن ثلاث سنوات وغرامة ستة آلاف جنيه، وقانون الإرهاب، وقانون حماية الوزراء، سلطة تنتحر غير عابئة بما يترتب على ذلك، وأيضا يبقى سؤال من المستفيد من إزكاء حالة التوتر هذه؟ علي المدبولي هو رمز لشباب الثورة بعد 1967، جيل بأكمله، وعلي عبدالعظيم هو رمز للمواجهة بالوجدان بعد ثورة يناير، كلاهما يعاني من طعم المر في الحلق ويستسيغه، يقبل به ولكنه يحاول التخلص منه والعودة للأمل. القوانين إن لم تخدم الحوار داخل المجتمع هي قوانين العناد والصدام، فمن هو المستفيد من جراء هذا؟ سؤال معلق بلا إجابة حتى الآن.
1534
| 03 ديسمبر 2013
يبدو أن قدر الشعب المصري أن تبقى حركته فوق حبال مشدودة وعليه بكتلته الواسعة أن يدفع وحده الثمن، بينما في الواقع يتعرض وجوده وتاريخه وأمل المستقبل لديه لأخطار لم يكن هو صانعها، وكأن ظاهرة "الفرص الفرص الضائعة" هي قدر المصريين. رغم الاختلاف بين الفترة الانتقالية الأولى بعد 25 يناير 2011 والثانية بعد 30 يونيو 2013، غير أن وجه الشبه بينهما هو دفع الشعب المصري إلى حائط العجز، يفرض عليه اختيارات تجرده من مردود ما أطلق عليه العديد من المحللين السياسيين تغيرا جوهريا في معنى الثورة الشعبية السلمية. في أعقاب يناير 2011 تشكلت لجنة للتعديلات الدستورية اختارت أن تبدأ بالانتخابات النيابية، ثم تضع دستور ما بعد الثورة، وكان ذلك أول خطوة نحو إجهاض نتائج حركة الشعب، وفي الاستفتاء على التعديلات الدستورية مارس 2011 ترددت مقولة "نعم للدستور هي نعم للاستقرار"، لتنقلب إلى "نعم للدستور هي نعم للإسلام"، ولتسقط نتيجة الاستفتاء كل الأقنعة عن الجميع، وتعلو نغمة غزوة الصناديق، وتخرج كل طيور الظلام من جحورها داخل عباءة الدين والتكفير، وكان الحديث يومها عن أن توافقا أمريكيا إخوانيا ضد ثورة الشعب يقارب حد الجنون، ولكننا كنا نقوله. ويومها كانت بقايا الأحزاب السياسية والنخبة كافة تسير في عكس الاتجاه، وتسعى إلى تحالفات تعوض بها حالة الوهن في قدراتها وعلاقتها بالثورة وبالشعب، بل إن حالة من الشبق إلى كرسي الرئاسة أدارت الرؤوس لينتهي الأمر بالشعب أيضاً لأزمة اللحظة الأخيرة، ويفرض عليه في انتخابات الإعادة أن يختار بين ممثل لنظام مبارك أيا كانت محاولات التجميل، وبين ممثل للإخوان تحت عنوان الثورة وهو في الواقع خاطفها وسارقها. ودفع الشعب ثمن الخطر، وكادت الدولة أن تتحلل، وفرض على الشعب الخروج الثاني لمحاولة الحفاظ على الوطن. ليس من العقل في شيء إلا أن نراجع مواقف كافة الأحزاب والتيارات السياسية والنخب أيضا، وبات واضحا أن الشعب يسبق الجميع، وهو أعزل من التنظيم أو القيادة ولا يملك للمستقبل غير شعارات الأمل، بينما الخطر يهدد وجوده ذاته. وليس من العقل أيضاً التغافل عن وقائع ثلاثين شهرا سبقت يونيو 2013. وليس من العقل ولا الإنصاف التغافل عن متغير رئيسي بانحياز القوات المسلحة للمطلب الشعبي بإنهاء سيطرة الإخوان، انحياز اختياري وليس مجرد توافق الإرادة الشعبية مع رغبات رفض التوريث. ولكن كان هناك جديد يضاف إلى الصراع، فالأمر تجاوز مجرد ثورة شعب يسعى إلى التخلص من نظام فاسد أو استبداد قبل يناير أو بعده، ولكن جديدا أضيف إلى الصراع ينقل سلمية الثورة إلى حالة من الدم والتدمير والانقسام واختلاط الفرز واتضح أنه لاستعادة الوطن ثمن فادح يجب دفعه. مواجهة لعنف مسلح في سيناء مما يسمى بالتنظيمات الجهادية، وأعلن عن حضور القاعدة إلى سيناء، ثم حالة من الانتحار لجماعة الإخوان، بلغت الآن حد استدعاء تجربة طالبان إلى مصر، ولتدخل بمصر بذلك ضمن حالة الفوضى بالمنطقة كلها التي تكشف حقيقة إستراتيجية الخارج نحو إجهاض الحالة الشعبية في مصر، واستبدالها بحالة الصراع بين المجتمع وتيارات الإسلام السياسي، لتتوارى أهداف الخارج وراء أستار دينية محلية. تحمل الشعب الثمن الباهظ، وتحملت القوات المسلحة والشرطة مسؤولية مواجهة العنف، وانكشفت الأحزاب والنخب والإعلام وفئات كان مقدرا لها أن تكون قوة المواجهة الناعمة لتفضح أمر ما أصابها من وهن. أثبتت الفترة من يونيو حتى اليوم أن التعجل ومحاولة التوافق حول خارطة المستقبل عادا بنا ثانية إلى خيارات اللحظات الأخيرة التي يدفع النضال الوطني ثمنها. وبديلا عن الوعي بطبيعة المرحلة وما تحتاجه من وحدة كافة القوى الرافضة للاستبداد والساعية لتحقيق غايات الثورة، كانت السياسة تفرط في الحركة الشعبية، فإذا جاز لنا أن نتهم الإخوان بالاستبداد والتفريط في الوطن وإصابة الشعب بحالة الانقسام، فالنخب السياسية لم تستوعب الدرس، بل إذا جاز التعبير فإنها تضع دستورا ينقلب على مكاسب سياسية لقوى اجتماعية هي عصب الوجود الشعبي وحركته، بل صار الدستور يتحدث عما تريده النخب العاجزة عن الوجود بذاتها ولذاتها، وهو نفس المنطق الإخواني. ومع تصاعد أصوات تحذر من أداءات داخل لجنة الخمسين المكلفة بوضع الدستور، بدأ حديث عن "نعم" للدستور حتى نكشف الإخوان أمام العالم وأن الشعب يرفضهم. ذات المعادلة تتكرر، شعب يخرج بالملايين، وإرادته يجري اختزالها في قاعات مغلقة تحيا أوهام من بها. ولكن كما أن التاريخ لا يعيد نفسه، فأيضا الخطر يتجاوز مجرد خيارات اللحظة الأخيرة والتي يمكن تعديلها لاحقا. الخطر في مصر وعليها الآن داخلها، القاعدة وطالبان الإخوان، ومن خارجها في لعبة الصراع حول المنطقة، هي حرب تهدف إلى استرداد المبادأة بعيدا عن الإرادة الوطنية للشعب المصري والأمن القومي العربي. ووسط صوت طبول الحرب التي تصم الآذان، ورائحة الدم، تجب الإجابة عن سؤال دائم وملح في اللحظة، "ما العمل؟". لن نهرب إلى مقولة "الذين يريدون الحياة عليهم أن يقاتلوا من أجلها"، ولكن يجب أن ننظر إلى السبيكة الوطنية اللازمة في هذه اللحظة. أولا يجب الاعتراف بعجز القوى السياسية والأحزاب عن التعبير عن الشعب، وهو أمر يجب إدراكه عند وضع قانون الانتخابات النيابية. ثانيا يجب الاعتراف بعجز من تبقى من مجموعة الثلاثة عشر التي ترشحت في انتخابات الرئاسة عام 2012، وأنها إن كانت تتكلم فهي عاجزة عن الفعل، وليس هناك فرصة ليكون الشعب وحاجاته حضانة لعلاج المبتسرين سياسيا. ثالثا أن قانون ممارسة الحقوق السياسية يحتاج إلى أن يتسم بشجاعة الإرادة الشعبية، وأن يكون أداة فرز وتطهير بقدر ما يكون عادلا في ذلك دون أن تصيبه رعشة أو تردد. رابعا أن إدراك أبعاد الصراع الذي دخلته مصر، يستلزم إدراك المتغيرات العالمية وما يلم بها، وهي خلال فترة الأشهر الماضية أخذت في التحول عن ميادين قتال كانت قائمة أو متوقعة، وهي لا تفعل هذا لتركن إلى هدوء المدافع، ولكن من المؤكد أن ميادين جديدة يجري إعداد ساحة المعركة فيها، وعلينا أن نعلم أننا في القلب منها، وعلينا أن نعد أنفسنا لها، فإذا كانت مصر والسودان واضحة للعيان، فإن السعودية ذاتها دخلت ميدان المعركة القادم، والبدايات من الحدود العراقية السعودية، بينما الحدود الجنوبية للسعودية مهيأة لذلك من قبل. خامسا أن القلب الصلب لمصر الوطن متمثلا في القوات المسلحة، أثبت قدرة على إدارة المرحلة الماضية، بل وتجاوز حد أن 99% من أوراق اللعبة بيد أمريكا. سادسا إذا كانت الحيلولة دون القاعدة وطالبان الإخوان في مصر تحتاج مواجهة أمنية، فإن الاحتياج الاقتصادي والسياسي للمجتمع المصري هو البيئة الحاضنة والداعمة لهذه المواجهة. سابعا أن خطابا سياسيا واضحا يعرض للحقائق لم يعد اختيارا بل هو واجب، ومراجعة النفس مع الشياب أمر حتمي. ثامنا أن إعداد أرض المعركة من جانب مصر، يحتاج إلى رؤية إستراتيجية عربية، لمواجهة تتجاوز الإخوان ولا تعطيها أكثر من كونها إحدى أدوات المواجهة مع العرب ومصر. نحن في حاجة إلى تجاوز أزمات اللحظة الأخيرة، بكل الإرادة، وباصطفاف شعبي، وبيقظة اختيار لمنظومة الرئاسة القادمة بعيدا عما هو معروض علينا.
487
| 26 نوفمبر 2013
الاكتفاء بتوصيف الحالة الراهنة في مصر والوطن العربي وتوزيع الاتهامات دون النظر وبعمق إلى ما نريد ونحدده بعيدا عن حالة الشعارات، في رؤية ومهام وآليات وقوى اجتماعية، هو هروب إلى الأمام لا يتحمله الوطن ولا يتيحه عالم اليوم. تخطى العالم بعد الحرب العالمية الثانية مراحل متعددة لكل منها طبيعة وإستراتيجيات جرت صياغتها لإدارة الوجود والبقاء لأي من أطراف الصراع، تحشد له كل القدرات والإمكانات، بل إن الصراع من أجل البقاء كان الحافز الرئيسي للتقدم والتطور الصناعي والعلمي. انتهت الحرب العالمية الثانية لتترك العالم في حالة انقسام وصراع بين طرفين، نحن خارجهما، ولا تعدو المنطقة العربية غير مستعمرات لإمبراطوريات تلفظ أنفاسها الأخيرة، ولا يحكم نظر العالم إليها غير أنها منطقة تملك منابع الطاقة التي يحتاجها التقدم، وتحيا فوق أرضها شعوب لا تملك معرفة تؤهلها لاستخدامها، لينتقل الاحتلال العسكري إلى السيطرة بالمعرفة. وورثت المنطقة بالإضافة إلى ضحالة المعرفة، الكيان الصهيوني فوق أرض فلسطين، لتتشتت الرؤى والجهود الوطنية بين استقلال الأوطان كمهمة مباشرة ومن ثم تحقيق حياة كريمة للشعوب بجهدها وعملها وعلمها، لترث مهمة مواجهة فرضت عليها من خارج التاريخ والقيم الإنسانية، ليصبح الدفاع عن الكيان الاستيطاني في فلسطين هو الإنسانية، ولم يقبل هذا الكيان أن يحيا داخل العباءات التي تدعمه، ولكنه وضع إستراتيجية محددة بأن بقاءه مرهون بقدرته على مواجهة كل الدول المحيطة به مجتمعة، ولم يتهاون في أعمال قانون التفوق بالقوة. صمتت مدافع الحرب العالمية الثانية لتنتقل الأطراف إلى حالة توازن تحت سياسة حافة الهاوية، وعندما اعترفت الأطراف بالرعب النووي المتبادل، دخل العالم إلى مرحلة الحرب الباردة، واتجه الصراع إلى الحرب الخفية، وخلخلة الأنظمة من الداخل في المواجهة المباشرة بينهما ولتجري ترجمة ذلك إلى سباق التسلح، وهو بالأساس سباق معرفي وعلمي يستهلك من القدرة الاقتصادية للأطراف قبل أن يضيف إليها، ومن ناحية أخرى دخل التنافس والصراع حول من ينشدون الاستقلال الوطني وثرواتهم ورؤاهم للمستقبل، وكان الفعل الغربي متقدما وجودا وتأثيرا بتاريخ يمتد إلى عصر الاستكشافات ثم بوجود يتصل بزمن الاستعمار. انتهاء زمن الحرب الباردة وسباق التسلح إلى تفكك دول المنظومة الاشتراكية، لم يكن إشعارا بإبادة هذه الدول أو هزيمة إرادة البقاء لديها، ولكنها كانت إشعارا ببدء مواجهة جديدة تستدعي رؤى وإستراتيجيات وقيادات غير تلك التي وصلت بالإنسان داخلها إلى إحساس أنه لا يحيا انتظارا لوعد العدالة والرخاء ليتحول الحلم إلى كابوس انتظارا للحظة الموت الذري حال اندلاع المواجهة. كانت المنظومة الاشتراكية أقرب إلى التفكك من خصمها في الغرب لأنها كانت تعتمد بالأساس على قدراتها الذاتية، بينما كان الغرب يسيطر على منابع الطاقة والأسواق والممرات والجرأة على الحسم بالتآمر والقتل والحرب. مازال الإنسان في الغرب يعاني من توحش النظام الرأسمالي مهما كانت سطوة آلته الدعائية، لتواجه أمريكا أزمة الرهن العقاري ثم أزمة مشروع التأمين الصحي، وتصل قيم الديمقراطية أن تتصرف أمريكا كما تتعامل الشركات المفلسة وتوقف العمل في إدارات الدولة وتمتنع عن دفع رواتب العاملين. بدت دول العالم الثالث كمن وقع بين مجموعة تروس جبارة تفتك به وهو لا يملك الفكاك منها، وكل ما يتاح له أن يلحق بقطار التبعية لأي من هذه التروس، إلحاق طفيلي لا يملك حق البقاء أو النمو. وأضيف فوق هذا القانون في منطقتنا العربية، قانونا آخر هو أمن إسرائيل. كان درس الاستقلال الوطني ومحاولات التخلص من التبعية والتنمية المستقلة يجد ضالته المرجعية في دعوة القومية العربية، والتي تستدعي نداء الوحدة. لكن من يقبل بهذا في عالم تديره مجالس إدارات الشركات العملاقة، وأصبح العرب عندهم مجرد سوق عمالة واستهلاك، ودون هذا فالعرب عبء على عالم القرن الواحد والعشرين. سيطرة معرفية على مقدرات المنطقة، واستنزاف لثرواتها، وإزكاء الصراع بين أنظمتها، وتفكيك العقيدة الدينية واستخدامها، كل ذلك كان أدوات للسيطرة على المنطقة مضافا إليها حربا نفسية تشوه كل محاولات التحرر والتنمية وبأنها هي سبب التخلف وليست محاولات لكسر سلاسل التبعية وامتلاك المقدرات الوطنية. ولأن كل هذا مجتمعا لم يضرب إرادة الشعوب في مقتل، بل كان الظلم والاستبداد وغياب الأمل عوامل تمثل المضادات الحيوية للجسم الشعبي في الأمة كلها وتحول دون فقدان الإرادة، مهما طال الصمت أو كان الثمن، فقد انتقلت المواجهة إلى تفكيك الكيانات الراغبة في التوحد، ثم الحرمان من أسباب البقاء، وتضاف إلى ذلك مصادرة المكون الثقافي والعقائدي للشعوب. إن أزمة مياه النيل وسد النهضة الإثيوبي ليست بعيدة عن تلك الحرب. والاستيلاء على مخزون البحر المتوسط من آبار الغاز والبترول يدخل في ذات الإطار. وحرب القروض والمعونات وصندوق النقد الدولي جزء من الحرب على المنطقة. والسيطرة على مصادر السلاح عصب أساسي في المواجهة. وانفصال جنوب السودان وما ينتظر دارفور، والقتل للشعوب في العراق وليبيا واليمن وسوريا، وبآلة تنظيمات جهادية ترفع شعار الدين فصل من فصول التفكيك والتفتيت. وتحويل المضمون الاجتماعي والوطني للحركة الوطنية من حق الحياة والبقاء إلى دعوات حقوق الإنسان كما تراها آلة الدعاية الغربية، وتوفير شبكة احتضان وتمويل ورعاية وتنظيم لهذه الدعوات، أفرغ الجهد الوطني من اتجاهاته الرئيسية، وجرى تقسيم المجتمع إلى فئات تتصارع ولا تتكامل، حتى أننا نجد التعامل مع الجيوش الوطنية لا يتسق وحقيقة وجودها وعلاقتها بمجتمعاتها، ولكن تجري إعادة توصيفها إلى فئة داخل المجتمع وما يترتب على ذلك من خلل يصيب مفهوم الدولة ومفهوم الأمن القومي. إن عدم استيعاب ذلك كله، والاستغراق في أن التحدي الذي نواجهه هو تحد بين مكونات المجتمع ذاته، هو غفلة يدفع ثمنها الوطن وأول خطوات الهروب من المسؤولية. صراع الإرادات داخل الوطن إن لم يملك آلية للحوار، يحمل في طياته مخاطر الحرب الأهلية، ويفتقد حقيقة أن الصراع في عالم البشر ليس صراع إبادة، ولكنه صراع تعديل شروط البقاء، وإن غاب هذا المفهوم انقلب المجتمع إلى غابة من الحيوانات وليس مجتمعا إنسانيا. تحاول الأطراف في مصر أن تحدد لأنفسها ملامح بعد أن طغى العناد والعجز والجهل المعرفي على رؤية واستيعاب الأحداث. واختلاط الملامح وتشوهها الحاد والمكابرة زاد من صعوبة اجتياز المرحلة بطريقة آمنة تحول دون المساس بالقدرة الوطنية وانهيار أمن الوطن، والذي يشترط تحققه استيعاب الأطراف لحدود الخصومة وضرورة الإقرار بحق الحياة والحفاظ على مقومات البقاء. الأطراف في مصر تكاد تتساوى في الخطأ أو الجرم وفي المسؤولية. طرف يرى أن ما جرى في يونيو 2013 انقلاب على الشرعية، والطرف الآخر يرى أنه استرداد للثورة من خاطفيها. ولكن الطرفين لم يدركا أن أيا منهما ليس التحدي الذي يواجهه الوطن وأن كلا منهما لم يعد مرشحا لعبور الأزمة. ولعل الأدعى إلى المراجعة هو الحالة التي وصلت إليها الحكومة الانتقالية، ونزوعها إلى وضع مجموعة من القوانين تضعها في مواجهة حركة المواطنين، بطرح قوانين التظاهر والرسم على الحوائط وحماية المسؤولين من المحاسبة وأخيرا قانون الإرهاب. سلسلة من القوانين كان يمكن أن توصف بالاستبدادية لو كان الوضع في المجتمع قد تجاوز مواجهة العنف والمنظمات الإرهابية في الداخل. إن أداء الحكومة القائمة يستدعي النقد بعد أن كانت تحظى بقبول نتج من تجدد الأمل بعد إزاحة نظام الإخوان. أصيبت الوزارة الانتقالية بالشلل، ولم تدرك أن البناء يحتاج كل لحظة تمر، وأن انقضاء الزمن بالعجز، ليس في صالح الوطن، بل قد يستدعي خروجا جديدا للتعبير عن الإرادة الشعبية، وهو أمر سيؤدي لأن يكون الشارع هو ساحة المواجهة، وما تجنبته مصر في 30 يونيو من اقتتال بين أطياف الشعب يصبح واقعا. التردد لا يصنع موقفا، والأيدي التي تحتاج حماية دون المحاسبة على أفعالها، أيد مرتعشة وغير مرشحة للإعداد لمستقبل الأمة. المكابرة والعناد والأسئلة الكثيرة والمتزايدة عن المستقبل دون إجابات، ودون خطاب سياسي واضح، تفتح الباب للتخمين والتوجس، ويحتل الوهم مكان المعرفة في العقل الجمعي للشعب، وتهدر عقيدة الحفاظ على الوجود والبقاء، ويكرس العنف بديل غياب الأمل، وهو ما يعود بالوطن إلى ذات الحالة قبل يونيو 2013.
552
| 12 نوفمبر 2013
حديث السياسة المتأنق لغة وصياغات عما يجري في مصر، يبدو مع الوقائع هروبا من الحقيقة، والولاية على الشعب والثورة تبدو أيضاً لونا آخر من القرصنة واختطافا جديدا للثورة والدولة. استهلكت كلمة الشرعية واستبيحت حرمات كثيرة وجرى التجرؤ على قواعد استقرت في علم الثورة والسياسة وتكوين الدولة، وتجري ممارسات في مضمونها فوضى تحت عناوين هزيمة الخوف، وتحبس الثورة في نطاق تفاصيل جزئية، ويبلغ السفه مبلغه عندما يقع ذلك كله ويصمت من يدعون الفكر والثقافة. تبدو مصر وقد تحولت إلى ساحة للتقاضي وليست ساحة للثورة، محاكمات وإحكام، مظاهرات واعتداءات، كيانات تولدت بلا جذور وغيرها ادعت ملكية الدين، أمراء السياسة وليسوا أمراء الحرب، ولكنهم يشاركونهم في تجارة الأفيون. الأفيون المنتشر في ربوع مصر الآن لا علاقة له بزهور الخشخاش، ولكنه لون جديد من الأفيون تنتجه أجسام عطنة وعقول احتلتها الأنا وهي تتغنى باسم الشعب، فأطاح بالكثير من المفاهيم والقيم الحاكمة للعلاقات في الوطن، وأكثر من هذا حوَّل قضايا الثورة والتغيير إلى عراك بلا هدف غير النفي والإقصاء والاستحواذ، وانتقلنا من توصيف المجتمع بقواه الاجتماعية، إلى توصيفه بالقدرة على الصلف والبلطجة ولو تحت عباءة الدين، أو عباءة الرياضة، والفارق بينهما يتسع ليشمل كل مقومات الحياة. في الفترة قبل يونيو 2013 كان واضحا أن هناك من يمكن اتهامه بمحاولة الاستحواذ وتفكيك الدولة، ولكن ما بعد يونيو 2013 تعددت الكيانات التي تتولى المهمة بالوكالة، وكأننا بواحدة من جمهوريات الموز، قوى من الخارج وتجار الكوكايين وجماعات مسلحة تعلن أهدافا سياسية وفساد يعشش في ثنايا المجتمع، والضحية لهذا كله مجتمع في القاع يعاني الجوع والمرض والجهل والاغتصاب، وإذا كان الاغتصاب الجنسي مرفوضا، فإن اغتصاب الشارع والأماكن واستعمال العنف يصمت عنه المجتمع في مصر وكأنه من طبيعة الأشياء أو كان ينشده أو أنه لا يراه خداعا للنفس وهروبا من المسؤولية. الحقيقة المفزعة التي تطل من ثنايا صخب الأفيون المصري، أن الشعب فقد ثقته في الجميع، وهي مرحلة تكلل فيها الفوضى بداية تحلل القيم والانفلات والبحث عن بديل للصبر والدولة ومؤسساتها، هي بدايات لظلام لا يعلم أحد مداه. صخب الأفيون المصري نقل الثقل من حركة للشارع مثلت نقطة التعادل والمواجهة لنظام مبارك بكل ما عليه من مآخذ، نقله هذا الثقل إلى جماعات تحاول أن تثمن وجودها بادعاء الولاية على الشعب وحركة الثورة، وهي بما تعلن وتفعل تمارس تفكيك الوطن والدولة على حد وعي قاصر أو عبقري لم يستوعبه الشعب بعد، وأضاف إلى إرهاب العنف إرهابا فكريا ومعنويا تجري ممارسته من الذين هبطوا من سماء الثورة على المجتمع المصري، أسماء أو كيانات كل رصيدها أنها تحمل ختم الحصانة من اسم ميدان أو شارع أو موقف، وصارت بذلك تملك حق الولاية، يدعون الثورة ولا يدركون أن من أهم قواعد الفعل الثوري المجرد، أنك تحمل شرف البداية ولكنك على أي نحو لا تملك حق الولاية على حركة مجتمع بأكمله. صخب الأفيون المصري وصم كل من مارس العمل العام زمن مبارك بالفلول ولم يتخذ موقفا من التطهير أو من الفساد وخلط بين الحق الإنساني وحق الوطن، وجرى نسخ تعبير العدالة الانتقالية للتهرب من حق المجتمع في المحاسبة، وعجز عن إيجاد تصور للمستقبل فهرب تحت دعاوى العدالة الانتقالية أيضاً إلى ما أسماه بالمصالحة، وعجز عن وضع قواعد للمشاركة في الحياة السياسية، وادعى فضلا من أدعيائه بلا حق يملكونه أن العزل السياسي لا مكان له وكأنه فعل من الشيطان وليس فعلا في مواجهة الفساد والفاسدين. وصخب الأفيون المصري تعامل بعدم معرفة أو علم مع قضية الجيش المصري والدولة. أفقد صخب الأفيون حقيقة موقف الجيش المصري في 25 يناير، وكأن ميلاد مصر يبدأ من حيث يولد لدى الصاخبين بالأفيون بميلاد وجودهم، وكأن الجيش المصري لا يملك تاريخا أعمق من ميلادهم ورصيدا يجعل من العلاقة بين الجيش المصري وقضاياه الوطنية علاقة تكامل لا تضاد ولا تنافر، وكأن الأمن القومي، الذي هو بالضرورة مجموع مقومات الوجود والحفاظ على البقاء، لديه بديل عن الجيش والشعب. وصخب الأفيون المصري يمزج بين الأخطاء وبين مقومات الوجود، ولا يعيد الوعي بمكونات القوة للوطن. وإذا كنا ننكر على صخب الأفيون المصري الذي يملأ الأفق المصري بادعاءات ضد الجيش المصري، فإننا في الوقت ذاته لا ننكر أخطاء الفترة الانتقالية، ولن تعود الصحة النفسية للعلاقة بين الجيش والشعب بغير قراءة دقيقة للفترة الانتقالية، نحتاجها نعم، ولكنها لا تستبدل صحة العلاقة بتربص الثأر، فاستبدال الخصومات هو طريق الانهيار للثورة ولعناصرها المخلصة. وصخب الأفيون المصري يتجاهل حقائق ميلاد 30 يونيو 2013 وموقف الجيش الحاسم لإرادة الشعب، ويبقى من حوله جدلا آخرس مبهما لا يملك نورا ولكنه يشيع ظلام خصومة مدعاة بين الشعب وقواته المسلحة. إن صخب الأفيون المصري يحيل الوطن إلى ساحة عراك غير مبرر بين قوى الفوضى وبين مكونات الدولة، لن يدفع الزاعقين وصانعي الصخب ثمنا له، ولكن مصر كلها ستدفع الثمن، والصورة من حولنا تتحرك فيها القوى والعلاقات والأهداف لتعيد السيطرة وتقتل الإرادة الشعبية أو تنحرف بها عن مرادها. لو أنهم تخلصوا من صخب الأفيون وراجعوا بالعقل نقطة مفصلية في عام 1967 لوجدوا أن مراجعة علمية وموضعية للعلاقة بين الجيش والدولة، ولكن تعجل المغانم يدفع بالصاخبين إلى النظر تحت أقدامهم فتطيح برؤوسهم جلسات الكلام والجدل الأجوف. إن مشهدا آخر يجري في رحاب الجامعة، يأخذ من رصيد الحركة الوطنية الطلابية ولا يضيف إليها، مشهد أحال الحركة الطلابية إلى حالة من البلطجة، في مواجهة المكان والمضمون والأساتذة، وصارت ظاهرة العنف للجماعات الإسلامية التي دخلت الجامعات على يد محمد عثمان إسماعيل وعثمان أحمد عثمان وأنتجت كل من نراهم من قيادات التيار الإسلامي، تتحول من الاقتتال في مواجهة الطلاب إلى تدمير الجامعة والتجرؤ على قيم دامت داخلها أنها ضمير للأمة يعبر عنها ولا يتحداها، وليس قوة تغيير. إن ما يجري في الجامعة يزيد من علامات الاستفهام والتعجب لدى جموع الشعب، ويدفع بالحركة الشعبية إلى أتون إنتاج عنف لم يره المجتمع المصري من قبل. إن مشهد الصخب الأفيوني المصري في الشوارع من مظاهرات، لا ينم عن جدل داخل وطن بين قواه السياسية، ولكنه يكشف عن صدام يستجضر عناصر تكوينه وببطء. كان تدخل الجيش لإزاحة نظام الإخوان يهدف إلى الحيلولة دون نشوب حرب أهلية، ولكن ذلك لم يحل بين تمادي المظاهرات بعيدا عن كونها تعبيرا عن رأي ولكن سعيا لصدام في مواجهة المواطنين. إنها لم تعد مجرد مظاهرات لتيار سياسي، ولكنها صارت أداة إرهاب مادي داخل المجتمع، فهي تدمر وتحاصر وتعوق، وفي الوقت ذاته تستدعي خروجا من الأهالي ضدها، وهو أيضاً يعبر عن نفسه بعنف مضاد. استمرار هذه المظاهرات فضحت أن القوى السياسية تكمن بعيدا عن المشهد في مقاعد المتفرجين الانتهازية، وعدم قدرتها على مواجهة تيار الإسلام السياسي في الحشد بالشارع وركنت إلى أن الدور أمني وفقط، فارتدت زي نظام مبارك وعقيدته، فانتفى مبرر بقائها، وزاد اغترابها عن الشعب وعن احتياجات المرحلة. وزاد ذلك من علامات الاستفهام لدى الشعب، كيف يمكن لجماعة، قيل في شأن تمويلها وإمدادها بالسلاح، وتماهيها مع باقي التنظيمات المسلحة، كيف لها أن تستمر طوال الأشهر الأربعة الماضية؟، وهل تملك مؤسسات الدولة سبيلا للحيلولة دون استمرار هذا المشهد؟، وهل كل ما يجري يمكن معه قبول هذه الجماعة من جديد داخل لحمة المجتمع؟، وهل هناك أي احتمال لإمكانية إقصائها وسط هذا التصحر السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وسكين الخارج يبدو مقصلة ترقب وتتحين لحظة للانقضاض؟ وسط فوضى وصخب الأفيون المصري، يبدو الإعلام المصري وكأنه أداة لإشعال الحرائق، وتبدو وسائط الإنترنت الاجتماعية مدفعية الإرهاب اللغوي للمجتمع، والكل ترتعد فرائسه، ويحاول أن يفرغ طاقة العجز في تبادل مروع للنيران الإعلامية بين المنع والاحتجاج والإثارة، والنتيجة إعلام يكنز أموال الإعلانات ولا يقدم للوطن رؤية، ولكنه يثير من أسباب الفوضى أكثر مما يكشف الحقائق. أنتج الشباب تعبير "مترمل" على من يتعاطى حبوب الترامادول المخدرة، ويبدو أن الحكومة الانتقالية في الحالة "مترملة"، فالأمر في مصر ليس اتخاذ قرارات تحت إرهاب فكري أو إرهاب بالعنف، ولكن الأمر الآن من يستطيع أن يخاطب الشعب ويجمع إرادته لما خرج من أجله في يناير ويونيو ويوليو، واستمرار الوضع على ما هو عليه، سيدفع الشعب إلى خيارات أخرى قد تكون دموية، أو هو قد يعيد إنتاج نظام الإخوان وتيارات العنف. ويستدعي صراخ مرسي في قفص المحاكمة "أنا الرئيس الشرعي" مشهد لزكي طليمات "أرثر"، في نهاية فيلم صلاح الدين الأيوبي وقد أصابته لوثة عقلية بعد احتراق وجه جميلة الجميلات التي منى النفس بها عشقا، وانعدام أمله في ولاية حكم أورشليم، وقد وضعوه في قفص "حيوانات" في موكب انسحاب ريتشارد من القدس بعد هزيمة الصليبيين على يد صلاح الدين، وهو يصرخ "أنا أرثر ملك أورشليم". إن صخب الأفيون المصري يحتاج إلى من يملك الشجاعة لإيقافه، ومن الجميع وبلا استثناء، فالأخطار التي تحيق بمصر لا تتحمل ترف ضياع الوقت، أو القبول بالاختراق الداخلي لأمن الوطن، واعتماد الفوضى بديلا عن التمكين، ومشاركة كل الأطراف في خلق الفوضى، هي بذلك تطلق نفيرا عاما جديدا للشعب أن يأخذ أمره بيده، ولكن كيف هذا؟ هو سؤال الأيام القادمة.
1162
| 05 نوفمبر 2013
تقترب الحالة السياسية في مصر من صناعة إقطاع سياسي جديد، تحولت فيه الثورة والسياسة إلى أملاك توزع تحت عناوين ومسميات يجري استحداثها دون سند من المنطق أو العقل أو الواقع. الإقطاعيات تمتد من الشوارع إلى الميادين والتواريخ وشبكة الإنترنت والفضائيات والصحافة، تأخذ منها الاسم، وختم الحصانة، دون أن يكون لها مضمون، أو انتماء اجتماعي، ولكن الصراعات اختزلت في عناوين الشهداء والمصابين والديمقراطية والشرعية. وكون الإقطاعيين الجدد طبقة عازلة بين الشعب وبين غايات يمكنها أن تقترب به من تحقيق العيش الكريم. ولم تتوقف حدود الاقطاعيات علي ما هو سياسي، أو قانوني، أو حزبي، وتجاوزت الكراسي المنشودة والأطماع إلى إقطاع من لون جديد تجاوز حدود الكهنة والكهانة إلى الولاية علي امتلاك الدين. وصار الدين إقطاعية واسعة يجري تقسيمها على ألوان متعددة من الكهنة، أدت إلى احتمال هادم للقيم يجوز أن نصفه بالتصحر أيضا. ونظرة مباشرة إلى شعار ثورة يناير الذي أبدعه العقل الجمعي الشعبي في ثلاثية "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، نجده قد تواري وراء عناوين باهتة، أخذت من الوقائع والأحداث بديلا للغايات والأهداف. تحدد الأمم ما يطلق عليه الأهداف الغائية، أو "Grand strategy"، وهي تمثل رؤية الأمة لذاتها، وجودها، تاريخها، نطاقات أمنها، ونفوذها، ومصادر القوة والبقاء لديها وهو ما يطلق عليه أمنها القومي، وهذه الرؤية تجسد وحدة الأرض والبشر، وتجسد حق الحياة والوجود والأمن والدفاع عن النفس، لا تستبدل داخل الوطن بشرا أو أمكنة بديلا سواها، طالما أن الجميع قد امتلك هذه الرؤية للأهداف الغائية، وتصبح من بعد ذلك الاستراتيجيات والتكتيكات محل الجدل والاتفاق والاختلاف حسب معطيات واقع يجري التعامل معه، ومهما تغيرت سلطة الحكم فهو تغيير في أساليب الإدارة وليس في تحديد الوجود من عدمه. تبقي الأمم ساعية إلى ما يطلق عليه الاستقرار ولا تبلغه دون أن تحدد إستراتيجيتها العليا أو أهدافها الغائية، أي تحدد ماهيتها، وقد يمر سعيها هذا بحالات متعددة من الجل والحوار وقد تصل إلى الحرب الأهلية، فالأمر ليس أفكارا على ورق أو أقوالا على ميكروفونات ولكنه توازن الإرادات والوعي والقوة، وما دون تحقيق هذا التوازن هو حالة من الميوعة والسيولة لا تحقق وجودا ولا تستطيع الحفاظ علية، هي حالة علمية أن لم تتكامل لها شروط الوجود، تصير أقرب إلى حالات الوهم وأحلام اليقظة العاجزة. وعالم اليوم يتسم بسرعة الحركة والتقدم ولا ينتظر قطار الرحمة فيه أن يلحق العجزة بعرباته. ووجود الأمم رحلة فكر وعمل وجهد شاقة ومستمرة وليست محطة وصول. والثورات في التاريخ الإنساني تحاول أن تختزل الزمن، وأن تحقق طفرات، ولا يقتصر تعبير الثورة علي الصراع الاجتماعي والسياسي داخل المجتمعات، بل تجاوزها إلى ما يحققه العلم من طفرات، سواء التحول من الزراعة إلى الصناعة، أو ثورة الاتصالات، أو ثورة الجينوم والفيمتو، أو ثورة النانو، او ثورة ما تكاد أن تحقق إنجازا حتى تتجاوزه وهي ثورة عالم الكمبيوتر والمعلومات. تغير وجه الأرض والعلاقات وصار مجرد الحديث عما كان هو فقدان للوقت، فما بالنا وهناك من يحاول أن يعيد حركة الزمن إلى الوراء، انه يتحرك ضد قوانين الصيرورة للوجود الإنساني فوق الأرض. ومن هذه المفارقة يتحقق حتمية انتصار الثورة، ضرورة التقدم للبقاء عجلة زمن متسارعه تختزله، وقوي الردة تحاول أن تضع العصي بالواليب، ولكن قانون البقاء أكثر قوة فهو ناموس سماوي لا يستطيع الجهل والعجز الحيلولة دون تحقيقه للتطور، واختزاله للزمن. تحول الثورة إلى إقطاعيات، والادعاء بالأحقية في امتلاكها، هو الردة. المفارقة في حالاتنا العربية، إننا نتكلم عن الثورة، ونحيلها إلى أسماء وأشخاص وليس إلى مضمونها، ونحيلها إلى حالة ثأر ولا نفهم أبعاد القوى الحاكمة التي يجوز أن تقتتل لتقيم التوازن الاجتماعي، ونحيلها إلى نصوص كانت أو صياغات نتهافت عليها لكسب يوافق حالات العجز والتردي التي نثور عليها، فنزيد الثورة نار الثورة تأججا، وبدلا من أن تصبح نار الثورة أداة إنضاج لحالة الوجود، تصبح محرقة للوجود ذاته. المواجهة مع إقطاع الثورة قائمة ومستمرة، ولا بديل عن انتصار الضرورة الثورية في التعجيل بتحقيق متطلبات الوجود والبقاء. تحويل الثورة إلى ثأر للشهداء أو المصابين، صورة من الوجود الإقطاعي الجديد. الانقلاب على حق العمال والفلاحين في الوجود بفعل القانون والدستور، هو إقطاع جديد. تحويل الثورة إلى احتفاليات بالتواريخ والأحداث، هو إقطاع جديد. تراكم الأسماء للأشخاص أو الكيانات، هو إقطاع جديد. استعادة الخوف ليحكم المسار والسلوك الشعبي، هو إقطاع جديد. اعتبار أن الثورة حركة بالشارع، ومظاهرات، هو إقطاع جديد. ثم تحويل الفعل الثوري إلى مجرد ملكية تتنازعها الحناجر، هو إقطاع جديد. ويبلغ الخطر مداه فيما يتخلق من إقطاع تلك الحالة من الارتماء في أحضان الخارج، فتارة يصبح الخارج مصدر القيم، وكيف يمكن أن تتفق قيم خارج الأمم أن لم تشملها ذات المرجعية المطلقة، أو هو الشرطي الراعي للشرعية! كيف لم تكن عقائدنا مرجعية لمعني حق الإنسان في الوجود؟، وإذا فشلت العقائد التي نؤمن بها أن تحدد حقوق الإنسان في يقيننا وتلزمنا بها، فهل نحتاج إلى عصا الأجنبي لإعادة تربية أمة تحاول أن تحقق وجودها وتدافع عن بقاءها؟ وكيف والمصالح متباينة، أن نعيش عبيد إحسانات الخارج، فهل تحول العالم إلى مؤسسة اجتماعية، هو يعمل ويدفع ضريبة التقدم، ونحن نقبع تحت مائدته راجين الإحسان والرحمة، فكيف يتفق هذا مع مطلب الحرية. ندين في التاريخ تعيين رقيبين من أصحاب الديون على مصر، فكيف ونحن نتحدث عن بناء حضاري لأمة ووطن نستدعي الخارج رقيبا على الشرعية؟ ثم لنري الإقطاعيين الجدد تحت عناوين الثورية والاشتراكية والليبرالية، وهم يفسرون الدولة المدنية بانها ليست الدولة الدينية ولا هي الدولة العسكرية؟، وكأننا ننسي أن الدولة المدنية هي دولة يحكمها القانون والدستور، ثم نغوص في رمال متحركة حول الدين وحكم العسكر، وندعي وبلا خجل أن ستين عاما كانت حكم عسكر، وننسى حقيقة ما جرى قبل الستين عاما وخلالها، ما تحقق وما لم يتحقق؟ الأيام الماضية حضر أمامي مشهد من فيلم "وا إسلاماه"، ومبعوث التتار يدخل قاعة الحكم في مصر بعد أن قام جواسيسه وعملاؤه بإعداد الأرض لقدومه وهو يقف متسائلا: "لمَّا أحب أكلم شعب مصر أكلم مين؟"، فالصبية صاروا قائمين على تقييم الوطن وحركة الشعب، والرجال الذين فتح لهم الشعب قلبه يرتحلون تاركين خلفهم تلالا من علامات الاستفهام. إقطاعيون جدد ظهروا يتحدثون عن كيف نواجه الإرهاب في سيناء، ولكنهم في الوقت ذاته يرقصون علي جثة الثورة، ويدعون أن 25 يناير كانت نكسه. وعلى الضفة الأخرى إقطاعيون من لون آخر يهاجمون ثورة 30 يونيو بأنها الباب الذهبي لعودة الفلول. ولون آخر من الإقطاعيين يهتفون "لا عسكر ولا إخوان" وهم لم يقدموا لنا بطاقة تعارف بماهيتهم ومبررات وجودهم. ويخرج علينا الإقطاع الأسود، إقطاع قرر أن الدين ملك له، هو يملك الأرض وما عليها ومن عليها لأنه هو الكاهن ويملك صكوك الغفران، وكأننا في حاجة إلى دهاء اليهودي الذي اشترى كل صكوك جهنم فبارت صكوك الغفران على بائعيها. فاقت حركة الشعب في يونيو ويوليو 2013 دهاء اليهودي وخبثه، فبارت صكوك الغفران علي الإقطاع الأسود. لم يستسلم الإقطاع الأسود، ولم يستوعب انه داخل وطن وأمة لها وجودا هي تعاود تنميته والحفاظ علي بقاءه، ويخرج إلى الشوارع، وأحال العلاقة العظيمة بين الحركة الطلابية وكفاح الشعب من أجل الحرية والتحرير، إلى ظاهرة بلطجة سياسية، تخفي فيها رؤوس الإقطاع الأسود نفسها عن الأعين، وتدفع بفلذة الأكباد إلى الشوارع، ليست ظاهرة تعبير، ولكنها أدوات فوضي. كشفت تحركات الإقطاع الأسود كل احتمالات الريبة والشك التي تأكدت خلال عام من حكمه لمصر، فهو ضد الأزهر، وضد الجيش، وضد الشعب، ومع الشرعية التي نالها بقسط وافر من التآمر والدعم الأمريكي، فكيف به يتوقع قبولا من الشعب ليحيا فوق هذه الأرض معه ويبني معه المستقبل. إن ما تتعرض له مصر الآن، يحتاج إلى كل اليقظة، لأن الإقطاع له امتداداته الخارجية، ونزوعه إلى خلق الفوضى باتت أهدافه مكشوفة. الأيام القادمة تتحرك فيها قوافل الإقطاع الجديد الذي انقض علي الثورة، كل منهم وفق أوهامه، غير عابئ بوطن او امة او مستقبل. إننا في حاجة للقبض على الحقيقة كما القابضين علي الجمر، أن الشعب الذي خرج على مدى ثلاثة أعوام وصبر وصابر ورابط، ليس لديه ما يخسره، ولن تأخذه رجفة أو تردد أن استمرت محاولات وأد أهدافه الغائية.
410
| 29 أكتوبر 2013
نظرت الأم إلى عيني ابنتها قائلة: فستان العيد اللي فات لسه جديد، وكأنها تكتشف أمرا ولا تضمر في نفسها عجز الأسرة عن شراء فستان جديد للابنة، وكانت المفاجأة في رد الابنة: يعني ألبسه العيد ده يا ماما؟، لترد الأم بسؤال ابنتها: وهو ينفع يا سمية؟، لتتوالى مفاجآت الحوار برد الابنة قائلة: العيد اللي فات أنا لبسته لما كنا مهاجرين في فاقوس، العيد ده إحنا في الزقازيق، يعني مفيش حد هنا شافني لابساه، وحيقولوا عليه جديد. كان عمر سمية يومها يقترب من التاسعة، وها هي بعد ما يتجاوز الأربعين عاما تقابل العيد بخطر الموت فوق ذات الأرض، ولكن من غير ذات العدو. وكأن الأرض في الإسماعيلية حبيسة عدوان مستمر، وكأنه قدر على أهلها استمرار حالة التهجير إلى المحافظات القريبة منها. شهد جيل الآباء تهجيرا من الإسماعيلية أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث كانت الطائرات الألمانية تغير على أكبر قاعدة للجيش البريطاني في الشرق الأوسط بالإسماعيلية، وكانت قوات روميل تقطع الصحراء الغربية بلا رادع لتصل عبر العلمين لثلاثة أهداف على التوازي هي الإسكندرية والقاهرة والإسماعيلية، وتعرضت الإسماعيلية لغارات متوالية، وكان على الأهالي أن يجدوا لأنفسهم مكانا آمنا خارج المدينة. ثم كانت حركة الفدائيين في مواجهة الاحتلال البريطاني في إعقاب إلغاء معاهدة 1936، لتبدأ حركة المقاومة بمظاهرات شعبيه لأيام تبلغ ذروتها يوم 16 أكتوبر 1951 عندما يهاجم طلبة المدرسة الثانوية مقر "N.A.A.F.I". الذي يقدم خدماته لأسر الضباط وجنود الاحتلال بميدان محطة السكك الحديدية، ويشعلوا فيه النيران ويحرقوا عددا من سيارات الاحتلال، وتستخدم القوات البريطانية الرصاص في مواجهة الأهالي، وتتعدد ألوان المقاومة وتنمو حركة الفدائيين، وتصبح شوارع المدينة تحت الحصار، وتكون الهجرة داخلية، بين حي العرب والحي الإفرنجي حيث يقل الحصار رغم أنه ساحة العمليات الفدائية. كانت الشوارع غريبة على أهلها وساكنيها، والجنود البريطانيون يبحثون ويفتشون ويهاجمون ويزرعون أيضاً عملاء لهم بحثا عن الفدائيين. العمال الفقراء تركوا معسكرات الجيش البريطاني التي كانت توفر لهم فرص العمل الوحيدة، ليجدوا قوات الاحتلال أمامهم بسلاح الإمبراطورية، وصارت الإسماعيلية حبيسة الحصار سواء للقادم إليها أو الخارج منها، أو لمن يتحرك في شوارعها. وكان هناك أيضاً من المصريين من واصل تعامله مع جيش الاحتلال. وأيضا يومها كان معلوما من العدو، وكان الهدف هو جلاء المستعمر عن الأرض. وأثناء العدوان الثلاثي عام 1956 كانت هناك هجرة داخلية بعيدة عن خط السكك الحديدية الذي يقسم المدينة نصفين، أو بعيدا عما كان من معسكرات للجيش البريطاني أو المطارات، وكان العدو معروفا أيضا. وكانت الهجرة الكبرى في أعقاب حرب يونيو 1967، حيث جرى تهجير سكان مدن القناة الثلاث، بل وتم أيضاً نقل مصانع للأسمدة والكيماويات والصباغة من السويس والإسماعيلية إلى وسط وغرب الدلتا. كان الهدف محددا وهو حرمان العدو الصهيوني من أن يتخذ أهل المدن الثلاث رهينة مدفعيته، وكان العدو واضحا وجليا، ومراجعة تاريخ تلك المرحلة تكشف حجم الدمار الذي أحدثه العدو الصهيوني في مدن القناة. ظلت الأرض حبيسة العدوان ما إن تنقضي حلقة من حلقاته حتى تتلوها أخرى، والمواطنون يعانون إما من قطع الرزق أو الهجرة، وكان القبول فعلا وطنيا وإراديا. أمة تواجه احتلالا أجنبيا وتنشد الاستقلال، فهل يمكن تحقيق ذلك دون ثمن؟ كانت الوقائع منطقية، ولم يكن هناك حيرة في الأمر، فإما أنك مع الاستقلال فتدفع الثمن، أو أنك مع المحتل فأنت خائن، معادلة بسيطة وواضحة حتى وإن حاول من يتهم بالخيانة أن يبرر أمره فلن يجد من يسمع له. ولكن ما يقع هذه الأيام في مصر يتجاوز المنطق الذي جرى به القياس في الماضي. يوم السبت 19 أكتوبر 2013، أي بعد 62 عاما من بدء المقاومة وحركة الفدائيين وحرق مبنى النافي، انفجرت عبوة ناسفة بجوار مبنى المخابرات بالإسماعيلية، وكانت الأضرار التي لحقت بالمبنى المجاور له أكبر مما أصاب مبنى المخابرات ذاته، والمفارقة أن الصبية التي قبلت أن ترتدي فستان عيد مضى منذ أكثر من 45 عاما، نجت من الموت وزملاءها في الشركة التي يعملون بها، ولكنهم لم يجدوا إجابة عن سؤال، من الذي يستهدفنا بالقتل. ومفارقة ثانية تعاني منها صبية الأمس، أن جارا لها فقد ابنة في مظاهرات واشتباك متبادل بين جماعة الإخوان وبين الأهالي، فكيف به يقبل بالقتل هكذا مبررا لحياته؟، وينطلق سؤال صارخ منها: همه مش مصريين دول ولا مسلمين؟ دول مين وعايزين يقتلونا ليه؟ والمفارقة الثالثة التي تلجم الألسن، من يمكنه أن يستهدف الجيش المصري، وبماذا نصف من يستهدف مقر المخابرات الحربية للجيش المصري؟ وكأن هناك من يقول للشعب المصري، إن كنت نجحت في تحرير إرادتك، فإننا سنحرق الأرض تحت قدميك!!، وستظل الأرض حبيسة محاصرة. وليست تلك نهاية المفارقات ولكن أصوات تخرج مؤيدة لهذه الأفعال، وأصوات أخرى تخرج متحدثة عن تصالح بين أطراف، وكأن كل الوطن والدولة والشعب والمؤسسات في كفة ميزان، وفي الكفة الأخرى جماعة الإخوان ومن أحاط بها من جماعات أو أفراد أو حتى تشكيلات يسارية في الداخل وعلاقات أممية وغربية في الخارج. الأمر في هذه المواجهة لا تجدي معه هجرة المواطنين الداخلية أو خارج الوطن. الأمر في هذه الحالة أن المواطنين هم جوهر المواجهة وبكافة الأدوات والوسائل وأيا كان الثمن. واقعة انفجار الإسماعيلية ليست هي الأقسى، ولكنها كانت تحمل عمقا يمكن ربطة بالتاريخ بين الوطن والمواطن والجيش وبين العدوان وعناصره. وهي ليست بالواقعة التي يمكن الخوض فيها على أساس طائفي، وإن حمل اليوم التالي هجوما مسلحا على كنيسة بالجيزة، ومشهدا لخروج مظاهرات من طلبة الإخوان بجامعة الأزهر في حالة من الانفلات الذي يتجاوز أن تكون المظاهرة وسيلة تعبير، فليس بينهم عاقل يقول لهم، إن الاغتيال والقتل والحرق ووقف الحياة، يثير فوضى ولكنه لا يحسم أمرا، وأنه مهما طال بهم أمد الفوضى زمنا أو مكانا أو حصد من أرواح الأبرياء ما حصد، فإنه لن يغير من الواقع شيئا، فيما عدا، أن لديهم ما ينتظرونه من مدد أو تدخل من الخارج، ولأنهم لم يقرءوا التاريخ، فهم لا يعلمون أنهم سيكونون مجرد أداة ستطؤها الأقدام قبل سواهم. ما يسمى بالإسلام السياسي ومثقفيه، لا وجود له فوق أرض مصر بغير أن يكون مصريا أولا، ودون ذلك فوجوده مجرد سراب وجرح قد يدمى لزمن ولكنه حتما سيندمل، حتى إن وجب العلاج بالكي بالنار. ولعلهم يدركون أن الشعب بلغ به الوعي أن حرر دينه من ولايتهم عليه، وحرر وطنه من محاولات تفكيكه، وأن العداء بينهم وبين الجيش هو بالأساس عداء بينهم وبين الشعب، وتحول الجيش إلى جانب الشعب هو الصدمة التي أطاحت بقدرتهم على استيعاب ما يجري. ولعلهم يدركون أن الشباب يعي مخططاتهم للتجنيد والإعداد، كشف الشباب الحقائق واستوعبها، ولا أظن أن هناك غافلا في مصر عما يجري. ستتحرر الأرض كما تحررت الإرادة، وستبقى مصر، وسترتدي الصبايا في كل عيد فستانا جديدا عندما يقوم مجتمع الحرية والعدالة الاجتماعية.
962
| 22 أكتوبر 2013
مساحة إعلانية
عندما أقدم المشرع القطري على خطوة مفصلية بشأن...
1644
| 25 نوفمبر 2025
أصبحت قطر اليوم واحدة من أفضل الوجهات الخليجية...
1530
| 25 نوفمبر 2025
شهدت الجولات العشر الأولى من الدوري أداءً تحكيميًا...
1281
| 25 نوفمبر 2025
في مدينة نوتنغهام الإنجليزية، يقبع نصب تذكاري لرجل...
1110
| 23 نوفمبر 2025
في زمن تتسارع فيه المفاهيم وتتباين فيه مصادر...
843
| 25 نوفمبر 2025
الصداقة من خلال الرياضة.. الشعار العالمي للمجلس الدولي...
750
| 24 نوفمبر 2025
في زمنٍ تتزاحم فيه الأصوات، وتُلقى فيه الكلمات...
585
| 28 نوفمبر 2025
* يقولون هناك مدير لا يحب تعيين المواطن...
513
| 24 نوفمبر 2025
حين ينضج الوعي؛ يخفت الجدل، لا لأنه يفقد...
510
| 23 نوفمبر 2025
منذ فجر الحضارات الفرعونية والرومانية وبلاد ما وراء...
489
| 24 نوفمبر 2025
للمرة الأولى أقف حائرة أمام مساحتي البيضاء التي...
441
| 26 نوفمبر 2025
في كلمتها خلال مؤتمر WISE 2025، قدّمت سموّ...
423
| 27 نوفمبر 2025
مساحة إعلانية