رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يبدو أن قدر الشعب المصري أن تبقى حركته فوق حبال مشدودة وعليه بكتلته الواسعة أن يدفع وحده الثمن، بينما في الواقع يتعرض وجوده وتاريخه وأمل المستقبل لديه لأخطار لم يكن هو صانعها، وكأن ظاهرة "الفرص الفرص الضائعة" هي قدر المصريين.
رغم الاختلاف بين الفترة الانتقالية الأولى بعد 25 يناير 2011 والثانية بعد 30 يونيو 2013، غير أن وجه الشبه بينهما هو دفع الشعب المصري إلى حائط العجز، يفرض عليه اختيارات تجرده من مردود ما أطلق عليه العديد من المحللين السياسيين تغيرا جوهريا في معنى الثورة الشعبية السلمية.
في أعقاب يناير 2011 تشكلت لجنة للتعديلات الدستورية اختارت أن تبدأ بالانتخابات النيابية، ثم تضع دستور ما بعد الثورة، وكان ذلك أول خطوة نحو إجهاض نتائج حركة الشعب، وفي الاستفتاء على التعديلات الدستورية مارس 2011 ترددت مقولة "نعم للدستور هي نعم للاستقرار"، لتنقلب إلى "نعم للدستور هي نعم للإسلام"، ولتسقط نتيجة الاستفتاء كل الأقنعة عن الجميع، وتعلو نغمة غزوة الصناديق، وتخرج كل طيور الظلام من جحورها داخل عباءة الدين والتكفير، وكان الحديث يومها عن أن توافقا أمريكيا إخوانيا ضد ثورة الشعب يقارب حد الجنون، ولكننا كنا نقوله.
ويومها كانت بقايا الأحزاب السياسية والنخبة كافة تسير في عكس الاتجاه، وتسعى إلى تحالفات تعوض بها حالة الوهن في قدراتها وعلاقتها بالثورة وبالشعب، بل إن حالة من الشبق إلى كرسي الرئاسة أدارت الرؤوس لينتهي الأمر بالشعب أيضاً لأزمة اللحظة الأخيرة، ويفرض عليه في انتخابات الإعادة أن يختار بين ممثل لنظام مبارك أيا كانت محاولات التجميل، وبين ممثل للإخوان تحت عنوان الثورة وهو في الواقع خاطفها وسارقها.
ودفع الشعب ثمن الخطر، وكادت الدولة أن تتحلل، وفرض على الشعب الخروج الثاني لمحاولة الحفاظ على الوطن.
ليس من العقل في شيء إلا أن نراجع مواقف كافة الأحزاب والتيارات السياسية والنخب أيضا، وبات واضحا أن الشعب يسبق الجميع، وهو أعزل من التنظيم أو القيادة ولا يملك للمستقبل غير شعارات الأمل، بينما الخطر يهدد وجوده ذاته.
وليس من العقل أيضاً التغافل عن وقائع ثلاثين شهرا سبقت يونيو 2013.
وليس من العقل ولا الإنصاف التغافل عن متغير رئيسي بانحياز القوات المسلحة للمطلب الشعبي بإنهاء سيطرة الإخوان، انحياز اختياري وليس مجرد توافق الإرادة الشعبية مع رغبات رفض التوريث.
ولكن كان هناك جديد يضاف إلى الصراع، فالأمر تجاوز مجرد ثورة شعب يسعى إلى التخلص من نظام فاسد أو استبداد قبل يناير أو بعده، ولكن جديدا أضيف إلى الصراع ينقل سلمية الثورة إلى حالة من الدم والتدمير والانقسام واختلاط الفرز واتضح أنه لاستعادة الوطن ثمن فادح يجب دفعه.
مواجهة لعنف مسلح في سيناء مما يسمى بالتنظيمات الجهادية، وأعلن عن حضور القاعدة إلى سيناء، ثم حالة من الانتحار لجماعة الإخوان، بلغت الآن حد استدعاء تجربة طالبان إلى مصر، ولتدخل بمصر بذلك ضمن حالة الفوضى بالمنطقة كلها التي تكشف حقيقة إستراتيجية الخارج نحو إجهاض الحالة الشعبية في مصر، واستبدالها بحالة الصراع بين المجتمع وتيارات الإسلام السياسي، لتتوارى أهداف الخارج وراء أستار دينية محلية.
تحمل الشعب الثمن الباهظ، وتحملت القوات المسلحة والشرطة مسؤولية مواجهة العنف، وانكشفت الأحزاب والنخب والإعلام وفئات كان مقدرا لها أن تكون قوة المواجهة الناعمة لتفضح أمر ما أصابها من وهن.
أثبتت الفترة من يونيو حتى اليوم أن التعجل ومحاولة التوافق حول خارطة المستقبل عادا بنا ثانية إلى خيارات اللحظات الأخيرة التي يدفع النضال الوطني ثمنها.
وبديلا عن الوعي بطبيعة المرحلة وما تحتاجه من وحدة كافة القوى الرافضة للاستبداد والساعية لتحقيق غايات الثورة، كانت السياسة تفرط في الحركة الشعبية، فإذا جاز لنا أن نتهم الإخوان بالاستبداد والتفريط في الوطن وإصابة الشعب بحالة الانقسام، فالنخب السياسية لم تستوعب الدرس، بل إذا جاز التعبير فإنها تضع دستورا ينقلب على مكاسب سياسية لقوى اجتماعية هي عصب الوجود الشعبي وحركته، بل صار الدستور يتحدث عما تريده النخب العاجزة عن الوجود بذاتها ولذاتها، وهو نفس المنطق الإخواني.
ومع تصاعد أصوات تحذر من أداءات داخل لجنة الخمسين المكلفة بوضع الدستور، بدأ حديث عن "نعم" للدستور حتى نكشف الإخوان أمام العالم وأن الشعب يرفضهم.
ذات المعادلة تتكرر، شعب يخرج بالملايين، وإرادته يجري اختزالها في قاعات مغلقة تحيا أوهام من بها. ولكن كما أن التاريخ لا يعيد نفسه، فأيضا الخطر يتجاوز مجرد خيارات اللحظة الأخيرة والتي يمكن تعديلها لاحقا.
الخطر في مصر وعليها الآن داخلها، القاعدة وطالبان الإخوان، ومن خارجها في لعبة الصراع حول المنطقة، هي حرب تهدف إلى استرداد المبادأة بعيدا عن الإرادة الوطنية للشعب المصري والأمن القومي العربي.
ووسط صوت طبول الحرب التي تصم الآذان، ورائحة الدم، تجب الإجابة عن سؤال دائم وملح في اللحظة، "ما العمل؟".
لن نهرب إلى مقولة "الذين يريدون الحياة عليهم أن يقاتلوا من أجلها"، ولكن يجب أن ننظر إلى السبيكة الوطنية اللازمة في هذه اللحظة.
أولا يجب الاعتراف بعجز القوى السياسية والأحزاب عن التعبير عن الشعب، وهو أمر يجب إدراكه عند وضع قانون الانتخابات النيابية.
ثانيا يجب الاعتراف بعجز من تبقى من مجموعة الثلاثة عشر التي ترشحت في انتخابات الرئاسة عام 2012، وأنها إن كانت تتكلم فهي عاجزة عن الفعل، وليس هناك فرصة ليكون الشعب وحاجاته حضانة لعلاج المبتسرين سياسيا.
ثالثا أن قانون ممارسة الحقوق السياسية يحتاج إلى أن يتسم بشجاعة الإرادة الشعبية، وأن يكون أداة فرز وتطهير بقدر ما يكون عادلا في ذلك دون أن تصيبه رعشة أو تردد.
رابعا أن إدراك أبعاد الصراع الذي دخلته مصر، يستلزم إدراك المتغيرات العالمية وما يلم بها، وهي خلال فترة الأشهر الماضية أخذت في التحول عن ميادين قتال كانت قائمة أو متوقعة، وهي لا تفعل هذا لتركن إلى هدوء المدافع، ولكن من المؤكد أن ميادين جديدة يجري إعداد ساحة المعركة فيها، وعلينا أن نعلم أننا في القلب منها، وعلينا أن نعد أنفسنا لها، فإذا كانت مصر والسودان واضحة للعيان، فإن السعودية ذاتها دخلت ميدان المعركة القادم، والبدايات من الحدود العراقية السعودية، بينما الحدود الجنوبية للسعودية مهيأة لذلك من قبل.
خامسا أن القلب الصلب لمصر الوطن متمثلا في القوات المسلحة، أثبت قدرة على إدارة المرحلة الماضية، بل وتجاوز حد أن 99% من أوراق اللعبة بيد أمريكا.
سادسا إذا كانت الحيلولة دون القاعدة وطالبان الإخوان في مصر تحتاج مواجهة أمنية، فإن الاحتياج الاقتصادي والسياسي للمجتمع المصري هو البيئة الحاضنة والداعمة لهذه المواجهة.
سابعا أن خطابا سياسيا واضحا يعرض للحقائق لم يعد اختيارا بل هو واجب، ومراجعة النفس مع الشياب أمر حتمي.
ثامنا أن إعداد أرض المعركة من جانب مصر، يحتاج إلى رؤية إستراتيجية عربية، لمواجهة تتجاوز الإخوان ولا تعطيها أكثر من كونها إحدى أدوات المواجهة مع العرب ومصر.
نحن في حاجة إلى تجاوز أزمات اللحظة الأخيرة، بكل الإرادة، وباصطفاف شعبي، وبيقظة اختيار لمنظومة الرئاسة القادمة بعيدا عما هو معروض علينا.
الصيام قوة للروح والجسد
لكل عبادة فرضها الله تعالى علينا حكم عظيمة جهلنا معظمها وعلمنا القليل منها، ومن حكمة الله تعالى في... اقرأ المزيد
33
| 03 مارس 2026
خبرة ترامب في إسقـاط الأنظمـة
لا شك أن مقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي ورئيس الأركان وعدد من القيادات والشخصيات الإيرانية في... اقرأ المزيد
33
| 03 مارس 2026
الاعتداء الإيراني على دول الخليج وسقوط الثقة الإقليمية
في لحظة إقليمية دقيقة تمر بها المنطقة، جاء الاعتداء الإيراني المتكرر على دول الخليج ليشكل منعطفًا خطيرًا في... اقرأ المزيد
30
| 03 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2625
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2130
| 25 فبراير 2026
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
1413
| 01 مارس 2026