رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الفوضى ...

الفوضى ...ائدة في مصر أعمت دلالاتها أبصارا عديدة، ولم يدركوا حقيقة التحدي. الفوضى في مصر من الادعاء كذبا، إلى بلطجة السلطة والأحزاب التابعة لها، دلالة محاولة مستمرة للي عنق الوطن، وإجباره على غير إرادته. الفوضى في مصر تبدأ من ادعاء الإخوان أنهم تعبير عن الثورة، وادعاء الموالين لهم أنهم يدافعون عن الثورة. الفوضى في مصر هي خلط متعمد بين مهام الفترة الانتقالية للثورة، وبين نوايا الاستحواذ على الوطن. والفوضى بداياتها استخدام ادعاء الإسلام وامتلاك مشروع يحمل اسمه، بينما الحقيقة أن استخدام الإسلام كان السبيل الأمثل لإتمام التجنيد، ثم هو السبيل الأمثل لميلاد فيالق متعددة تنفذ إرادات خارجية لا علاقة لها بوطن وأرض وشعب وهموم تتراكم وأخطار تحيط بكل هذا، وهي لا تحمل رؤية للمستقبل يمكن النقاش من حولها، ولكن الادعاء وتحول "الشخشيخة" إلى "أجراس" تصم الآذان، جمعت من حولها من البشر أسماء وقوى عديدة وقعت ضحية خداع عدم التمييز بين مهام المراحل التالية للثورة وبين مهام الاستحواذ. اتسام المرحلة الحالية بالفوضى واختلاط الأنساب، وإطلاق يد جريمة اغتصاب مصر علانية على شاشات الفضائيات، هي دلالة أيضا على أن هناك نوعا من التمرد يواجه جريمة الاغتصاب، وأن كل الأطراف فاقدة للعلاقة مع المجتمع، وأن الراقصين على الإيقاع لا يعلمون إن كانت رقصة النجاة أم رقصة الموت. كشفت السلطة حقيقة الإخوان، وكشفت الثورة حقيقة الإرهاب المعنوي والمادي الذي يتدثر في عباءة الدين، وكشفت المواقف المتوالية أنهم جميعا لا يدركون معنى المسؤولية تجاه وطن وشعب، بل إن غاياتهم تتوقف عند الاستيلاء على السلطة، وأن قدراتهم أدنى من أن يتولوا أمر مصر، وأن حوارهم مع الآخر لا يتورع أن ينضوي تحت معنى البلطجة. وإذا كان العامان الماضيان قد رفعا الحجاب عن حقيقة ما يسمى بالتيار الإسلامي، وكشفا حقيقة أن منبع العنف من الإخوان، وأن ادعاء الغرب بأن الجماعات الإسلامية إرهابية صار واقعا نحياه في مصر الآن، فإن الفترة الماضية كشفت أيضا حقيقة التصحر السياسي في مصر، حتى إن ما يطلق عليه مجازا المعارضة هي وهم آخر لا يملك إبداعا ولا مشروعا، وكوادره لا تختلف عن كوادر التيارات الإسلامية في عمق الخواء، فكلاهما أبناء فترة التصحر السياسي مهما اختلفت اللغة أو العناوين، واتسمت حركتهم بالبعد عن الشعب، أي جميعهم أبناء ثقافة التعايش البليد الذي أبدعه النظام السابق، وأن الاختلاف الوحيد بينهما أن التيارات الإسلامية تمكنت من بناء تنظيمات وامتلكت المال، وسمح الغرب لها بالتمدد العالمي لحاجة في رأس الغرب وأمريكا، وعندما حان وقت استخدامها امتلكت فرصة التدرب على السلاح وممارسة القتل. ما العمل ؟ سؤال يدور بين المصريين، وتختلط الإجابات بين التمني تحت عناوين باهتة باسم الديمقراطية والقبول بالآخر وعدم القبول بنفي أحد، وبين النزوع إلى أساليب جديدة على المصريين، تتخذ من العنف المضاد طريقا لمواجهة الإرهاب، ولا يتجاوز الحديث أنه كلام لأن العنف ليس اختيارا ولكنه سلوك يجب أن يركن إلى عقيدة، وإذا غابت العقيدة المبررة للعنف خارج الدين، فيصبح الحديث عن العنف مجرد لغو، وليس مبادأة، ولا هو قدرة على حسم الصراع الدائر الآن. قد تفرض الضرورات التي تتولد من حالة الإرهاب حالة من العنف، ولكن هذه الضرورة لا تتجاوز في أهدافها غير الدفاع عن النفس، فتظل حبيسة رد الفعل، ولا تملك رؤية أو إستراتيجية في مواجهة إرهاب تحت راية الدين، ويملك سلطة الدولة ويسعى بلا رادع لامتلاك مفاصلها. سقطت شرعية السلطة القائمة بعد الثورة لأنها اتخذت من الكذب والادعاء والقتل والتعذيب والاعتقال أساليب، وامتلكت الميليشيات تحت مبدأ السمع والطاعة، ونجحت في السيطرة على قمة وزارة الداخلية وتستخدمها. سقوط الشرعية استوعبه من يطلق عليهم حزب الكنبة، ومازال من يطلقون على أنفسهم جبهة الإنقاذ يطالبون بتحسين شروط الانتخابات النيابية؟ وكما قبلوا من قبل الاندراج في انتخابات رئاسية دون وجود دستور حاكم، يقبلون اليوم بانتخابات نيابية تحت دعوى أنهم ديمقراطيون، وكأنهم لم تصلهم صور الإرهاب الجارية فوق أرض الوطن، ولم يستوعبوا بعد حقيقة الأساليب والأدوات التي تستخدمها السلطة، ومازالوا يحملون مطالب لتتحقق برضا الحاكم، حتى وصفهم المصريون أنهم "جبهة إنقاذ مرسي"! الديمقراطية ليست مجرد صندوق وشروط، ولكن الديمقراطية تراكم وتعدد لمراكز القوة في الوطن يعبر عن قواه الاجتماعية، وقدرة ووعي على التمييز بين الادعاء والخداع وبين الاحتياج. في وطن ينتهك فيه حق الإنسان في لقمة العيش ويهرول الإنسان فيه ساعات يومه لتحقيق ما يسد رمقه، ويحكم بالإرهاب ويستمد الإرهاب شرعيته من سلطة تدعي انتماءها للثورة وأنها الحامي لها، يصبح الحديث عن ديمقراطية الصندوق مجرد خداع، ومحاولة من السياسيين لتجاوز عجزهم. المعركة التي يدور رحاها حول القضاء المصري هي واحدة من معارك الاستحواذ، وهي ذاتها معركة جارية في صمت حول الأزهر والمخابرات العامة المصرية والإعلام والجيش، وإذا كان الجيش قد نجح في عبور بعض المحاولات، إلا أن الحرب لم تتوقف، ومازالت الأمور مختلطة على وعي البعض، ويخلطون بين الجيش الوطني وبين مرحلة المجلس العسكري. تدمير الأنفاق بين قطاع غزة وبين سيناء، دلالة فساد السلطة القائمة، فمحاولة السلطة الجمع بين النقيضين، إسرائيل وحماس، والتزامها أنها ضامن لوقف الصواريخ، جعلها ضعيفة أمام الطرفين، وفرض على الجيش اتخاذ الموقف فيما يبدو منفردا، وتردد السلطة في شأن ضباط وجنود اختطفوا وتأكد وجودهم في القطاع، وعزوفها عن إعلان نتائج التحقيقات في هجوم رفح واستشهاد 16 ضابطا وجنديا مصريا، ثم تردد القرار السياسي بشأن الجماعات المسلحة في سيناء وغيرها، كل ذلك أسقط عنها استيعابها لمظاهر اختراق الأمن القومي المصري، بالإضافة لما يتردد عن إحالة عناصر من المخابرات العامة إلى وظائف مدنية وتسرب ذلك إلى الإعلام ونشره بأنه تنفيذ لمخطط لإزاحة كوادر في هذه الهيئة الوطنية التي لا تتحمل مصر أي خطأ في أمرها أو المساس بهذا الجهاز. إن المواجهة الجارية هي بين مصر، بكل قواها وبين مكتب للإرشاد يحكم وله مندوب بمقر الرئاسة المصرية، حتى أن مهدي عاكف المرشد السابق للإخوان تحدث عن إخراج 3000 قاض لتطهير القضاء، ويجري حزب الوسط (الإخوان سابقا) إلى تقديم مشروع لتحديد سن القضاة، وهو ما يعني إحالة نفس العدد إلى التقاعد، والبديل هم محامي الجماعة يعينون كقضاة. الفوضى السائدة في مصر بين السلطة والوطن، لن تستقر بغير صدام مباشر، فالإغارات بالعنف المتبادلة الآن بين الإخوان وغيرهم، لن تضع أسسا لإزالة الفوضى، بل هي تؤدي إلى تصاعدها كما ونوعا. الموقف الاقتصادي الذي يدفع بوحش الغلاء لينهش جسد الشعب، وبديلا عن توفير "العيش" ووضع تصور يحترم حاجات المواطن ويوفر له أمنه الاقتصادي، يجري استنزاف الشعب بفرض ضرائب جديدة، ورفع للأسعار حتى صار البكاء على أيام ما قبل يناير 2011 هو حديث سائد في المجتمع. مواجهة الفوضى لن تأتي من صانعيها وإن المتسببين فيها من كافة الأطراف، ولكن مواجهة الفوضى ستأتي من خارجهم. إن الموقف يحتاج لمراجعة مع النفس، تحدد بالفعل مصادر الخطر داخل بنية المجتمع والسلطة بعد يناير 2011، وإدراك أن الثورة ليست سعيا للثأر أو الاستحواذ، ولكن الثورة وهي علم تغيير المجتمع تتناقض مع ما أنتجه الواقع السياسي في مصر. فالإخوان غرباء على الثورة، وكل التنظيمات الدينية كانت ضد الانقلاب على الحاكم، وهنا يجب بحث ترتيب القوى بالمجتمع، وإدراك أن مواجهة غزوة الإرهاب الديني المفلس سياسيا والذي لا يملك مشروعا وطنيا، هي استكمال لمواجهة نظام الفساد السابق. إن استمرار الفوضى تستدعي موقفا موحدا من القوى الاجتماعية ومن أعمدة الدولة وركائزها التي يجري تفكيكها. إن سبيكة الوطنية المصرية مطالبة بإدراك حجم الخطر ومصدره بوضوح، وإن الثورة وهي تهدم نظاما سبق لا تسعى إلى اغتيال الدولة، وإننا لا نملك ترف الاختلاف بين قوى مواجهة الإرهاب. الموقف يتزايد وضوحه بتنامي حالة الفوضى، ولكل موقف رجاله، والوعي والمواجهة ليست عبئا يبعث على القنوط، ولكنه عبء يستدعي موجبات قبول التحدي. إن مكونات الدولة وأعمدتها في القضاء والإعلام والأزهر والجامعات والمؤسسات المدنية، والمكونات الاجتماعية من عمال وفلاحين ومهنيين، والقوة الصلبة للدولة في الجيش والأجهزة السيادية، جميعها مطالبة بحرمان سلطة الإرهاب من جهاز الشرطة، ثم تكوين سبيكة من رجال يستطيعون التعبير وبحق عن نداء "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، وليس من سبيل إلى ذلك بغير تحمل الآثار المؤقتة للفوضى الدائرة في مصر، والإصرار على العصيان المدني لسلطة الإرهاب. إن خداع النفس تحت شعار ديمقراطية الصناديق وعدم الوعي بغياب أهداف الثورة عن المتعاركين حول الصناديق، سيزيد من حدة المواجهة، وليس هناك من سبيل غير منع استخدام الصناديق، والحيلولة دون الانتهازية تحت اسم الديمقراطية. المواقف تنتج الرجال، ومصر أنتجت رجالها لمواجهة المواقف مهما زادت مرارات المواجهة، وليعي الجميع الحكمة القائلة "أُكِلت يوم أُكِل الثور الأبيض".

369

| 23 أبريل 2013

الحالة «اشتباه»

إذا أثار شخص بهيئته وتصرفاته وبما يحمله، الريبة في مكان ما وفي زمان ما، يوصف بأنه أثار الشبهات من حول نفسه، وقد يعترضه رجل أمن ويقوده إلى قسم الشرطة للتحقيق، وإذا وجد معه ما يخالف، عرضه على النيابة التي تبحث مدى مخالفته للقانون، وترى فيه قرارها إما إحالته لمحكمة أو الإفراج عنه إن استطاع تفسير ما استدعى به الشبهات. تكاد تحيط الشبهات بما يجري في مصر، فالريبة صارت هي أول ما يدخل إلى النفس المصرية من أي فعل خاص أو عام، خاصة وأن معيار الاشتباه صار مطلقا وشخصيا لغياب القانون الذي يحتكم إليه المجتمع، والمجتمع يبدأ احتكامه وتقدير العلاقات داخلة بالعقد الاجتماعي التوافقي بين أطرافة، أي بالدستور. معركة الدستور التي بدأت في أعقاب 11 فبراير 2011 كانت أولى حالات الاشتباه، لماذا يفعل ذلك المجلس العسكري الذي يدير البلاد، وكيف ومصر تزخر برجال الفقه الدستوري، لجأ إلى لجنة أقل شبهة بها أنها تنتمي إلى جماعة الإخوان، وقاد البلاد إلى أولى خطوات الانقسام، ومازالت حالة الاشتباه تطارد أعضاءه رغم مضي 27 شهرا منذ ذلك التاريخ. وتمادت عوامل انقسام المجتمع بتعرضه لحملات الفتنة المتوالية، بدأت بفتنة الأجيال ثم الفتنة الطائفية ثم الفتنة في الدين ذاته، ولتنتهي بمحاولات هدم الدولة، وآخرها تجسد في الموقف من الأزهر والكاتدرائية، ثم بتسريب أخبار من مضمون أوراق لجنة تقصي الحقائق حول دور للجيش المصري في مواجهة شباب الثورة. من سرب الأوراق والمعلومات، وما مدى صحة هذه الوقائع؟ هي أسئلة مشروعة، ولكن حالة الريبة داخل المجتمع وضعتها ضمن سلسلة طويلة من علامات الاستفهام لا تجد ردا عليها، بل إن التعامل معها من وزير الدفاع كان مثيرا للدهشة أكثر منه باعثا على الراحة، فبدلا من أن يقرر اتخاذ إجراء عملي للبحث والتدقيق والتحقيق وإحالة الأمر للقضاء إن وجد ما يستدعي ذلك، وقف أمام الصحفيين يقسم بالله "أن الجيش لم يقتل ولم تصدر أوامر بالقتل". ولكن هناك قتل وسحل وتعذيب وهناك سرداب داخل المتحف المصري وهناك مشاهدات عينية وهناك شاشات تلفزيون صورت ونقلت، فلماذا القسم دون تحديد الجاني؟ لمصلحة من التستر؟ وتخرج مقولة "عدم تشويه الجيش" لتطارد محاولة الوصول للحقيقة، وكأن البحث عن الحقيقة تشويه، ونشر وثيقة في الصحافة المحلية والخارجية دون رد موضوعي ليست هي التشويه ذاته، وإذا قبل المصريون القسم بالله من وزير الدفاع، فهل يقبل العالم، ولماذا الدخول إلى دوائر الاشتباه، وفرض القداسة على الرد بالقسم؟ بقدر ما رفضنا هتاف "يسقط حكم العسكر" منذ لحظته الأولى، وكنا نراه محاولة لتعامل منحرف مع المؤسسة العسكرية، فإننا لا نستسيغ الاكتفاء بقسم مطلق دون تحقيق، فالله وحده أعلم بالنوايا ولا نملك قدرة التفتيش فيها. الريبة والشبهات غيوم في سماء مصر الآن، ودواعيها بلا حدود. وقائع ما جرى أمام الاتحادية يوم 5 ديسمبر مازالت دون التحقيق فيها وكشف مسؤولية جماعة الإخوان عما جرى يومها، من استدعى أعضاء الجماعة، وكيف جرى حشدهم وعلى عجالة، وتقسيمهم إلى مجموعات حتى أن أحد مسؤولي هذه المجموعات اتصل بأحد المستقيلين من الجماعة ليحدد له التوقيت ومكان التجمع، وهو ما كشف لنا حقيقة التنظيم للهجوم من قبل الجماعة بعيدا عن لغو القول. واقعة الإفراج بعفو رئاسي عن الحارس الخاص لنائب مرشد الجماعة، خيرت الشاطر، بعد حكم المحكمة على الحارس بالسجن لمدة سنة لحيازته سلاحا من دون ترخيص، وبلا مبرر، والحديث عن العفو الرئاسي عن مسجونين على قضايا جرائم (خاصة تجار مخدرات) ممن كانوا مع الرئيس نفسه في السجن الذي جرى تهريبه منه، أمر أثار الشبهات، ولم يجد أحد مبررا له. وواقعة محاكمات فتح السجون وخروج مرسي منها ومكالمته مع فضائية الجزيرة، والتي أفادت أن مكالمته لم يظهر لها رقم وكانت تحمل "رقما خاصا" أي غير مسموح بظهوره، وموقف النيابة من عدم تنفيذ قرار القاضي باستدعاء الشهود، ثم قراره الأخير باستدعاء مرسي للشهادة أمام المحكمة، أليس هذا كله مثيرا للريبة والشبهات؟ وواقعة ضباط الشرطة وعناصرها المختطفين والموجودين في قطاع غزة، هي حالة اشتباه تمس أبعادا وجهات كثيرة، ولكن أقسى ما تكشف عنه أمران، الأول أن مرسي عندما التقى زوجات المختطفين، عرض عليهن حقهن الشرعي في الطلاق من أزواجهن المخطوفين دون أن يرقى إلى مستوى الالتزام بإعادة أزواجهن!! وهو ما رفضته السيدات المصريات. وإذا وجد أحد مبررا لهذا، فالأمر الثاني لماذا يكبل القرار السياسي القدرة المصرية على تخليص المختطفين من سجنهم، وأعلم أن القدرة متوفرة مهما كان ثمنها، ولكن ما تخفيه الأنفس يفتح باب الريبة والاشتباه. ولعل مرسي كان صغيرا في السن ولا يذكر واقعة قامت بها المخابرات المصرية عندما جلبت عميلا للموساد من إيطاليا وكان بطل هذه العملية الطالب سمير الإسكندراني بالأكاديمية المصرية في إيطاليا وهو الفنان المعروف. ولعل مرسي لا يعلم قصة الحفار "كينتنج" الذي جلبته إسرائيل لاستخراج البترول من خليج السويس وقامت المخابرات المصرية والقوات البحرية بتدميره في 8 مارس 1970 قبالة ساحل العاج، وحرمت العدو من إعمال إرادته، وهؤلاء الرجال أبناء مدرسة مصرية لم تغلق أبوابها بعد وتستطيع أن تحقق أهدافها إن توافرت الإرادة السياسية. وما يزيد الريبة والشبهة أن ينقل رئيس حزب الوسط عن الرئيس قوله إن المخابرات المصرية أقامت تنظيما من 300 ألف بلطجي وإنها سلمت التنظيم للداخلية! فمن يثير الريبة ومن محل الاشتباه. وتصل الريبة إلى مجال الأمن القومي المصري، وله أدوات حمايته، ولا يمكن أن يتعارض أي تصريح أو أداء سياسي مع موجباته. الخطر يحيط بمصر، ولكن هل تستوعب السلطة في مصر بعد انتخابات الرئاسة أبعاد هذا الخطر حتى تكتسب شرعيتها بمواجهة هذه الأخطار. لقد تحولت مصر بعيدا عن مهامها تجاه حدودها وأمنها وحقوقها الاقتصادية وأمن مياه النيل، فصارت السلطة محل الاشتباه، لا تجدي التصريحات ولا محاولات المصالحة ولا التشريعات التي يجري صياغتها لحماية هذه السلطة، وليس المواطن والوطن. جلبة شديدة حول حلايب وشلاتين على الحدود المصرية السودانية، فبينما تفقد حكومة السودان ثلث السودان، تتصارع السلطة هناك وفي مصر حول ما إذا كانت حلايب وشلاتين موضع نقاش بينهما أم لا؟ هذا الجدل العقيم بينما السودان مهدد بضياع دارفور وشرق السودان في متوالية انفصال هي خطر على مصر، والتغاضي عن الدور الإسرائيلي هناك هو هروب من المسؤولية. إن نظام ما بعد يناير لا يجب أن يعتبر العلاقة مع السودان محل مناورة، بل هي مسألة أمن قومي، يترتب عليها التزامات كما الالتزام تجاه الأرض المصرية، حجم الريبة في هذا الغياب وأسبابه يضع السلطة ومرسي محل الاشتباه. والنظر إلى العلاقات العربية ــ العربية على أنها مجرد مصدر للإعانة أو التسول هو خطر يأخذ من مصر ولا يضيف إليها، ويكشف نهج سلطة التسول القائمة، ومثير للريبة، أن نظاما ينظر تحت قدميه لا يرى المستقبل ولا يستطيع التعامل معه. إن كافة الإخفاقات العربية في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين وليبيا وتونس والسودان والخليج العربي تصب في الأمن القومي المصري أعباء إضافية وخطرا يتعاظم كلما طال زمن غياب الوعي به وعدم امتلاك إستراتيجية للتعامل تطمس ما بقي لمصر من وزن إقليمي لتتحول من معامل قوة إلى معامل ضعف للأمة. إن العلاقات الدولية والعلاقات في الإقليم إن لم تملك رؤية تحدد مصالح الوطن وانتماءه العربي هي مجرد وهم، وتحيل مصر إلى التبعية حتى يتحقق للسلطة القائمة مجرد الوجود. القضية الفلسطينية ليست مجرد مصالحة بين سلطة وحكومة مقالة، القضية الفلسطينية قضية الوجود العربي. والعلاقة مع إيران ليست صراع سنة وشيعة، ولا هي نقل حرفي لنظام الجمهورية الإسلامية، ولا يمكن الاعتماد على وعي النظام الإيراني بحقيقة مصر وشعبها، وأن يميز بين ما هو طارئ وما هو أصيل في الوجود المصري، ولكنه يتطلب قبول تحدي بناء العلاقات الناضجة وليست صريعة أهواء أفراد أو جماعات، وتتفق والرؤية الأمريكية الإسرائيلية تجاه المنطقة. لقد تحولت العلاقات الخارجية من علاقات الدولة المصرية والخارج إلى علاقات جماعة الإخوان والخارج، وغابت الخارجية المصرية، وحل محلها مسؤول العلاقات الخارجية للتنظيم الدولي. إن تجاوز مقتضيات الأمن والعدالة وأسس العلاقات الدولية والانتماء العربي ومقتضياته، هي أسباب الريبة في أهداف هذا النظام، ولا يمكن تجاوز حالة الاشتباه فيما يفعل. وقائع الريبة تشمل غير السلطة المعارضة التي تواجهها، فهي في حالة ترد متوال، لم يترك يقينا لدى الشعب أنها تعبر عنه مما أفقدها مصداقية ما تقول، والأمور عندها تتلون وتتوالي التنازلات من سيئ إلى أسوأ غير آبهة بما يجري نتيجة الانهيار هذا، وصارت والسلطة ومولاتها كأفرع للنظام السابق، وكان الهدف إسقاطه والقضاء على الفساد الذي أنتجه وتجاوز عجزه عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية فصار الحاضر بعد الثورة صورة مسخ للنظام الذي ثارت عليه. عندما يشتبه شرطي في شخص يقوده لمركز الشرطة ويطبق عليه القانون، وعندما يجري الاشتباه في السلطة والمعارضة فمن يكون الشرطي، خاصة وأن الشعب يرفض كلاهما.

547

| 16 أبريل 2013

قواعد الاشتباك

عرفت الإنسانية الحرب أنها ممارسة السياسة بوسائل أخرى، وأنها وجه الدبلوماسية الآخر، وأن غاية القتال هي الوصول إلى تعديل حالة التوازن بين الإطراف المتحاربة لأن الأوضاع في ميادين القتال تعكس نفسها على مائدة التفاوض التي تجمع الأطراف. وصار للحرب علوم تكاد تكون في حجيتها وصرامتها دستور لكل من يرتدي زيا عسكريا، أو يدير أمة ويتخذ فيها قرارا. لم تعد الحروب نزهة، ولم تعد خطابا حماسيا، وتطورت الأدوات لتحقق هدف كسر إرادة العدو، مع الحفاظ على أرواح الجند، وكلما ارتقى إحساس الجندي في الحرب بأنه أغلى وأرقى ما في الحرب، زادت شجاعته ورغبته في التضحية. وتحديد هدف عادل للحرب يحدد مشروعيتها أمام النفس والإنسانية، وترجمة هذا الهدف إلى إستراتيجية عسكرية ومهام للقوات المحاربة وامتلاك الأدوات والتدريب الذي يؤهلها لمهامها يحقق الموضوعية، وتحديد من يتخذ قرار بأنه القيادة السياسية للوطن (الأمير عند كلاوزفتز أو الحكومة المنتخبة عند غيره حسب تطور النظم السياسية) يضع قرار الحرب بيد المجتمع والوطن وليس نزعات طيش عند رجال مدنيين أو عسكريين، ومن يملك قرار بدء الحرب يجب أن تكون لديه القدرة والسلطة على اتخاذ قرار وقفها. والقوات المقاتلة يجب أن تشعر شرف المهمة التي تخوض القتال من أجلها، ودعم المجتمع الذي تخرج منه، لتعود إليه منتصرة ليستقبلها معترفا بتضحياتها ويمنحها أكاليل الغار، أو أن تعجز عن تحقيق أهدافها، فيستقبلها معترفا بقصور لديه سواء في القرار أو المشروعية أو الإمكانات، ويكون لها حاضنا حتى تستعيد القدرة، ليبدأ من جديد ممارسة السياسة بوسائل غير الدبلوماسية، أي بوسائل القتال. وصارت الحرب، أداة الصراع العالمي سواء للسيطرة على مناطق النفوذ والثروات، وهو ما استقر عليه بالمصالح، واحدة من أهم أسباب البحث العلمي والتطوير التكنولوجي، لتصبح صناعة السلاح سببا من أسباب القوة، وتصبح تجارة السلاح سببا من أسباب النمو الاقتصادي أو الانهيار الاقتصادي. ولعل صور أثرياء تجارة السلاح لا حدود لها، ولكن المثال الحيوي لمعنى الانهيار نتيجة الصراع على امتلاك القدرة المتوازنة، هي حالة التنافس في حرب النجوم بين أمريكا والاتحاد السوفيتي، وهو واحد من أهم أسباب الانهيار لاقتصادات الاتحاد السوفييتي حتى إن اندروبوف قال قولته الشهيرة عن دعم حركات التحرر ومواجهة أمريكا "نحن على استعداد للتعاون دون أن يطلب أحد منا أن نطعم شعبه!". والعالم اليوم ليس من الملائكة، ولكن تعدد المصالح وتباينها، والأثمان الباهظة للحروب ومستلزماتها فرضت على من يملك القوة أن يجد الممول الذي يستطيع أن يدفع تكاليف الحرب، كأنه مشروع اقتصادي، ولكن الحبكة السياسية هي خداع الممول لينال أقل ما يمكن من عائداتها، ليستطيع من يملك القوة تحقيق أقصى عائد من استخدامه لأدوات الحرب التي يملكها. وفي عالم اليوم أيضاً يجري تشكيل فيالق متعددة لتقاتل وفق أهوائها لتحقق لأطراف أخرى مصالح لا تراها، فهي تستعذب القتال وهما ومن يستخدمها يملك إستراتيجية التوظيف وإعادة تشكيل الاهتمامات. ويعاد ترتيب الصراعات بعيدا عن أصحاب المصالح، لتتحول إلى إقليمية، وبأدوات الأقاليم ذاتها، أو داخل حدود الأوطان وفق تعددها العرقي أو الطائفي والمذهبي، وكأن الذئاب تملك قلوبا رحيمة بالأغنام وترعاها وتوفر لها الكلأ والماء وتحميها. صنع عالم المصالح الكبيرة قانونا جديدا للغابة، ويستخدمه، وطاب للقطعان أن تحيا تحت أنيابه، بل وتتنافس على رضا الذئب، ونسوا طبائع الأمور، نسوا التاريخ فوضعوا رقابهم على مذابح المصالح الكبرى، وفقدوا حقيقة الصراع، فصاروا هم القاتل والجلاد، وهم الضحايا. ما يطلق عليه الحرب الأهلية لا يندرج ضمن قوانين الحروب، وزمن الاقتتال داخل المجتمعات للوحدة أو البناء، ذهب أدراج الحربين العالميتين، وانقسم العالم إلى مجتمعات تعي معنى الحرب فتتجنبها، ولكن مصالحها لدى مجتمعات تملك الثروات الطبيعية والجغرافيا ولا تملك قدرة العلم وإمكاناته، فوضعت لها إستراتيجية الاقتتال لتتمكن من السيطرة عليها. ولم تعد الحرب الوجه الآخر للسياسة، ولكن صارت النزاعات الإقليمية أو الداخلية بالاقتتال سبيل استنزاف القوى ونزح الثروات والحيلولة دون النمو والوجود والقوة. الاستنزاف الاقتصادي صورة من صور الحرب، والبنك الدولي وصندوق النقد صورة أخرى، والحديث عن العولمة والنظام العالمي الجديد صورة ثالثة، واستطراد الحديث عن حقوق الإنسان وازدواجية المعايير بشأنها صورة رابعة، ثم تغذية العرقيات المتعددة داخل الأقاليم أو الطائفية والمذهبية داخل الأوطان، صورة أخرى. ظللنا نحاول أن نحول بين ظاهرة الإرهاب ونسبتها إلى الإسلام، وأيضا أن نحول دون وصف المقاومة الفلسطينية بالذات أنها إرهاب، ولكننا هانحن نكتشف حقائق أخرى بمجرد أن رفعت ثورة يناير الغطاء عما هو كامن داخل أوطاننا. تبدى لنا الآن أن الغرب الذي صنع هذه الظاهرة كان يعلم كيف صاغ عقيدتها، وأن تعامله من بعد انهيار الدولة العثمانية مع ما صنعه بيديه داخل المنطقة العربية، كان يجب أن يظل حبيس تصوره، واستكمل الغرب تصوره بزرع الكيان الصهيوني فوق أرض فلسطين وأعطوا أرضا بلا شعب ولشعب بلا أرض وأيضا بالإرهاب الصهيوني، وكان يمكن للغرب هذا أن يقبل بنداء القومية العربية لو أن هذا النداء لم يتجاوز مجرد الأفكار ولم ينتقل إلى الواقع، يحاول أن يغيره بمضمون الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية والتنمية المستقلة وحق العرب في ثرواتهم. ويضيق البعض بوصف "الاستعمال" لأي من التنظيمات المتأسلمة سواء جماعة الإخوان أو السلفيين، ولكن حقائق الأمور تتكشف لحظة بعد أخرى، والمتغيرات في مصر تؤكد أن لحظات الصعود لثورة يوليو كان الإخوان في موقف العداء بعد فشل محاولات الاستيلاء، وأن حركتهم خارج مصر كانت ضد مصر، وأن صياغة التنظيم الدولي كانت لحصارها، وهكذا كان دور السلفيين في مصر قبل الثورة حيث كانوا أداة إحباط ويحملون فتاوى عدم الخروج على الحاكم طالما هو يسمح بالصلاة في المساجد ولم يغلقها. ما يجري في مصر لا يعرف أنصاف التوصيفات، إن لم يتم توصيفه بوضوح قاطع، ستدفع مصر والأمة العربية كلها ثمنا لا تتحمله. ما يجري في مصر لا علاقة له بالثورة أو السياسة، مصر تحت إرهاب يحاول أن يتخفى تحت ظلال الإسلام، كانت البدايات التفافا حول حركة الشعب وثورته، ثم كانت الموجة التالية هي تكفير المجتمع وإهدار تاريخه، والحديث عن شرعية الصندوق، وحقيقة الأمر هو اختطاف السلطة، وعدم امتلاك القدرة على إدارة الدولة، والأخطر عدم الانتماء إلى الوطنية المصرية، ولا يجب أن نقع تحت إرهاب فكرة أن الوطنية تعبير مطلق كما المواطنة، فالفارق جوهري، المواطنة حق لمن ولد فوق الأرض، ولكن الوطنية هي الموقف لصالح الوطن في كافة قضاياه، الوطنية تعني أن الوطن ليس حزبا أو جماعة وأن الحزب ليس وطنا. الإرهاب في مصر يحاصر أعمدة الدولة، ويحاول أن يهدمها لصالح استكمال بناء يسيطر عليه، دون وعي بمصادر الخطر الرئيسية وبدون انتماء للشعب. يحاصر الإرهاب القضاء وزرع داخله أذرع له، ويحاصر الإرهاب الأزهر، كما يحاصر الكنيسة، ويتجاوز ذلك في الاستيلاء على جهاز الشرطة ويضع على رأسه من يأتمر بأمره، ويسعى الإرهاب إلى الاستيلاء على المؤسسة العسكرية، ويغل يدها بامتلاكه للقرار لصالح الجماعات الإرهابية التي نجحت في التسلل إلى مصر وامتلكت السلاح، وتستخدمه، بل إن الإرهاب في مصر يستخدم المال لإعادة توظيف حالة الفقر لصالحه، وليس أدل على ذلك من المشهد في وسط القاهرة ووقائع أحداث جرت أمام القضاء العالي، حيث كانت المظاهرة السلمية تقع تحت نيران أطلقت من نوافذ مكتب النائب العام وتحت إرهاب أسلحة بيضاء يحملها بائعون يفترشون شارع طلعت حرب وميدان التوفيقية وحولوا القاهرة الخديوية إلى عشوائية، وحجم البضائع يكشف حجم الأموال، والتصرف بالبلطجة والسلاح الأبيض يكشف أبعاد العلاقات وتوافق المصالح، حتى إنهم يحمون نائبا عاما سقطت شرعيته بحكم القضاء. والغريب أن هناك خللا في رد الفعل على تقييم ما يجري فوق الأرض المصرية. الخبراء العسكريون يحددون أن هناك تواجدا مسلحا في سيناء ومرسى مطروح في الغرب وفي صعيد مصر، وأن سيناء تعتبر مخزنا للسلاح وسوق بيع بالجملة والقطاعي، وعندما تجري مناقشة كيف يصمت الجيش عن مواجهة ذلك، تكون الإجابة أن الجيش يتحرك وفق القرار السياسي، وهو ما يعني أن هذه الجماعات الإرهابية تتمتع بحماية السلطة في مصر. والخلل هنا في التسليم بما أنتجه الصندوق الانتخابي دون الوعي بخطره على الأمن القومي والوطن. يتمثل أيضاً الخلل فيما يطلق عليه أن الجيش يحمي الشعب ولن يدع الدولة تنهار، ولكننا في مرحلة الدولة الفاشلة وليست مرحلة الدولة المنهارة "هكذا يتحدثون عن أنها علوم في الكتب، وأن أي تدخل الآن سيصفه العالم بالانقلاب!" وكأن الولاية لعالم متعدد المعايير، ويقولون بأعصاب باردة إن كافة الحوادث لم تصل إلى آلاف القتلى في الشوارع؟ هكذا يجب أن يحدث الاقتتال والدم وآلاف القتلى حتى نستعيد مصر من يد الإرهاب، ودعم سلطة القرار السياسي له. إن الحديث عما يجري في مصر أنه تنافس سياسي هو خداع للنفس، إن ما يجري في مصر هو هدم للدولة، ومراجعة أقوال المتحدثين باسم هذه الجماعات يلحظ لغة الهدم والدعوة للقتل واستباحة كل قيم المجتمع، تعرض المجتمع للفساد قبل الثورة، ولكن هويته الوطنية كانت تحفظ قيما وثقافة جرى العدوان عليها، وكان اغتيال الهوية بالتكفير هو الخطوة الأولى لتبرير القتل، والاغتيال المعنوي المستمر سيفرض لحظة الحقيقة، ويجري تصحيح قواعد الاشتباك، وساعتها ستكون مصر بإرادة الشعب الأعزل مقبرة للإرهاب تحت ظلال الدين كما كانت دوما مقبرة للغزاة.

841

| 09 أبريل 2013

صعود المنحدر

على طريق صلاح سالم إلى جوار أبراج قلعة صلاح الدين بالقاهرة، منحدر بمجرد أن تنهيه وتصل إلى أدنى نقطة فيه وتترك السيارة بدون تعشيق، حتى تعكس السيارة حركتها صاعدة المنحدر عكس قوانين الطبيعة. البعض يحيل الأمر إلى وجود قوة مغناطيسية، وكان يمكن رصدها بوسائل أخرى إن كانت موجودة. والبعض الآخر يحيل الظاهرة إلى وجود تركيب جيولوجي يقع فيه المنحدر الظاهر على منحدر آخر عكسي. والظاهرة لا تخلو شعبيا من الإحالة إلى الجن والعفاريت، هروبا من عجز التفسير. هذا واقعنا الحالي، نحن نصر على صعود منحدر ونفسره بتأويلات لا علاقة لها بالإرادة ولا بالعلم، وكأننا نحيا في كوكب القرود، أو احتلت القرود كوكبنا، ولسنا من البشر، وكأن هناك غزوة "من وهم الخلافة" تسعى أن تطيح بمن خلق الله من بشر فوق أرض مصر، خارجها. أعرض هنا لرأي اثنين من الأصدقاء حول جوهر الخلاف في مصر، ولأن الآراء لا تكفي فسأعرض لموقفين في واقعة محددة، إيضاحا لما نحن مقبلون عليه. قال الأستاذ محمد عبدالكريم المحامي، إن جوهر الخلاف بين الجمهورية والخلافة الإسلامية أن الصراع الآن بين حقيقة تحاول أن تتمكن من مكانها فوق أرض مصر "الجمهورية"، ومكوناتها ثلاثة: "الشعب" مصدر السلطة، و "تكافؤ الفرصة" بين أبنائه وهي العنصر الثاني المكون لمعني الجمهورية وعنصرها الثالث هو "جيش وطني قوي" يعي أن الوطنية ليست مجرد مواجهة الخطر الخارجي المسلح ولكن للأخطار الخارجية استراتيجيات، تملك الأدوات الأعمق من السلاح ومن مجرد الحرب. وطرف الصراع الآخر فكرة "الخلافة"، جاءت من كهوف لم تقرأ التاريخ، حتى تاريخ الخلافة، ولكنها تهرب من واقع حياتي معاصر يتطلب إمكانات ورقيا وعلما وتجددا في المفاهيم وخروجا من غياهب التنظيمات السرية وقوانينها، إلى استدعاء لتاريخ لا تملكه وحدها بل تملكه البشرية كلها والعرب جميعا، هم يحاولون صعود منحدر حضاري يدفعوننا إليه. هروب إلى الأمام وليس تحمل لمسؤوليات واقعة أمام الأعين والإرادة، بعد أن سرقوا الثورة، يغتالون الجمهورية، وكل الخلافات الجارية هي مظهر من مظاهر الاغتيال. وتدخل المهندس محمد السباعي في الحوار مبديا رأيه "Top of Formحين يظن البعض أننا ندفع بصخرة الوطن في منحدر الصعود فإننا أمام من يرى الوطن "صخرة" ويرى طريق الصعود "منحدر" وأعتقد أن من أطلق هذا التشبيه، قد خانه التعبير فلا يمكن شرح السقوط الحر بمعادلات قانون الطفو فالسقوط الحر يرتبط بعجلة الجاذبية الأرضية بينما قانون الطفو يتعلق بحجم الجسم الطافي وكثافة المائع. وعلى ذكر المائع فإننا أمام مائع عالي اللزوجة يدفعنا للتفكير في قوانين حركة الموائع والعلاقة العكسية بين الضغط والحجم ودرجة الحرارة. الواقع يشير أن الضغط يقع فقط على الشعب وتُمارِس فنونه ببراعة الإغواء والتصيد من كافة الأطراف التي تملك منابر نظامية كانت أو شعبية أو تحت الطلب وكلما يزيد الضغط يقل الحجم وتقل درجة الحرارة لكن السرعة تزيد، والسرعة هي معدل تغير المسافة هي حركة في اتجاه، ومن الصعب التصور أن الاتجاه هو منحدر الصعود!! والحقيقة أنها حركة بلا اتجاه فقط تحفيز لعناصر متحركة تتطاير بعشوائية بطاقتها المكتسبة من الضغط وقد تصيب إليكترونا فتطرده من مداره وتحول عنصرا خاملا لعنصر نشط وقد تؤدي لانشطار أو اندماج ينتج عنه مالا يمكن احتواؤه من طاقة. وأما الحجم فهو الخدعة الحقيقية فالبالون قبل ملئه بالهواء يمكن وضعه في حقيبة صغيرة لكن وهو ممتلئ يبدو عملاقاً، وهذا حال كل ما يدور في حلقات السياسة يستغلون حيز من الفراغ بقدر ما بهم من هواء وبتسخين الهواء، يرتفع البالون ويسيطر على ما حوله لكن مع أول اختبار لتسرب الهواء الساخن من أعلى يحترق البالون ويسقط كبالون الأقصر، وبرغم أنه بالون هواء ساخن إلا أن الإعلام يقرر أنه بالون هيليوم، وبرغم أن الهيليوم غاز خامل لا يشتعل ولا يساعد على الاشتعال إلا أنهم أقنعوا الشعب أن البالون انفجر وأنه كان بالون هيليوم. المشكلة التي نواجهها كـ"شعب" أننا لا نعرف الحجم الحقيقي لكل البالونات الممتلئة من حولنا ولا نراها إلا ممتلئة بالهواء ومحلقة في السماء فلا نعرف قدرة أجهزتنا السيادية لمقاومة تسريب الهواء الساخن من أعلى ولا قدرة قواتنا المسلحة في بقاء منطادها محلقاً. ونأتي لدرجة الحرارة، رفع درجة الحرارة يحتاج للطاقة فيبدو أن كل الطاقة المتوفرة يتم استخدامها في العبث بدرجة حرارة الشارع فليس كل ما يتم سرقته يتم تهريبه وبيعه في غزة. وبالنظر لحالة تميع الشارع وتعرضه للضغط والحرارة وخداعه بالحجم نجدنا أمام حوار ثنائي بين أنظمة وتنظيمات، ودون أي تحفظ أو تريث فإن تنظيم الإخوان يدفع بالمائع الأعظم نحو أممية الخلافة ويتجاوز العقبات المتتالية بتمرير قانوني أو قرارات نصف إلهية أو بالضغط في الشارع سواء بالترهيب أو استخدام العنف المباشر. ونرى النظام متمثلا في مؤسسات سيادية وفي القوات المسلحة تحاول الدفع بالمائع الأعظم نفسه للتمسك بالجمهورية في مواجهة الأممية وكلما يزيد المائع في الفوران تصدر بيانات أو إشاعات أو تصريحات تمر أو حتى يتم تكذيبها للتشكيك في "الحجم" الحقيقي للتنظيم أو للنظام وآخرها وأكثرها فجاجة هو ما قيل عن المخابرات العامة، لم تكن الفجاجة من طرف من قال فقط، بل أتت ردود الأفعال لتدين من تحدثوا بها، فيخرج بعض وكلاء الجهاز ليطمئنوا "الشعب" أن المخابرات العامة لديها كل ملفات الإخوان خاصة منظمة حماس الإخوانية وأعتقد أن هذا ليس تهديداً للإخوان بقدر ما أراه تخاذلا وإدانة لتلك الأجهزة السيادية ذاتها، فما هي تلك الملفات، ولو كانت تدين تنظيم الإخوان فكيف سمحت تلك الأجهزة لتنظيم مدان أن يصل لحكم مصر وما صلاحية هؤلاء الوكلاء لإصدار تلك التصريحات وماذا يمكن أن يحدث لو فتحت تلك الملفات؟ والأدهى هو ظهور الأجهزة السيادية والقوات المسلحة بدور "المراقب" وكأن قضية الحفاظ على الجمهورية هي قضية شعبية وليست سيادية وكأن مقاومة الأممية هي هدف جماهيري وليست حفاظا على عقيدة وطنية هي صلب بناء تلك المؤسسات. أعتقد أن صخرة الوطن تم إلقاؤها لأعلى وهي في حالة سقوط حر ما بين خلافة مصطنعة وبين جمهورية منكسرة وكلما سقطت بينهما يتم إلقاؤها مرة أخرى وأثناء صعودها وهبوطها يستمر العبث بتميع الشارع. حوار أطرافه ترى الواقع وتتلمس حدود المسؤولية، وبلغ الأمر التفكير في دعوة لتأسيس "حركة حماية الجمهورية". هي محاولة لتجاوز التفاصيل والأطراف المتعددة والتي لا يمنح الواقع وتاريخ السنوات الممتدة منذ إعلان الجمهورية في يونيو 1953 لها حق الولاية عليها، فأغلب المواقف لأغلب أطراف الصراع الآن كانت منذ اللحظة الأولى لإعلان الجمهورية في موقف معاد لها، خاصة جماعة الإخوان التي كانت رهينة وراثة الخلافة العثمانية. يرى الأستاذ محمد عبدالكريم، أنه قبل إعلان الجمهورية كان الشعب يطيب له أن يكون من "عبيد إحسانات مولانا الملك"، بينما كان شعار الثورة "كلنا سيد في ظل الجمهورية"، غير أن طرح الخلافة الحالي يعيد الشعب إلى حالة الإحسان والزكاة بديلا عن ملكية السلطة ومصدرها، والتشارك في تنمية الإنتاج داخل المجتمع سبيلا لتحقيق العدالة الاجتماعية وتحت مظلة تكافؤ الفرص لكل الشعب وبدون تمييز على أساس ديني أو مذهبي. كان هذا محاولة استطلاع قد يمتد بها الحوار لتستكمل أركانها، غير أن الواقع يعطي لنا مثالا لعل به بصيص نور، وجرت وقائعه في احتفال أقامه مجلس نقابة المهندسين بيوم المهندس المصري، لن نناقش دعوة الرئيس المنتخب إلى الاحتفال وتحويله إلى مظاهرة تأييد إخوانية له، ولكن سأعرض لموقفين ولهما دلالتهما على القادم في المستقبل ومن سيتحمل مسؤوليته؟ وفارق الإدراك للذات وقيمتها. الموقف الأول من عضو مجلس النقابة مهندس عمر عبدالله والذي تولى مسؤولية ملف النقابة لعشر سنوات بجماعة الإخوان، وكان قبل الاحتفال بأسبوعين قد قدم استقالته مسببا لها "بعدم القدرة على التكيف مع متخذ القرار بالنقابة"، ثم يقبل من ذات "متخذ القرار" دعوته وتكريمه أيا كان مبرر التكريم، وأظن أن الاستقالة وقبول قرار التكريم يتناقضان لكونهما يتعارضان مع سبب الاستقالة. الموقف الثاني اتخذته مهندسة شابة تولت أمانة سر لجنة انتخابات النقابة لأول انتخابات بعد 20 عاما، وهي المهندسة سمر المرزوقي، حيث تلقت اتصالا تليفونيا لدعوتها لحضور الحفل، وطلب منها المتصل الرقم القومي لعرضه على أمن الدولة. وكان الرد على الطلب علامة فارقة من شباب جيل جديد يعي قيمته ويحترم ما لديه من معلومات، فقد أجابت بأن الطلب للرقم القومي يدل على أنكم لا تعلمون أن الرقم القومي لكل المهندسين قد تم الحصول عليه أثناء الإعداد للانتخابات وهو متوفر بالنقابة وهذا في حد ذاته مشكلة، والمشكلة الأخرى عندما ادعي كمهندسة لحفل تقيمه نقابتي لا يجري عرض أمري على أمن الدولة ليرى إن كنت أحضر أم لا، وعليه رفضت المهندسة حضور المؤتمر "للتصفيق بعد استئذان أمن الدولة". نعم في ظل الثورة والجمهورية، يدرك المؤمنون بها قيمة أنفسهم، وحقهم، تدرك أنك "سيد" ولست "عبدا" أو "تابعا". أن تكون حرا هو شعاع النور الذي يؤكد أن للمستقبل صُنَاعه، وهم أصحابه ومالكيه، وسيبقى دائما في مصر طريقا للغد مهما كان الثمن، وللطريق حراسه وجنوده، ويملكون القدرة للدفاع عن أنفسهم وأمانيهم ولا يتعاملون بالقطعة، فالأشياء عندهم مترابطة غير قابلة للانفصام ولا للتبدل أو التنازل.

4798

| 02 أبريل 2013

لعبة الصغار !!

عندما يسيل الدم، يمنع لغط القول، ويخرج الرجال ليصطفوا، فإن كان الدم نداء شرف، يخوضون الغمار، وإن كان الدم عار أمة، يرفعون سيف الحق، وما أمضاه، ولكنهم بالضرورة يجب أن يكونوا رجالا، وليسوا مسخ رجال. الرجال يكفيهم نداء العقل والواجب والحقيقة، والصغار أولئك الذين يمضغون الكلم ويسَوفون، يبيعون الوهم، ومن الوهم ينسجون الأماني، وعندما تكون أمانيهم محض كذب، ولا تحمل غير الكبر والتجبر، فلا شيء يسود غير القتل. إطلالة العنف في مصر جاءت مبكرة، ومن قبل الثورة لأكثر من أربعين عاما، مع بداية السبعينيات من القرن الماضي، ولم تنشأ في الأحياء الفقيرة أو العشوائية، فمصر حينها كانت تحت السلاح، وكان السلاح محدد الاتجاه قطعيا تجاه العدو الصهيوني الذي يحتل الأرض، كان الثأر من العدو للشرف وتحرير الأرض يملكان العقل ويبنيان الإرادة، وكان يومها أمرا عجبا، فالدول في أعقاب الهزيمة تسودها الفوضى والانحلال، ولكن مصر في أعقاب هزيمة يونيو 1967 سادتها إرادة استرداد الذات لتحرير الأرض والدفاع عن وطن. بدأ العنف غريبا ومصنوعا داخل أروقة الجامعات المصرية، وتحت راية الجماعات الإسلامية، وكأن قدر ديننا أن يربطه الخوارج عليه بالعنف، وكأن دين العقل والسلام، قد أضاعوه بضعف الحجة وتشوش الغايات، وانعدام المسؤولية. العنف يرفع راية الدين، ويتخذ من ساحة العلم ميدانا، ومن طلبة العلم أدوات. كان الرجال على جبهة القتال يستعدون لحرب التحرير، وكان الشعب من ورائهم يضع صبره وكل الإمكانات من أجل التحرير، وكانت الجامعة حاضنة لمستقبل العنف في الوطن، معادلة أكدت الوقائع بعدها، أن مولد التسويف والتفريط في المستقبل بدأ في تكوين جيل استطاب تغييب مهمة الوطن، وأخذ بترف الانحراف بالدين، واستهدف المجتمع، ليمضي مسلسل العنف متصاعدا، نرصده على استحياء كلما ألم بنا موقف، نتحدث عن المظاهر، ولا ندرك عمق التشوه في التكوين النفسي والاجتماعي والسياسي، وكما صار الدين ملاذا للهروب من إحساس العجز، أصبح مسوغا لتنامي العنف وتراكمه، أيا كان مصدر صناعته محليا أو إقليميا أو دوليا. انتهكت حرمة الإنسان التي جسدتها الأديان "لا تقتل"، وتحول أمرها إلى فتاوى جاهلة سواء في ظلام تنظيمات دينية سرية أو من فوق المنابر علانية أو على شاشات فضائيات تستغل الدين في توجيه السياسة وتحل القتل، للجندي والعالم والمواطن، فصار الوطن سلخانة للبشر بفتاوى كهنة لا عاصم لهم من الانحراف، ولا رادع من وازع ديني أو وطني أو أخلاقي. يبين من ذلك عظمة الخروج الشعبي المصري بالثورة ضد نظام الاستبداد، فقد تجاوز الشعب ثقافة العنف والهزيمة وفتاوى الاقتتال أو حتى فتاوى العبودية وتحريم الانقلاب على الحاكم. كرة الثلج تتدحرج منذ عام 1967، وتدهس كل ما يواجهها من مواقف تحاول جاهدة أن تقلل من الخسائر، ونجحت كرة الثلج أن تتجاوز نتائج حرب أكتوبر 1973، وصارت روح القتال وإرادة التحرير أمرا يجب تجاوزه، وبدلا من استغلال نجاح أكتوبر لإعادة بناء وطن، جرى تغذية روح الاقتتال الداخلي وثقافة "أثرياء الحرب"، خرج الشعب من تحت السلاح بهدف التحرير، إلى استعباد بسياسات اقتصادية واجتماعية، تزيد من الإرهاق المعيشي، وتحيل مصر إلى واحة للفساد والمشاريع الذاتية وواحة لكهانة باسم الدين، كشفتها وقائع يناير العظيمة. هل ستصبح ثورة يناير الشعبية فرصة أخرى ضائعة في تاريخ الشعب المصري، كما ضاعت فرصة حرب التحرير في أكتوبر؟ أرى يقينا أن ثورة يناير لن تتحول إلى فرصة ضائعة في تاريخ الشعب المصري، ولكنها فتحت أفقا أعمق من مطلب تغيير وتطهير مؤسسات الدولة، فقد رفعت الغطاء عن حقيقة جماعة الإخوان، وأن جوهر تاريخها أنها جماعة "للاستعمال" على حد تعبير الأستاذ هيكل. ولنمسك بمشهد رئيس ترك وطنه في حالة احتراب ورحل إلى باكستان، واحة السفيرة الأمريكية الحالية في مصر، وهناك يمنحونه درجة الدكتوراه الفخرية بعد ثمانية أشهر من توليه السلطة؟ فما هي مبررات هذه الشهادة، وأي سبب استدعى هذا التكريم، وفي الأعراف المصرية عندما يتمادى أحدهم في مديح آخر، يعاجله بقولة "لبست العمة"، أي أنني أصبحت حبيس نفاقك وسأسلم لك بما تريد!!، لم يترك المصريون أمرا دون إحالته إلى تعبير ساخر، خاصة زي الجامعة الباكستانية لم يكن مناسبا للرئيس، وأكبر حجما، فأحال مشهد التكريم إلى حالة مسرحية وجد فيها المصريون ضالتهم للسخرية. ولكن الأكثر مرارة أن يتوجه الرئيس بالتحية لدورهم في حرب أكتوبر 1973، وهو أمر لم نرصده إطلاقا، فمثلا إيران الشاه أمدت مصر بالوقود، رغم علاقة الشاه بأمريكا وإسرائيل، إلا إذا كان الرئيس يعني موقف ذو الفقار علي بوتو عندما قال لعبد الناصر قبل الحرب "لقد خرجوا لينالوا منك"، وكان أحد أهم الإشارات التي سبقت يونيو 1967. والرئيس، أو كما يوصفه المصريون، مندوب مكتب إرشاد الإخوان بالرئاسة، أيضاً يتحدث عن موقف للشرطة في القلب من ثورة يناير 2011، وهي الثورة التي بدأت في مواجهة الشرطة وجرائمها ولإقالة وزير الداخلية حبيب العادلي، فهل تقدير الرئيس يعني ضمنا موافقته على ممارسات الشرطة حينها بالقتل والسحل ثم الهروب إلى الثكنات، واستمرار حالة القتل حتى اللحظة؟، أم أنه تقدير لها أن رجالها تركوه يهرب من السجن؟ والرئيس لم يكتفِ بهذا، ولا بصمته المريب على حالات القتل والسحل والعنف المتبادل، بل سارع وفي احتفالية للمرأة، بالتهديد والوعيد وإعلان أقرب إلى إعلان حالة الطوارئ، وبدلا من أن يكون تعبيره عن قراره السابق بفرض حظر التجوال على منطقة القناة وإعلان الطوارئ بالمنطقة، حديثا سياسيا يصفه بأنه "مثل أكل الجيفة"، فبدا وكأنه استطاب أكل الجيفة ويعد الشعب المصري أنه لا يملك غير الجيفة لهم. جماعة تاريخها "الاستعمال"، ويبقى دائما البحث وراءها من يستعملها؟ وفيما يستعملها؟، ورئيس يعيد تشكيل حقائق تاريخية على هواه، لأنهم منحوه الدكتوراه ولبس الطاقية، ولا يملك خطابا سياسيا بل يتوعد أمنيا ويهدد، وكلا الأمرين يؤكد أن الفرصة لن تضيع هذه المرة. فالشعب وشبابه الذي يتحمل هموم الثورة لم يتوقف عن المقاومة لكل محاولات إجهاض الثورة والاستيلاء على مقدرات الأمة، يملك زخما جماهيريا من القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة في التغيير ولم تدخل هذه القوى في معادلة التوازن والمواجهة بعد وقادرة حال تحركها أن تقلب الميزان من الكلام إلى الفعل الحاسم. بينما يتصاعد الرفض الشعبي لجماعة الإخوان، وتتميز جماعة الإخوان بقدرة فريدة على استثارة العداء لها بمواقفها، وعجزها عن الارتباط بالشارع وكسب ثقته، فالشعب يريد المصارحة، واحترام العقل، ولا يريد مواقف البابوية والإحسان عليه ليحقق حاجاته اللحظية. وفي الوقت ذاته فالحلول المطروحة سياسيا لا تجد من يسمعها ويتعامل معها موضوعيا، كما أنها تخرج من عباءة العجز السياسي الفاقد لاستيعاب حقيقة ما حدث في يناير ومطالب الشعب، وهي أيضاً تدور بين عناصر صناعة المشكلة أنفسهم. الكيانات السياسية عاجزة عن كسب ثقة الشعب، ومتخلفة عن مواقفه، ولم يعد أمام الشعب غير المقاومة بذاته، وهي معادلة جديدة على الواقع المصري، وأكثر عمقا من مجرد تفويض أي قوة مؤسسية للقيام بهذا الدور. وتضاف قيمة أن الزمن لصالح حركة الشعب، فرغم مظهر أن الجماعة تحقق نتائج السيطرة بتعيين عناصرها في مفاصل الدولة، لكنها أقرب إلى الطلاء الخارجي، فتجربة الفترة الماضية تؤكد أن عناصرها تفتقد الكفاءة وتركن إلى استخدام السلطة ولغة لا تستقيم وذكاء الشعب، كما أن حالة العصيان الصامت دون جعجعة سياسية، واستطراد المواجهة معهم وتنوعها، تزيد من مقاومة عملية السيطرة، ويصبح عامل الزمن لصالح المقاومة أكثر منه لصالح عملية التمكين. لن تضيع الفرصة، بل تلوح وسط الأزمة فرص متنوعة لصالح الثورة رغم أن الأيام القادمة تحمل الكثير من الآلام، والآلام تعبد طريق التغيير وتزيد من الإصرار على قبول التحدي، وتبقى حقيقة أن يمتنع السائلون عن ترديد: ما البديل؟، مؤداها أن اندماج القوى الاجتماعية والمثقفين والطلاب والمهنيين إلى حركة الشعب مهما كان بطء تحققه، غير أنه يحفر مجرى في الحياة السياسية المصرية لإنتاج القيادات الطبيعية التي ستمثل البديل بقدر استيعابها لحقائق المجتمع وحاجاته لأنها منه، واستيعابها لما يحيط بها في عالمنا المعاصر، ولرفضها قاعدة التفويض للآخرين. لن تستقر لعبة الصغار في مصر، فدون تناسب الأحجام، انتماء ومضمونا وهوية، لا بقاء لمن يحاول السيطرة على مصر عبر التاريخ.

382

| 26 مارس 2013

مصر ... من يتخذ القرار؟

أينما ذهبت يواجهك سؤال من يحكم مصر؟، مشفوعا بإجابات عديدة، ومع مرور الوقت بعد انتخابات الرئاسة تعددت الخيارات، البعض يؤكد أنه مكتب الإرشاد، والبعض الآخر يتجاوز ذلك إلى أن التنظيم العالمي للإخوان يحكم ويملك القرار، ويتعدى بعض ثالث إطار الإخوان إلى أن الحاكم الفعلي هو أمريكا لأنها وضعت محددات للقرار، أو أنها وضعت فيتو سابق على اتخاذ القرار، فصار أي قرار في حدود سيطرة المندوب السامي الأمريكي في مصر، وهذه الاحتمالات تجد لها في الواقع مبررات للترجيح، تتجسد في مجملها بغياب خطاب سياسي لرجال الدولة، كما أن القرارات التي تصدر من الرئاسة تتسم بالاستفزاز في أغلبها، إلى أن يصل الحال بأحد الإعلاميين للقول إن ألد خصوم الإخوان في مصر هم الإخوان أنفسهم، وأن أي جهد مهما بلغ قدره لا يمكنه أن يحقق ما تحققه قرارات الرئاسة المصرية في الوقت الراهن ضد الإخوان، ويستند في ذلك إلى حالات التخبط من إصدار للقرارات ثم التراجع عنها، كما يستند إلى حالة الوجد الشديد بين وزير الخارجية الأمريكية الجديد وبين الجماعة، ثم الحالة التي تجمع بين حماس التنظيم وبين مكتب الإرشاد وبالتالي القرار في مصر، وتأكد أن موقف فرنسا من زيارة الرئيس المنتخب التي جرى تأجيلها كان بسبب حالة التماهي في مواقف النظام مع أي فعل يحمل عنوانا إسلاميا دون تحليل مضمون للأفعال، وكان المثال الأساسي ما يجري في مالي، وغير هذا كله حالة الانفلات الداخلي في مصر من تصريحات حول تشكيل ميليشيات بديلة أو معاونة للشرطة، ثم التجاوز في الحديث عن الاستعداد لمواجهة الجيش إذا نزل الجيش للشارع، وكافة المبررات لأي من التصورات تكشف أن مصر تحولت إلى قرية بدائية قياسا على إرادة الحاكم أياً من كان. ويجري التجاوز في حده الأقصى على بعد الأمن القومي والبعد الاجتماعي في مصر، ففي الأول هناك مواجهة واقعة على أرض سيناء، واتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وقطاع غزة، وفي كلّ منهما جرى أولاً تقييد القوات المسلحة المصرية من التعامل مع وجود تنظيمات مسلحة إسلامية في سيناء، كما جرى القبول بشروط إسرائيلية أمريكية لتحقيق وقف إطلاق النار أدت إلى إطلاق يد أمريكا في سيناء، وامتلاك قرار الاشتباك مع ما تراه من تجاوز بعد منحها حق التفتيش والبحث عن الأسلحة ومخازنها في سيناء، ثم القبول بنشر أجهزة إلكترونية على طول الحدود المصرية مع إسرائيل، وهو قرار قالت عنه إسرائيل إن مبارك لم يقبل به! ويجري التعدي بعمق على البعد الاجتماعي في موجة الحديث عن عجز الموازنة وأن الحل هو تقليص الدعم، ليتحول الشعب الذي كان يطالب بعدالة في المرتبات والأجور، كمصدر رئيسي لتمويل عجز الموازنة من دخله، ليزداد الغلاء وتنخفض قيمة الجنيه أمام الدولار بما يتجاوز 15% وبدون أي مؤشرات لتوقف الانهيار في قيمة العملة. ومن مظاهر التجاوزات تلك الحالة التي يتفرغ فيها المتحدث العسكري باسم القوات المسلحة، ومن يطلق عليه "مصدر عسكري، للحديث عن حالة داخلية وليس حالة في مواجهة عدو خارجي، وكأن العدو للقوات المسلحة قد انتقل للداخل ممثلا في كيانات الجماعات الإسلامية وتصريحات عناصرها ضد الجيش المصري، في تجاوز هو الأول من نوعه في التاريخ المصري، وصار الجيش المصري مطالبا بالحصول على الرضا الإسلامي من الداخل، وكأننا نرجع إلى عصور الاحتلال. ومظهر آخر يتمثل في تصريحات لقادة من حماس بأنهم لا أطماع لديهم في سيناء!!، وإلى هذا المدى تقزم الوجود المصري، وانهار الأمن القومي المصري، واختزلت القضية الفلسطينية في جماعة حماس، حتى إن محمود الزهار، الرجل الذي كان صمته يوحي أنه يستوعب العلاقة مع مصر، تحدث إلى فضائية مصرية بأن بديل الأنفاق فتح المعابر، وأنهم غير مسؤولين عنها، وإذا كانت مصر تريد إغلاقها، فلتفعل ذلك من جانبها!، حالة من التجاوز ما كان يمكن حدوثها سوى بغياب القرار المصري وتخبطه. وفي زمن مبارك كانت وجهة نظرنا أن الأنفاق أدوات للأمن القومي المصري لأنها ترفع الحصار المرير عن أهل غزة، ولكنها الآن تبدو ثقوبا في جدار الأمن القومي المصري. ويصل الحصار الاقتصادي إلى مصر ذاتها، فالاتحاد الأوروبي يمتنع عن أي دعم للاقتصاد كما يرغب فيه الحكم في مصر، ويتوقف صندوق النقد الدولي، وتتردد أمريكا "أوباما - كيري" في تقديم المعونات، وكل ذلك سببه أن القرارات الداخلية لا توحي بنظام حكم ديمقراطي، وكأنهم هم الأحرص على مصر والمصريين، ولكنها لعبة الأمم والمصالح، والتقدم على مسار التركيع لمصر واستنزاف أقصى ما يمكن من الإرادة وتحقيق أقصى حالة لاستسلام النظام الحاكم يمكن تحقيقها. لا أحد يستطيع الجزم بمن يحكم مصر الآن، ومن يتخذ القرار فيها، وتظهر من ذاكرة التاريخ أمامنا ذلك التفسير الذي تحدث عن أحد محددات الإسهام في انهيار الاتحاد السوفييتى، بأن عميلا للمخابرات الأمريكية لم يكن دوره يتجاوز "تعيين الأشخاص غير المناسبين في الوظائف الحساسة من الدولة"، وأن هذه المهمة كانت كفيلة بانهيار لمؤسسات الدولة، وكأننا الآن أمام مشهد يتكرر في مصر في إطار ما يسمى بالأخونة، والتي ينفي البعض وجودها، ولكن كل أمر يجري نفيه له في الواقع ما يدعمه، والمعلومات تؤكد حدوث ذلك. جرت هذا الأسبوع واقعة في نقابة المهندسين تندرج تحت عنوان من يتخذ القرار؟ ولها دلالاتها العميقة لأنها تدور داخل البيت الإخواني. تمثلت الواقعة في استقالة المهندس عمر عبدالله عضو مجلس النقابة مسببا لاستقالته "لم أستطع التكيف مع متخذ القرار في نقابة المهندسين". كان عمر المسؤول عن ملف المهندسين بالجماعة لمدة عشر سنوات، وخاض ضمن سكرتارية "مهندسون ضد الحراسة" مواقف متعددة مع باقي التيارات السياسية منذ 2003 حتى إجراء انتخابات النقابة في 2011، ممثلا لجماعة الإخوان، وبعد نجاحه في انتخابات النقابة وحصول الإخوان على الأغلبية، كان متوقعا أن يكون مرشح الإخوان لمنصب الأمين العام للنقابة، لخبرته بالعمل في النقابة، ولقدرته على الحوار مع باقي التيارات السياسية في النقابة للرصيد المشترك بينه وبينهم. وقد شاركت شخصيا مع الزميل ممثل الإخوان ــ وهو عضو بمكتب الإرشاد ويتولى منصبا وزاريا الآن ــ بلجنة إدارة النقابة في فترة الانتخابات والتي توليت خلالها رئاسة اللجنة العامة للانتخابات بالنقابة، في حوار حول هذا الأمر، ولكنه كان قرارا تنظيميا لم تتراجع عنه الجماعة بإقصاء عمر عن هذا المنصب، وهو قرار أقرب إلى الاغتيال المعنوي. وفي حينها ــ ديسمبر 2011 ــ سألته ماذا بينك وبين خيرت الشاطر ليتخذ منك هذا الموقف، ولكنه أبى أن يسلم بأن خيرت الشاطر هو صاحب القرار. ويصف زملاء عمر بأنه راهب في جماعة الإخوان، لذا تكون استقالة عمر بعيدة عن شبهة العداء السياسي، بل هي اتهام صريح لمعاني التمكين، وأداءات التنظيمات السرية تحت راية السمع والطاعة، ويؤكد أنه حتى على المستوى النقابي والأغلبية محققة لهم، فإن اتخاذ القرار يتم بعيدا عن خط السلطة في النقابة ويعتمد على خط السلطة في التنظيم، وهو منطق يؤدي إلى هدم العمل النقابي، وهو معول ينال من أداء جماعة الإخوان داخل النقابة، ويكشف تكريسها لسياسة الإقصاء والاستحواذ. قرارات تجرى صياغتها في إطار خط السلطة لتنظيم سري غير شرعي، ليجري تنفيذها في نطاق رئاسة الدولة أو مجلس نقابة، ولكل خط سلطة علاقات قوى ومسؤوليات مختلفة، فالتأثير يتجاوز أعضاء تجمعهم قاعدة السمع والطاعة إلى شعب مصر وإلى نصف مليون مهندس في إطار النقابة. لب الصراع الآن في مصر، هل ينضوي تنظيم الإخوان تحت خط سلطة الدولة أم تنضوي مصر تحت خط سلطة التنظيم. ويترافق مع سؤال من يحكم مصر الآن، سؤال عمن يعارض في مصر الآن؟، وبقدر تشوه قرارات الحاكم بأمره في مصر، فقرارات المعارضة السياسية أصابها ذات التشوه، فالمشتركات بين مكوناتها متهالكة، وعلاقاتها بالشارع تتآكل ولا تحمل تصورا للحيلولة دون سيطرة تنظيم على الدولة بعد أن استولى على الثورة. إن مشهد العنف في مصر، والتخبط في القضاء والتشريع، لا يعني بالضرورة أن ذلك يتم عن جهالة بأمور الحكم ونقص للخبرة، ولكن مشهد العنف واضطراده، ومحاولة إحلال بديل مسلح مواز لجهاز الشرطة، هو محاولة لنقل الانقسام الاجتماعي والسياسي إلى مرحلة العنف المسلح، وهي مقامرة بالوطن. ارتكان التنظيمات الإسلامية على أعضائها وتوافر التمويل لديها، وتوافر سوق السلاح داخل مصر، أو عبر الحدود، يتيح لهم المبادأة بالخطوة الأولى، كما حدث أمام الاتحادية أو في بورسعيد والإسكندرية والمنصورة والمحلة وطنطا وغيرها، سواء بعناصر التنظيم أو مدعومة وداعمة بتشكيلات الشرطة. امتلاك المبادأة في ظروف ما بعد ثورة يناير لا يعني القدرة على فرض تحول في خط السلطة داخل الدولة المصرية لصالح خط سلطة تنظيم الإخوان، وهو لا يعني بالضرورة امتلاك قدرة تجاوز ردود الأفعال أو تحملها. انتقل الصراع والمواجهة بين أطراف داخل الوطن، إلى صراع بين مصر الوطن وبين جماعات وتنظيمات تكاد تكون غريبة على مصر وتاريخها الوطني وهويتها الحضارية. معادلة التاريخ أن الوطن، جغرافيا وتاريخ وشعب، يبقى وكل ما عداه إلى زوال.

521

| 19 مارس 2013

رسالة إلى صديق هناك

أخي العزيز قرأت تعليقك بالورقة والقلم، محاولا أن أخرج إلى قلب ما تقول، قد يشفع لنا حسن الظن بأنفسنا وادعاء كل منا التجرد وهي نعمة من الله إن استقرت فينا يكون لنقاشنا جدواه. دعني لا أتناول الأمر بترتيب عرضك له، لأن الأمر ليس حجة مقابل حجة ولكنه محاولة تنشد صدق قراءة الواقع قبل الحكم عليه واتخاذ موقف تجاهه. وأعتقد أنك معي بأن الانتقال في الحوار من (ثورة يناير وخصوصية أنها ثورة شعب بلا زعامات، إلى توصيفك للحالة الآن) إننا أمام صراع سياسي لن يكون فيه غالب ومغلوب، وأمام مشكلة سياسية خلقتها اختيارات خاطئة للنخب السياسية من الطرفين منذ بداية مسار الانتقال. وتصور فريق ما بأن بإمكانه فرض وجهة نظره على الآخر لن ينتج عنه إلا دفع الناس إلى التصادم في الشارع وسقوط ضحايا بشرية من الطرفين، بجانب تخريب مسار الانتقال بأكمله وإدخال البلاد إلى نفق مظلم، وهو بيت القصيد وهو لب الاستيعاب لحقيقة ما يدور. فهل فعلا ما نواجهه مشكلة سياسية؟ وهل الأحزاب المطروحة أمام الشعب وبتعدد انتماءاتها، هي أحزاب الثورة أو هي أحزاب تعبر عن مجتمع خرج ثائرا، أم أنها أحزاب تمضغ آلام الشعب وتأخذ منها سبيلا للصدام فيما بينها، والصدام هنا كلمة تتجاوز الحقيقة، فهم يكتفون بصراخ "الميكروفونات" وشاشات التلفزيون ويتفقون معا على حالة الانتقال من "الثورة أو بروفة الثورة" إلى "الصراع السياسي"، وما قضايا الثورة غير أرضية تستر بها الصراع على الكراسي. ثم الحديث عن المؤامرة (والثورة التي تجاوزت كل المؤامرات وفخاخ العنف المتتالية طوال ما يقرب من سنتين، ستتجاوز المؤامرة الحالية). ثلاثة عناصر: الانتقال من ثورة إلى صراع سياسي - الأحزاب التي تأخذ بقاعدة الفيتو فيما بينها - المؤامرة الحالية. المشهد كما أقرأه أن الثورة لم تتجاوز المؤامرات حتى نصل إلى مؤامرة حالية، وأن انتقال الثورة إلى صراع سياسي هي واحد من مظاهر المؤامرة، ولكن المشهد المحوري في الثورة بدأ مع الوقائع المؤدية إلى ثورة يناير وطوال الأشهر المنقضية، وهو إخراج الكتلة الشعبية من المعادلة والحيلولة دون تحقيق نتائج تتجاوز الأحجام والقدرات المحدودة للأحزاب والجماعات، ويضاف إلى ذلك السيطرة على النتائج وألا تكون تلك النتائج حافزا لتكرار الاحتشاد الشعبي. المؤلم أن المؤامرة الرئيسية مازالت مستمرة تحت هذه الغايات ولا يعطي الواقع أي دلالة على أنها استكملت أركانها، وما يراه البعض اليوم مؤامرة هو في توصيفه المباشر محاولة لمواجهة نتائج المؤامرة الرئيسية. ولا أتجاوز الواقع أيضاً أن العنف الذي دار طوال العامين الماضيين كان له محاور متعددة: محور ترهيب الشعب وهو محور بدأ في أعقاب الأيام الأولى للثورة واتهم فيه "البلطجية"، ولكن العديد من الوقائع تؤكد أن وراءها قطاع من الداخلية، وواجه هذا المحور ما جرى تسميته "باللجان الشعبية"، لينتقل الأمر إلى عمليات قرصنة سواء بسرقة السيارات أو البنوك وغيرها من صور الإرهاب. محور الصراع الطائفي، منذ اللحظات الأولى للثورة وحتى ماسبيرو، ويومها خرجت مذيعة بالتلفزيون تستنجد بأهل بولاق أبو العلا، لإنقاذ الجيش والتلفزيون من هجوم "مسيحي"، ولم يكلف أحد نفسه التدقيق في الوقائع. محور العنف الناتج عن أجندة انتقال السلطة كما وضعها البشري، وهو عنف كان ظاهره ثورة وحقيقته رحلة الإقصاء الداخلي بين أطراف الصراع على وراثة الحكم تحت المظلة الأمريكية ويومها كان التحليل أن القوى المضادة للثورة أكثر قدرة على تحديد عناصرها وأهدافها، وأن القوى المنتمية لحركة الشعب كانت تأخذ الأهداف جزئيا دون تمييز لها بمدى أثرها على قضايا التغيير، وجرى استبدال الخصومات والالتفاف على تطهير النظام بمحاكمة حسني، بينما كافة قضايا المتظاهرين تنتهي بالبراءة، ولتتم المصالحة مع كل عناصر النظام السابق، وتبقي فقط الخصومة السياسية والاجتماعية مع الثورة وعناصرها، وهو ما انتهى إليه أداء الفترة الانتقالية واندثرت مهامها الأساسية دون تحقق. ووصلنا إلى مشهد العنف المتوالي من مرسي واجترائه بما يسمى بالإعلانات الدستورية وهو نوع من العنف لا يسفك دم الأفراد ولكنه يحاصر دولة وشعب وثورة، وواكب هذا عنف استخدام ميليشيات الإخوان لحصار الدستورية ثم واقعة الأربعاء 5 ديسمبر بالعدوان على معتصمي الاتحادية وقتل 10 من المعتصمين، وكان الأربعاء الأسود هذا إيذانا بانتقال العنف داخل ذات مؤامرة الاستيلاء على السلطة إلى مرحلة جديدة. لدي قناعة أن ما نشاهده هو حالة من المقاومة الشعبية غير المنظمة. وأن نظام الإخوان يدعي أنها مؤامرة على الديمقراطية؟ وهنا يصبح الحديث عن ديمقراطية الصندوق هو ادعاء بغير سند من معنى الديمقراطية، فالديمقراطية لها شروط واجب توافرها وهي تتحقق عبر تراكم اجتماعي واقتصادي وتعليمي وسياسي وليست مجرد طرح البدائل العاجزة والمرفوضة أمام شعب ليختار بأي صور العجز يمكنه أن يقبل. ولعلك تراجع الدعوات المتتالية من محمود مكي إلى أبو إسماعيل عن القوة والميليشيات والعنف والتربص، وأخيرا قرار من النائب العام بمنح الضبطية القضائية إلى عموم الناس. ما يوصف أنه مؤامرة جارية هو في حقيقته مقاومة للمؤامرة المستمرة على الشعب، وحالة المقاومة هذه تؤكد عجز كل الأحزاب وتتجاوزها. وتقول يا صديقي (كما أن الانقسام الشديد بين الطرفين قد يدفع المؤسسة العسكرية إلى التدخل. فالجيش في مصر جزء من المعادلة قبل الانتقال وبعد الانتقال. المشكلات السياسية تحتاج إلى حلول سياسية، والحلول السياسية تحتاج إلى تقدير الأمور بشكل صحيح والتدبر في عواقب القرارات.) "الجيش في مصر جزء من المعادلة"، قولة حق ويجب النظر إليها بموضوعية وبعيدا عن الشطط أو التمني. 1) إن كانت أهداف الثورة (عيش - حرية - عدالة اجتماعية)، غير إن الحقائق والمعلومات جعلت في مضمون الشعار "بناء جيش وطني قوي" هدفا من أهداف الثورة وكلما ازداد الوعي تزايد وضوح هذا الهدف. 2) إن الجيش المصري هدف لقوى خارجية لإحالته إلى قوة لمواجهة "الإرهاب"، أي قوة مضافة ضمن "الفيلق العربي بحلف الناتو" كقول صديق آخر. 3) إن العلاقة بين الجيش والسلطة المدنية، مسألة علمية، وليست رهن بالأهواء أو بمحاولات السيطرة على المجتمع، وهذه العلاقة كانت محل بحث عبر التاريخ، وبحثتها مصر واستقرت على توصيفها منذ 1967، ولكن ما حدث في الدستور كما وصفت الصحف الأجنبية ولها أهواؤها، أن الدستور أعطى الجيش الحكم الذاتي لنفسه. 4) إن الجيوش في الدول النامية وهي الكتلة الصلبة في تلك المجتمعات، هي الأكثر تنظيما والتي تملك السلاح، وهي القادرة على الانقلاب على سلطة الحكم. 5) التجربة خلال الفترة الانتقالية حملت من الوقائع ما أحدث شرخا بين جمهور المتظاهرين والجيش، خاصة في وقائع المحاكمات والسحل والاعتقال والقتل بل إن المؤتمرات الصحفية كانت في ذاتها تزيد من التوتر أكثر منها تزيد من الوضوح، وإذا كان الجيش من طرفه وضع مبررات لموقف منه، غير أن هدف استبعاده من معادلة القوة كان هدفا داخليا وخارجيا لإفساح فرصة كاملة للاستيلاء على السلطة دون تحقيق مهام الفترة الانتقالية. 6) إن وقائع العنف في سيناء، ليست مصادفة، ولأن الصراع على سيناء صراع بين مصر وأطراف أمريكية إسرائيلية ضمن مشروع تبادل الأراضي للتخلص النهائي من القضية الفلسطينية، فكان الغريب تلك الموجة من تنظيمات إسلامية مسلحة على سيناء، وليس آخرها الهجوم على رفح، ولكن الخطر يكمن في التسلل لمواجهة الجيش في سيناء بعد القبض على عناصر جرى نسبهم إلى كتائب القسام. 7) إن حالة الاستدعاء للجيش ليقيم توازنا مع سلطة القرصنة على الدولة، يواجه الآن بالحديث عن مدنية الحكم، غير عابئ بأن أحد شروط مدنية الحكم هي دستور توافقي، ولعلك ترى في حكم محكمة القضاء الإداري بوقف الانتخابات وإحالة قانون الحقوق السياسية إلى الدستورية ما يؤكد أن مسؤولية الجيش في حماية الدستور مسؤولية قائمة حتى وإن اختلف الجميع على الدستور، فليس للجيش أن يضع من عنده دستورا وإلا كان انقلابا على الحكم، والسؤال ما الذي يحول دون الانقلاب على الحكم؟ هل هو صحة الحكم؟ أم غياب إرادة الانقلاب عن الجيش وعدم رغبته للدخول طرفا في صراع سياسي؟ 8) السؤال الآن، هل الجيش المصري طرف يمكن لأي جماعة أن تعلن أنها على استعداد لمواجهته بالسلاح كما تحدث أبو إسماعيل؟ وهل ونحن نطالب الجيش أن يبتعد عن "السياسة" نطلب منه أن يكون كما خصيان بني أمية؟ وهل يمكن أن نبني جيشا مصريا قويا دون أن يكون من خلفه مجتمع متماسك يضع الجيش في مكانته الحقيقية بالنسبة للمجتمع؟ حاولت أيها الصديق أن الملم عناصر الصورة، ولكن الخطر الذي يحيق بالوطن للأسف مصدره المؤامرة المستمرة منذ قيام الثورة، أطراف المؤامرة لم تتبدل، والحديث عن البلطجية وما يطلق عليهم الفلول، هو ذر للرماد في العيون حتى لا تنكشف حقيقة أطراف الصراع. الصراع على الهوية والسلطة، لا أشك في أن الإخوان والتنظيمات المتأسلمة قد خسرت صراع الهوية، وبقي صراع السلطة وسيستمر، لأن البحث عن حكماء وسط غابة الأهواء هو العبث بعينه. ليدرك مرسي ومن يخالفونه أن المعارضة بالوكالة قد انتهت، ومواجهات الشعب في كل اتجاه هي معارضة بالأصالة، هي مصالح تائهة لا تجد سبيلها للتحقق، ففتحت الباب أمام مواجهات تتباين وتتعدد وتنتشر بعرض مصر وطولها.

927

| 12 مارس 2013

وما خفي !!

توصيف ما يجري في مصر الآن، وطبيعة المرحلة، والقوى المشتبكة فيما بينها، وطبيعة الاشتباك، وافق هذا الاشتباك، بقدر إلحاحه على العقل، فقد صار نوعا من الاجترار ويثير من الفرقة والارتباك أكثر منه ينير الطريق، والارتباك يؤدي إلى خلق بيئة خصبة للإشاعات وانعدام قدرة الفصل بين الوهم والحقيقة، وبين المهام الواجبة وأحلام اليقظة. ما ينظر إليه البعض أنه نقطة الصدام، هو في حقيقته ما يظهر للعيان وما يتسرب من شقوق بين أطراف الفعل ورد الفعل الذي يتدنى في أغلبه إلى الأنين وليس الصراخ أكثر منه رد فعل بعمق وقوة الفعل وفي مواجهته. كل محاولات رصد فعل الانقلاب على ثورة يناير 2011، وإن ادعى أنه في ذاته الثورة وغيره الحركة المضادة للثورة، تتكسر على صخرة عدم امتلاك قدرة تجاوز سطح الوقائع المباشرة الظاهرة للعيان، والتأرجح والتردد في الإمساك بحقائق الانقلاب مهما كانت مرارتها. والانغماس في حسابات الفعل في كونه داخليا، أو هو مجرد رؤية لكيان وطني قد تختلف معه أو تتفق، وأن اختلاف الرؤى يفرض الحوار سبيلا بين الأطراف لعلها تجد بينها هوامش مشتركة، هو تجاهل آخر لعمق الفعل الذي تواجهه حركة الشعب في مصر، ويفرض وجوب الوعي بالقوى الخارجية من منها معاديا ومن منها صديقا، وليس في عالم الصراع معيار للخصومة أو الاتفاق سوى مدى تناقض المصالح أو اتفاقها، وأن الركون إلى أوهام أن العلاقات بين الدول ــ حتى تلك الشقيقة ــ تقوم على الخواطر أو تتجاهل المصالح هو نوع من الهذيان في العلاقات الدولية. يثير في غالب الأحيان إحساس عدم القدرة على مواجهة الفعل إلى البحث عمن نكيل له الاتهام، وهي سقطة أخرى ولكنها سقطة إستراتيجية، وانحراف مزدوج التأثير، فمن حين إلى آخر يجري توجيه الاتهام إلى الشعب أنه تواكل ولزم بيته وأنه يقبل بما يطيح بحقه في الحياة، وهذا في ذاته أحد أوجه الانحراف، فالشعوب لا تقاتل كل الوقت، ولا تتحدث في الصراع وتخوضه كل الحياة، ولكن الشعوب بصبرها وألمها تفتح كتاب الألم والآمال لمن يملك البصر والبصيرة، أما الذين يكتفون بالرصد بصرا ويفتقدون البصيرة، فهم فوق الانحراف يصيرون عبئا على نضالات الأمم ولا يصلحون لصناعة مستقبلها ولا يملكون شجاعة وأدوات صناعته. ويكمن الوجه الآخر للانحراف في خشية من يتصدى للفعل أن ينفض عنه الشعب وكتله الاجتماعية، وبديلا من تحمل مسؤولية التعبير عن الشعب وفق ما يفرضه واقع المواجهة، تتحول هذه الخشية إلى سلاسل قيد يعيق الإبداع في الحركة، وينحرف بالقرار بعيدا عن متطلبات الواقع، وعمق المواجهة. في زمن مضى ــ وليس من اليسير أن ينقضي أثره ــ كان هناك تصوير لبعض ممن يكتبون أو يقررون أمر مواقفهم في مواجهة التردي، إن الخشية من مخبر الأمن السياسي يعشش في الرؤوس والأقلام، وأضيف إلى ذلك التوصيف مقولة "ثقافة الهزيمة"، وهي التي تحاصر الإبداع وتعدم المبادرة، ويقبع سجين الخوف والتردد، وهو نقيض ما حققته ثورة يناير عندما كسرت حاجزي الخوف والتردد. الفارق الجوهري بين الفعل المضاد للثورة وبين فعل الثورة في مصر، هو الفارق بين وضوح الهدف وضبابيته، فهدف القوى المضادة للثورة كان واضحا منذ اللحظة الأولى وتجسد في أمرين داخليين، أولهما ألا يتحقق بالفعل الشعبي أيا من الأهداف التي يريدها ويحتاجها، والثاني إجهاض إمكانية حدوث هذا الفعل، فقد مثلت حركة الشعب وصحوته رعبا للأطراف الخارجية بالأساس، وتمثل أمامها أن انطلاق الإرادة الشعبية لن يمكن كبح أثرها على تنمية إمكانات الدولة وبالتالي الدور الإقليمي، وكان البحث عن بديل لنظام سقط يملك خبرة ومخططا وأدوات للتنفيذ. تمثلت الخبرة في الرؤية البريطانية التاريخية لطبيعة المنطقة ودور الدين فيها، وكما كانت تبحث قبيل إنشاء إسرائيل عن زعامة دينية للمنطقة تقودها وتعمل من داخل عباءة بريطانيا، فهي أيضاً فتحت الباب لذات الرؤية أن تعمل أثرها في إنشاء تنظيم القاعدة، كما أن ذات التصور اعمله السادات في مصر لمواجهة الوجود الناصري واليساري في الداخل بإنشاء الجماعات الإسلامية. وكان المخطط الأمريكي في إزكاء الصراع المذهبي السني الشيعي حسب خطة "ديك تشيني، ابرامز، زلماي خليل زادة وبندر بن سلطان"، يلتقي وجملة الخطط الأمريكية للمنطقة، وأسلمة الصراع في المنطقة، ووجد ضالته في جماعة الإخوان، والتقت الغايات، وكان الثمن هو تحقيق الأهداف الداخلية بإنهاء الإرادة الوطنية وإجهاض أهدافها، وتحقيق أمن إسرائيل. هكذا التقت الخبرة البريطانية، وتاريخ علاقتها مع جماعة الإخوان، وتركيا أيضا، مع المخطط الأمريكي وصارت الأداة طيعة وتتستر بالعباءة الدينية. إن طبيعة هذا الصراع الذي دخله الشعب تفرض عليه أن يعمل مشرط الجراح في المجتمع وأن يملك تحليلا سياسيا يدرك أبعاد الصراع. وهذا التحليل السياسي يجب أن يتصدى لموجات الحرب النفسية الدائرة رحاها في المجتمع المصري، والتي تحاول أن تؤكد أن الشعب قد خسر ثورته، فحسابات الخسارة والمكسب في تاريخ الشعوب ليست عمليات رياضية بحته، ولكنها معادلة اجتماعية وسلوكية، معادلة وعي وانتماء، تراكم التجارب عبر تاريخه، وصل إلى ذروة تغير نوعي في محصلة الإدراك الشعبي، وهذا التغير في السلوك تكشف عنه المواقف وأساليب التفكير وتقييم القوى، ونظرة أمينة إلى الوضع في مصر الآن تؤكد أن "الشعب قد حضر ودخل معادلة الصراع ولن ينصرف"، وتزيد قدرة الشعب بكسر حاجز الخوف، ويبقى أن من يعرض نفسه على الشعب المصري عليه أن يحذر من حضوره، ومن قدرته على تمييز المواقف، وقدرته على أن يكشف الصدق من الكذب، وأنه يملك جسارة القبول بالتضحية أن صدقت قيادته ولم تخادعه، ويستطيع الصبر ويقبل التحدي، وهدم كل هذه القدرات هي غاية الحرب النفسية. الرفض الشعبي لجماعة الإخوان المسلمين هو خسارة للجماعة، فبعد أن كانت المطاردات لهذه الجماعة تتم عبر الأجهزة الأمنية فالرفض اليوم شعبي، ووصل الأمر أن الرفض يكاد يصمهم بالخروج عن الدين، وليس الإخوان وحدهم ولكن العديد من الجماعات الإسلامية. وكشفت الجماعة عن طبيعة محتواها الاجتماعي والاقتصادي، وكلاهما يناقض طبيعة الأفراد من أعضائها، فقبل وصولهم إلى الحكم كانت نقاط تواصلهم مع الشعب تتمثل في الأفراد من أعضائها، ولكن عندما انكشف موقف التنظيم قبيل ثورة يناير وحتى اليوم، لم تعد الجماعة ذلك الوهم الكبير، ولكنها الحقيقة المفزعة للشعب، والقصور في الإمكانات البشرية، والتصورات والانتماء، حتى أن الجماعة قد أضرت بانتمائها الوطني وهو أخطر ما يمكن أن يصيب جماعة أو تنظيما في أي مجتمع أن يصبح انتماؤها للوطن محل نقاش وليس الشك. إن حصاد الشهداء والمصابين منذ وصول مرسي إلى الحكم تضعه في دائرة المسؤولية القانونية عن القتلى والمصابين، كما هي المسؤولية التي جرى محاكمة مبارك بشأنها. إن تكالب الجماعة وسلطة الحكم التابعة لها كشفت عن وجهها الخارج عن تاريخ الوطن وهويته الحضارية واحتياجاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. البحث الجاري في مصر الآن ليس مفاضلة بين المشاركة في الانتخابات النيابية أو مقاطعتها، ولكن الدم والثأر في حياة الشعوب نقط انقلاب على الأنظمة، حتى وإن طال زمن الإعداد للانقلاب عليها. الأمر في مصر الآن هو كيف يمكن إيقاف الانتخابات والحيلولة دون إتمامها. وفي مواجهة ذلك تستدعي سلطة الإخوان المواجهات الأمنية وليس السياسية في مواجهة الاحتجاجات الشعبية، ولا تعرض على الشعب سوى حالة من العناد والإفراط في الإرهاق الاقتصادي، ودوامات القوانين السيئة السمعة. مرسي يمضي وجماعته على ذات طريق مبارك، وإذا كانت نهاية مبارك في مستشفى عسكري، فالتاريخ لن يعيد نفسه، خاصة لمن لا يعي دروس الشعوب وقدراتها. وإذا كانت نهاية الحزب الوطني سبقت الحكم على مبارك، فغطرسة الجماعة أنهتها شعبيا. ولعل حسابات المكسب والخسارة تطال الجماعة وهي تتجاوز قدرها مع عبد الناصر الذي حاولوا اغتياله عام 1954، وليبقى يطاردهم بعد رحيله بثلاثة وأربعين عاما من قبره، فالشعب يستدعي موقفه منهم، والشعب يستدعيه نداء من أجل العدالة الاجتماعية، فمن هو الخاسر الحقيقي. ويتطاول أحد عناصرهم بأن القومية العربية وهم، ويخسرون حتى احتمال احترام وعيهم، فدلالات الجهل تفرض المواجهة، وتخصم من وجودهم زمنا يتجاوز عمر اسمهم. وسيبقى النضال الوطني من أجل الاستقلال والوحدة والعدالة الاجتماعية غاية الشعب. المواجهة الآن بين الشعب وكل الإرادات المعادية له وأداتهم جماعة الإخوان. وليحذروا مفاجآت الشعب المصري، فالشعب من الصبية حتى النساء في المنازل، تراهم أدوات للسيطرة الأجنبية، وتراهم يتخذون من مصر موطئ قدم ولا يرونها وطنا لهم.

356

| 05 مارس 2013

ضرورات الثورة والانتحار السياسي

عاش المصريون ليلة الأحد الاثنين أمام شاشات التلفزيون في انتظار لحديث الرئيس المنتخب. تحول الانتظار إلى حالة من التنكيت والتبكيت، ويكاد يحصل مرسي على جائزة النكتة السياسية التي يتميز بها الشعب المصري في مواجهة حالات الهزل السياسي، ولتبقى النكتة لدى الشعب المصري هي سلاح شعبي يرفع ويسقط من يشاء، ومع تنوع التعليقات كان أشدها عندي تعليقا مع بداية إذاعة الحديث، دعا إلى إغلاق التلفزيونات، فقد تضيع منا متعة البسمة، نتيجة تعليقات الانتظار لساعات، بأقوال قد ترفع الضغط، أو تصيب الإنسان بتوتر، أو تخرجه عن شعوره، وهو حقيقة ما جرى لمن شاهد الحديث ولم يأخذ بنصيحة إغلاق شاشات التلفزيون. من واجب أي رئيس دولة أن يخرج على الشعب ويتحدث إليه، وواجب الحديث أن يكون سياسيا، وأن يزيل أي غموض أو إحباط، وأن يدفع إلى اليقين والأمل، وتميز مرسي بأنه عندما يتحدث، يزيد من علامات الاستفهام وكأنه يتحدث عن كوكب آخر ووطن غير مصر وحقائق غير التي يمسك بها الناس كجمر النار تحرق الجلد واللحم والعظام، حتى أن رائحة الشياط في مصر تزكم الأنوف، وتخرق الأبصار، ولا يمكن تسكين حديثه في كل ما مضى أنه حديث سياسي على الإطلاق، فتناول غير قضايا الشعب، وادعاء غير الحقائق، يدفع إلى فقدان الثقة في المتحدث، وإن ظل في غيه وتوهمه أنه يكسب، فالحقيقة أنه يفتح الباب على مصراعيه للرفض وتصاعد التصدي. إنه صورة حقيقية للانتحار السياسي، فقد يكون مقبولا من غير من يتصدى لمهمة رئيس الدولة أن يدعي ما يشاء، ولكن رئيس الدولة لا يملك ترف الادعاء. في كافة المقالات التي كتبتها طوال زمن الثورة لم أشك لحظة أن الإخوان وحزب الحرية والعدالة داخل خندق القوى المضادة للثورة، وأن المسار منذ لجنة البشري حتى حديث الأمس هو خروج عن حاجات الثورة وهو حالة من القرصنة تمارس بكل الفجاجة والوضوح كأنهم يقولون: "هاتوا آخر ما عندكم"، ولكن مرسي يرى أنه يمثل الثورة!، وأن كافة التحركات ضده هي ثورة مضادة، وأن التعبير عن الرأي جائز، والعصيان المدني حركة ضد الثورة، ولم يسأل نفسه لماذا يلجأ الشعب إلى العصيان المدني، ولم يحاول أن يفسر حصار المحكمة الدستورية من أتباعه، بل تحجج بأن غيرهم حاصروا النائب العام ونسي أن أتباعه أيضا حاصروا النائب العام الذي سبقه. نحن لا نناقش حديث مرسي ولكننا سنحاول قراءة إلى أين تتجه مصر بعد حديثه ودعوته إلى الانتخابات النيابة طبقا لقانون انتخابات أرسله إليه مجلس الشورى وأصدره هو، رغم عدم مرور القانون بخطوة حيوية ودستورية وهي عرضه على المحكمة الدستورية، خاصة وأن المحكمة أعادت القانون بملاحظات لها، وكان واجبا أن تراجع المحكمة الصيغة النهائية للقانون ومدى توافق مواده مع ملاحظاتها، ولكن مجلس الشورى الإخواني نصب من نفسه بديلا عن المحكمة الدستورية، وبارك مرسي هذا التجاوز، رغم أن نائبا لرئيس المحكمة صرح بأن هذا الإجراء يفتح باب الطعن بعدم الدستورية بعد إتمام الانتخابات. وكأن مصر يحكمها طاقم من الهواة ولا رادع لتماديهم في فعل ما يشاءون بلا حساب. الثورة ساقت العديد من الكيانات بعدها إلى الانتحار السياسي. انتحار محمد بوعزيزي في سيدي بوزيد بتونس، كان احتجاجا فجر ثورة شعب. وانتحار مماثل تكرر في مصر مرات متعددة لم يكن هو الدافع للثورة، ولكن جريمة مقتل خالد سعيد في الإسكندرية قبل انتحار بوعزيزي كانت سببا في تحرك الشباب المصري. وشهد العالم الكهنة البوذيين، حين كانوا يحرقون أنفسهم في الساحات العامة احتجاجا على الحرب الأمريكية ضد فيتنام، وكان مشهدا أثار الرأي العام العالمي حينها. الرأي العام يمكنه أن يتألم، أو تبلغه المأساة عبر صور الانتحار أو الاستغاثة، ولكن الواقع لا يتغير بعيدا عن موازين القوة وليس تأثرا بحق أو بحالة إنسانية مؤلمة. تجاوز الثورة المصرية للكيانات السياسية السابقة عليها، فتح الباب أمام الانتحار السياسي لتلك الكيانات عندما لم تدرك طبيعة المسار الذي تمضي فيه، واستطابت ذات المنهج السابق على الثورة دون استيعاب لطبيعة ما جرى. وانتحرت جماعة الإخوان وكافة تنظيمات ما اتفق على تسميته بالإسلام السياسي عندما انقضت على الثورة والدولة لإعدام الهوية الوطنية، وادعاء أنهم يعيدون الفتح الإسلامي لمصر، فتفاقم الانتحار السياسي بما أدركه الشعب من كذبهم، وسعيهم إلى تقسيم الشعب طائفيا ومذهبيا، بل إنهم فيما ذهبوا إليه وضعوا القضية الفلسطينية على مذبحة المصالح الضيقة لهذه الجماعات، ونقلوا إلى مصر صورة الإرهاب تحت عباءة الدين. كشفت الفترة الانتقالية المتاجرين بالدين والمتاجرين بالثورة، ومازال الشعب يعيش حالة المقاومة في مواجهتهم جميعا، وينتقل زمام المبادرة إلى يديه ببطء. فهل استوعبت الأطراف التي تملأ الفضاء طنينا بلا طحن حقيقة اغترابهم عن الشعب؟ تصريحات تخرج من السلطة بالدعوة إلى حوار حول الانتخابات، ويدين الإخوان العنف، متناسين أنهم أول من قبل به منذ الأيام الأولى للثورة في مواجهة مظاهرات الشباب الداعية إلى تحقيق أجندة وضعوها هم، وأن اتهامات عديدة طالت عناصرهم وإسهامهم في العنف وآخرها عمليات القتل والاختطاف والهجوم على معتصمي الاتحادية في 5 ديسمبر 2012 والذي راح ضحيته عشرة من المعتصمين، ويخرج سعد عمارة وكيل لجنة الدفاع والأمن بمجلس الشورى مهددا بأنهم يمكنهم الحشد في مواجهة الفوضى. وتتلقى التيارات التي استطابت الخيارات ذاتها التي عرضتها أجندة الإخوان، الدعوة لانتخابات المجلس النيابي في أبريل القادم بالاعتراض وبدعوة مضادة للمقاطعة!! الفارق جوهري بين العصيان المدني الذي يدعو له الشعب وتناميه التدريجي والمواجهات العنيفة التي يتعرض لها، وبين دعوة المنتحرين سياسيا بالمقاطعة. لن يفيد الشعب ان قبلت الأحزاب والشخصيات السياسية دخول الانتخابات أو مقاطعتها، فأيا كان خيارهم، فلن يجدوا من الشعب آذانا تسمع أو رغبة للقبول بما يدعون إليه. ولم يعد أمامهم سوى أن يقبلوا بنداء الشعب بالعصيان المدني في مواجهة سلطة اقتنصت الثورة بعيدا عن الإرادة الشعبية، وتنتج كل يوم رأس أفعى جديدة تعيد النظام السابق، حتى أن حكما من محكمة القضاء الإداري العليا صدر بعدم صحة حل الحزب الوطني المنحل!!، أي أن ائتلاف المصالح الرأسمالية بين رأسمالي الإخوان ورأسمالي نظام مبارك، الذي أدار فكرة المصالحة مع رموز النظام السابق، يستكمل تكوين الحياة السياسية باستدعاء الحزب الوطني المنحل. ويبقى أن تطهير ثوب الثورة من الدنس الذي ألم به، صار مسؤولية الشعب، وبلا قيادة وبدون مشروع واضح للنظام الذي يريده. هذه الحقيقة تناظر حقيقة أدركها الشعب المصري بعد هزيمة يونيو 67 العسكرية، يومها أدرك الشعب وبكل طوائفه أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، ونجح أن يضع كل أبنائه تحت السلاح دفاعا عن الوطن، وهو اليوم مطالب بأن يضع كل أبنائه في طريق العصيان المدني بكل ما يمثله من مهام متعددة ومتواصلة على مدار الساعة، ولعل تحديد توقيت الانتخابات وضع أمام الشعب المدى الزمني لاكتمال العصيان المدني، الذي يمكنه وحده وبدون العنف أن يمنع حدوث الانتخابات التي تكمل حلقة الانقضاض على الثورة. وإذا كانت الحركة الميدانية مسؤولية الشباب بالدرجة الأولى، فإن العناصر السياسية، أحزابا وأفرادا، يجب أن تنضوي ضمن حركة العصيان المدني إن شاءت أن تدخل في الحساب. إن مهمة أخرى مضافة إلى مهمة الحركة الميدانية، وتضيف إلى العصيان المدني مضمونه وأهدافه وصورة النظام الذي تريده الثورة، وهي مهمة تفرض نفسها على المفكرين والمثقفين في مصر، بلا دعوة، ولكن بمبادرة مماثلة للمبادرات التي يمارسها الشعب وبلا دعوة من أحد، لعلهم بهذا يتطهرون مما ألم بهم طوال الفترة الانتقالية واكتفائهم بالحوارات التلفزيونية دون إنتاج لرؤية واضحة تمد حركة الشعب بتصور أولي لمجتمع يضمن تحقيق أهداف الثورة وحاجات الشعب. المشاركة في الانتخابات النيابية القادمة تضفي شرعية على نظام الانقلاب على الثورة. ومقاطعة الانتخابات لن تحول دون إتمامها على أي نحو، وكما أنتجت مقاطعة انتخابات مجلس الشورى مجلسا غير دستوري، وحماه مرسي بإعلانه الدستوري، وكما أنتج مجلس الشعب السابق، والذي قضت المحكمة الدستورية بحله، الجمعية التأسيسية للدستور، وحماها أيضاً مرسي، وصار رئيسها مرشحا لأن يصبح مرشد الإخوان القادم، وكما أنتجت انتخابات الرئاسة سلطة تفعل ما تشاء وفق ما يحلو لها من مواد الدستور أو القانون، فإن الدرس مازال ماثلا، أن كل من قبل بدخول انتخابات الرئاسة من دون دستور يحدد صلاحيات الرئيس، كان يبحث عن ذاته ولا علاقة له بالثورة، بل كان يرقص على دفوف الانقلاب على الثورة. العصيان المدني والرؤية الوطنية لنظام الثورة، هما مهام خمسين يوما قادمة، فهل يعقل المصريون، سواء في الحركة الميدانية، أو مثقفو مصر وخبراؤها حقيقة التحدي الذي يواجهه الوطن، أم أنهم يستعذبون التعامل البوليسي معهم، ويمارسون الانتحار السياسي. سيذهبون ان انتحروا غير مأسوف عليهم جميعهم، وسيبقى الشعب والثورة، ومهما كان عدد الشهداء أو المصابين، فإنه طريق لا بديل عنه، لأن الشعوب خلقت لتحيا، ولتدفع ثمن الحياة مهما كان غاليا.

439

| 26 فبراير 2013

الشعب حضر ولن ينصرف

"حضر الشعب ولن ينصرف" هو المعني الذي نتج من حوارات دارت الأسبوع الماضي، تنوعت بين الأجيال، وخلال المواقف التي تجري وهي يومية ولم يعد تكرارها مصادفة، ولكن جميعها تقر أن ما تتوقعه الأعين في مصر أن حالة من الإحباط تسود وتلقي بظلالها على الحركة، لا يتجاوز ملاحظة للقشرة الخارجية للمشهد، وأن عمق الأحداث يؤكد حضور الشعب المصري في المعادلة، وأن هذا الحضور يتعدى الشكل إلى المضمون، وأنه حضور واع بأمر قضيته التاريخية والتي تتمثل فيمن هو مصدر السلطة الفعلي، وكيف نصل للعدل الاجتماعي. كانت الحوارات تصل لهذه الحقيقة، وكانت الوقائع تكشف عن انهيارات في بنية السلطة والسياسة. السلطة تسعى بكل ما تملك إلى حصار الحركة، وأداتها في ذلك وزارة الداخلية، ذات السقطة التي وقع فيها نظام مبارك، وحركة وجودها يلفه صمت مطبق، وكأن ما يجري لا يعني لها شيئا، ولكن الحقيقة أنها لا تملك معه شيئا والفارق بين الأمرين، أن مشروع جماعة الإخوان لا يتجاوز الاستيلاء على السلطة وأيا كانت الوسيلة، حتى وإن انهارت القيم أو انهارت الدولة ومهما كانت الأضرار التي تصيب منظومة الأمن القومي المصري. تمارس الداخلية التنصت والاعتقال وافتعال الأزمات لتفريغ الحركة من كوادرها، ولكن تلك الكوادر تكشف الحقيقة وتتعامل معها بحالة من عدم الاكتراث، يبدو للوهلة الأولى عدم إلمام بالخطر، ولكنه في الواقع إنهاك متبادل، أو حالة من الاستنزاف تمارسه كل الأطراف تجاه بعضها البعض، فمن سيخرج من هذا الاستنزاف وهو قادر على تجاوز المرحلة؟ سؤال هام، ولكن الأهم أنه تفكيك مستمر لمحاولات التمكين التي تمارسها السلطة. ووصلت أجراس الخطر إلى حد أن تبادر الجماعة عبر رئيس حزبها بالاتصال بالبرادعي، في محاولة إلى ترطيب أجواء المواجهة، ولكنها حركة خارج ميدان الصراع، وهي نفس مدرسة النظام السابق، الذي كان يرى أن معارضة شكلية تعني استمراره في تحقيق أهدافه بالتنازل الشكلي وبالأحاديث الطاحنة خارج قضية الصراع الرئيسية، من يحكم وأين هي العدالة الاجتماعية؟ من الخطأ تصور أن هناك صراعا بين الجماعة وبين المعارضة، لأن الحقيقة الآن أن الصراع بين الجماعة والمعارضة معا في مواجهة الشعب، والشعب لم يدفع بكامل قدراته بعد في هذا الصراع، بينما السلطة وصلت إلى حائط الصد الأخير وهو الداخلية، وبذات أساليب الاستبداد، الأمر الذي يخصم من رصيدها ويضيف إلى رصيد التحريض ضدها. يرى البعض أن هجمة الداخلية بالقتل والتعذيب والاعتقال وتلفيق التهم تستهدف إعداد الساحة للانتخابات القادمة، فالكوادر منشغلة بهذه الوقائع، بينما جماعة الإخوان منشغلة بالإعداد للعملية الانتخابية. ويتردد من جديد هتاف يبدو استدعاؤه مناقضا لمسار الأحداث، فالمظاهرات تتجه إلى القصور الجمهورية، ولكن واحدة منها تتجه إلى وزارة الدفاع مرددة هتافا "يسقط حكم العسكر"، تحت دعوى أن حق القصاص أولى من قضايا التغيير، ولكن حقيقته هو محاولة لوضع الجيش في حالة الدفاع عن النفس، وأن نتيجتها السياسية تصب لصالح الإخوان. وتتجاوز قراءة أخرى مسألة الانتخابات، إلى أن الهدف الحقيقي هو سيناء، وترتيبات تجري تمس الأمن القومي في عمقه، وأن هذه الترتيبات تهدف إلى تحويل الجيش المصري إلى حالة بوليسية لمواجهة الإرهاب، وإعداد سيناء لمشروع الحل النهائي للقضية الفلسطينية. وتصل عبر قنوات فضائية تصورات تبدو أنها نوع من الخيال، تقول إن هناك في غرب مصر معسكرات لإعداد وتدريب عناصر للقيام بعمليات إرهابية في شمال المتوسط، وأن الناتو رصد هذا، وأن موقف الناتو من المعسكرات "قد يقترب من العمل العسكري". وتحمل الأخبار وقائع تمت الأسبوع الماضي أولاها اختراق لطيران منخفض، لجنوب سيناء، والطائرات من دون علامات مميزة، تم رصد الاختراق، وجرى تقييد القوات المصرية من التعامل معه. والواقعة الثانية عبور قطع بحرية إسرائيلية لقناة السويس في اتجاه الجنوب، ولفت النظر تجاوزها القانوني بعدم رفع العلم المصري أثناء العبور، ولكن الأكثر إثارة للانتباه لماذا تتحرك أربع قطع بحرية في اتجاه خليج السويس والبحر الأحمر؟ وأيضا واكب كل ذلك نشر الصحف لتصريحات للمتحدث العسكري المصري بأن القوات المصرية بصدد تجديد الحملة العسكرية في سيناء لمواجهة التجمعات المسلحة هناك والتي يحول القرار السياسي المصري للسلطة من التعامل معها. ويواكب ذلك كله مواجهات حادة ومتجددة بين الداخلية والمتظاهرين، تبدو أنها غير منظمة، وأنها متناثرة ولا رابط بينها، ولكنها تؤكد أن حالة المواجهة لا يصنعها فرد أو تنظيم، ولكنها تحمل في طياتها إشارات لمواجهات أكثر عمقا واتصالا وارتباطا في المستقبل، هي في ذاتها إشعار بأن حربا داخلية من نوع جديد قيد التشكل، وأن محاولات تجاوزها باتفاق بين عجز السلطة وعجز المعارضة على اقتسام الغنائم والاكتفاء بذواتهم، هو في ذاته عجز عن استيعاب جوهر الاحتياج الشعبي في العدالة الاجتماعية، والهروب منها إلى قضايا تداول السلطة. الشعب يواجه الداخلية بكل أدواتها وبلا رادع لها من قانون أو من دروس تجربة المواجهة طوال العامين الماضيين، والسلطة والمعارضة معا في غرف خلف أبواب مغلقة، يمارسون حوار الطرشان بينهما كما يمارسونه مع الشعب. من سيواجه الإخوان؟ وكيف؟، هو سؤال اللحظة في مصر، وفي مواجهته من سيحمي أمن مصر القومي؟ الحقيقة أن السؤال في الداخل من سيواجه الإخوان وأمريكا وإسرائيل؟ وفي خارج مصر السؤال كيف سيتم ترويض مصر بعد الثورة؟ الفارق جوهري، فالإخوان ليسوا مصر على الإطلاق، وبالتالي فإن السؤال الداخلي مشروع، ويمكن حله داخليا أيا كانت الوسائل والأساليب والثمن المدفوع في المواجهة، دما كان أو زمنا من عمر الوطن، ولكن سؤال من سيروض مصر هو السؤال الأكثر إلحاحا على العقل لمواجهته. لا يقبل أي عقل أن التدخل الخارجي، وبالقوة المسلحة يملك قائمة أهداف "إخوانية"، ولكنه يتحدث عن مواقع "إرهابية"! وبذلك فإن التدخل الخارجي له مبرر لاستهداف كل عوامل القوة الوطنية المصرية، وهو يرمي في النهاية إلى إقرار تسوية لصالح الخارج ولصالح إسرائيل، وأيا كان مصدر هذا الخارج، أمريكا أو الغرب أو تركيا أو إيران أو حتى دول الإقليم. والمأخذ الرئيسي على الإخوان هو سرقة الثورة ومحاولة السيطرة على مصر، أو الترويض الداخلي لمصر الشعب والإمكانات والهوية، ولكن المأخذ الأخطر عليهم، هو أنهم يقدمون أوراق اعتمادهم لتحقيق هذا الهدف إلى الخارج، فصنعوا من أنفسهم أداة داخلية لترويض مصر وفق الإرادات الخارجية، مقابل استيلائهم على السلطة. والتدخل الخارجي له بنك أهدافه العسكرية الخاص به، وأول أهدافه القضاء على الجيش الوطني المصري، بينما تطور أهداف الثورة أضاف هدفا مناقضا لذلك وهو إعادة بناء الجيش الوطني المصري. هكذا يبدو أن الحضور الشعبي يحارب معركته الأساسية في امتلاك الشعب لجيشه وإعادة بنائه. وبذلك يصبح إعادة ترديد هتاف "يسقط حكم العسكر"، حتى وإن كان افتراض حسن النية يأخذه بأنه القصاص للشهداء من قاتليهم، غير أنه يمضي مواكبا لهدف خارجي ومطلب سياسي إخواني في إطار صراع السيطرة على السلطة بين القوى الداخلية. ويبقى أن مواجهة الإخوان لا يجب أن تكون بذات منهجهم، بالقبول بتدخل خارجي على الإطلاق، بل إن أحد أسباب مواجهتهم بالإضافة إلى كافة المبررات السياسية، هو خطر الانصياع للإرادات الخارجية. فهل يمكن أن يستوعب الإخوان هذا الفارق، لا أعتقد، فمقومات وجودهم الداخلي لا تؤهلهم للسيطرة على وطن وشعب ودولة، فضلا عن عجزهم عن استيعاب حاجات المستقبل وعدم امتلاكهم لمشروع وطني واضح غير الاستيلاء على السلطة ثم من بعد أي شيء آخر. خرج وزير العدل في الحكومة الإخوانية ليقول إن الجيش هو الذي يمكنه غير الإخوان إدارة البلاد، ولم يتضح من وزير العدل هل هو يعرض للحل، أم أنه يهدد بقدوم الجيش إن رفض الشعب الإخوان؟ أصبح مطلب الوحدة بين الجيش والشعب مطلبا له مبرراته الداخلية والخارجية. داخليا الحقيقة التي أقر بها وزير العدل الإخواني، ومن قبل ذلك أن الجيش في ذاته مستهدف، وأن قضايا الأمن القومي والدفاع في منتهاها تصل إلى مسؤولية الجيش المباشرة استراتيجيا وتنفيذيا. نعم حضر الشعب ولن ينصرف دون تحقيق أهدافه، وصار حضور الجيش المصري في المعادلة مطلبا ملحا، ليس بقاعدة إرضاء الخارج بحوارات تبويس اللحى بين فصائل سياسية في السلطة أو المعارضة لأنهم جميعا خارج ثقة الشعب وأسقط عنهم شرعيتهم، ولكنه حضور بمعنى الدفاع عن الوجود ذاته. مصر تعيد ترتيب الأوراق، والزمن لصالح الشعب، والاقتصاد في الزمن والجهد مطلوب لأن احتياجات البناء والتنمية أكثر إلحاحا، لأن صبر الفقراء على الجوع مع امتهان الكرامة والكذب الملبد في الأجواء، يفتح الباب لحرب أهلية تعيد مصر إلى الخلف لزمن سحيق يعلم الله مداه.

344

| 19 فبراير 2013

الحائرون في مصر الآن

يتجلى الفارق بين تعبير الثائرين والحائرين في مصر الآن، والفارق بينهما شاسع، وهو ذاته الفارق بين المثقفين والدجالين، والفارق بين الدعاة والمشعوذين، وبين الجد والهزل، وبين الصدق والكذب، وبين الفداء والقرصنة. يفرق بين الثورة والسياسية عوامل متعددة، طبيعة الفعل وجذرية هذا الفعل، الزمن الذي يستغرقه اكتمال الفعل، ثم نوعية القوى التي تقف من خلف الفعل وتسعى لتحقيقه، ومدى شمولها للتنوع الاجتماعي، وقدرتها للتعبير عنه. انقضى عامان منذ تخلي مبارك عن السلطة، والفارق بين حال مصر بعد عامين لا يتسق إطلاقا مع حال مصر لحظة التنحي، يومها كان البشر فوق الأرض فدائيين ثائرين تتجلى أمام أعينهم نداءات الضمير الشعبي في حق الحياة والحرية والعدالة الاجتماعية، كان يومها دم الشهداء عطرا يتعطر به الوطن، وتتكحل به أعين أمهات الشهداء، واليوم دم الشهداء دم اغتيال وقتل وتصفية يقوم بها القراصنة والمشعوذون تحت ادعاء بالديمقراطية والشرعية والصراع بين سلطة الصندوق ومعارضة ذات الصندوق. رحيل مبارك لم يتم عبر صندوق ولكنه تم عبر فعل جذري وبكتلة شعبية بلغت عشرين مليونا وتمت في مدى ثمانية عشر يوما، كان فعلا يمكن وصفه من حيث الجذرية والزمن والكتلة الشعبية فعل الثورة، لأن اجتماع هذه الإرادات وتوحدها ليس مصنوعا بفعل فاعل واحد، ولكنه فعل بمحصلة هذه الإرادات، فعل أسقط دور الشرطة في المواجهة، وتجاوز عجز الساسة، وهوان الأحزاب، وتجاوز فتاوى دينية بعدم جواز الانقلاب على الحاكم، وتجاوز جماعة الإخوان بالذات التي كانت في أعلى غاياتها أن تشارك النظام في الحكم، وأن يرفع يد الضغط عن كاهلها، وفرضت حركة الكتلة الشعبية على الجيش أن يختار يومها بين الشعب والحاكم، ورجح رفض الجيش للتوريث انحيازه، كما كان للعقيدة القتالية للجيش أثرها في هذا الانحياز، كان وقود الثورة شباب شعب صابرا، وتمثلت فيه كل لحظات الإباء والكرامة والتضحية عبر تاريخ هذا الشعب لمن يدركونه ولا يتنكرون له ليجدوا لأنفسهم مبرر وجود عكس اتجاه حركة التاريخ وتراكم حركة الشعب ووعيه. انتقال الثوار إلى حالة الحيرة، ليس لغياب القائد والتنظيم، ولكن لعدم الاستفادة من دروس عامين بعد التنحي، الأهداف واضحة، وأولويات حركة التغيير واضحة، ولكن الانقلاب على الثورة وتحويلها إلى فرصة استيلاء على السلطة، ما كان له أن يتحقق دون الانحراف ببوصلة الثورة، وهو الدرس الأول المستفاد، ومازالت حركة المجتمع في الاتجاهات المنحرفة بالثورة، وهذا الانحراف هو السبب الرئيسي لتحول الثوار إلى حالة الحيرة والاختيارات البعيدة عن مطلب التغيير وأهداف الثورة، بل إن هذا الانحراف زرع الانقسام، فعندما تختزل الأمة في أشخاص، وجماعات، ويجمع بينها صراع السلطة، يصبح المجتمع عرضة للانفجار بعد الانقسام والتشتت، وتنتج الحيرة من حالة عدم التصديق، فالكل يأبى أن يرى الفارق بين القرصنة وادعاءات الديمقراطية، وتغليب الصندوق على إرادة الشعب واعتباره هو الفيصل في الاختيارات. الديمقراطية نتاج تراكم متعدد المحاور داخل المجتمع، وليست دواء جاهزا يتعاطاه المجتمع فيقفز على كافة صور التردي والفساد داخله أو داخل عناصر منه أو داخل تكوينات الظلام. والثورة فعل نوعي ينتج عن تراكمات سبقت عليه، وقراءة دروس العامين الماضيين تؤكد ما يلي: 1) إن الانحراف بالثورة بدأ قبل التنحي. 2) إن هذا الانحراف أفرز قوى لا تملك رؤية لتحقيق أهداف الثورة ولا يتجاوز هدفها غير الاستيلاء على السلطة. 3) إن من أُوكل إليه إدارة أمر الوطن، سواء كان لقصور لديه في الوعي بمعنى الحدث وأهداف الثورة، أو كان استجابة لضغوط خارجية، فقد سلم بمنهج للتعامل يخالف ما استقر في علم الثورة، وقدم صندوق التصويت على إرادة التغيير، فزرع أولى خطوات الانحراف بمسيرة الثورة. 4) إن ذات الإدارة في محاولة لتجاوز المد الشعبي اتخذت موقفا معاديا، رغم محدودية المواجهات بين ما تمتلكه من عناصر القوة وبين شعب ظل يتظاهر باحثا عن طريق لتحقيق أهدافه، وهو لا يملك من عناصر القوة غير الاحتشاد. 5) وذات الإدارة فتحت أمام جماعة الإخوان والكيانات السلفية باب الوجود السياسي منفردة، ومع ما ينشر عن أن هذه الجماعة استعانت بقوى خارجية للخروج من السجون، غير أن هذه الإدارة فتحت أيضاً أبواب السجون لبعض من قياداتها، وطوعت قوانين الأحزاب والانتخابات لصالح هذه القوى وغيرها من الأحزاب التي كانت تعتبر امتدادا طبيعيا للنظام السابق. 6) إن حالة من الإرهاب تحت اسم الإسلام جرى ممارسته داخل المجتمع، وكأن الثورة كانت على مجتمع كافر وليست ضد فساد أصابه وانعدام للحرية والعدالة الاجتماعية، وجرى افتعال تقسيم المجتمع بين ما هو إسلامي وغير إسلامي، وأصاب المجتمع فتنة في الدين مازالت تؤجج الصراع، وتنذر بخطر الحرب الأهلية. 7) أن القوى المدنية عجزت عن أن تستوعب جملة الدرس وطبيعة القوى داخل المجتمع، سواء كانت داخل مؤسسات الدولة، والمؤسسة العسكرية قوة رئيسية، واستدرجت إلى الصراع ضدها، وإن ظل هذا الصراع في حدود هتاف يسقط حكم العسكر، لتخسر ظهيرا رئيسيا، وتدعه عرضة للاستقطاب المضاد، ولم تبذل في اتجاه تصحيح المسار أي جهد كان، حتى أصبحت أحلام اليقظة التي تحياها الآن إجابة تتمناها عن موقف العسكر من السلطة القائمة، خاصة أن عجز هذه السلطة عن احترام المفاهيم الحاكمة للأمن القومي أو مؤسسات الدولة فاق حالة التخمين إلى حقائق تفرض نفسها، صادمة إلى حد أن الشعب بعمومه اتخذ موقفا من الأشخاص والجماعات والأحزاب، ولم يعد يرى في أي منهم أداة للتعبير عن احتياجاته. 8) إن تقسيم القوى لسلطة ومعارضة، استبعد من الصراع القوى الاجتماعية. واستبعد مؤسسات الإعلام والقضاء، وأطلق سلطة الجماعة لتتمكن من مفاصل الدولة وتخرج المؤسسات خارج الصراع بالاستيلاء عليها. 9) إن محاولات التشويه بادعاء أن حركة الشارع، سواء حركات فئوية، أو مظاهرات شعبية، هي حركة ضد الاستقرار أو ضد الشرعية، حاصرت أي منطق لتقييم غياب الشرعية عن السلطة ذاتها، وقراراتها الخارجة عن قواعد الإدارة والقانون، بل والسيطرة على مناصب قضائية ومحاكم، واستخدام أساليب الحصار والإعلانات الدستورية ما دامت تحقق أهدافها، بينما تستعمل الغازات والرصاص في مواجهة أي عملية اعتراض. 10) إن السلطة الحاكمة، ونائبها العام تمارس الصمت وتتغاضى عن حوادث اغتيال وتعذيب لعناصر من الشباب كل جريمتهم أنهم يواجهون جماعة الإخوان على صفحات الإنترنت، بل إن السلطة تتغاضى حتى الآن عن جريمة الخامس من ديسمبر 2012 في هجوم ميليشيات الإخوان ومقتل 10 من الشباب، وحالات من الاعتقال والتعذيب. 11) إن السلطة اختارت منهج النظام السابق، بترك الأمور للزمن، حتى يصيبها النسيان أو الملل والكلل، غير آبهة بما يمكن أن يثير هذا المنهج من انحراف عن سلمية حركة الثورة. 12) واستطابت السلطة والمعارضة، كما يطلق عليهما الآن، الولاية الأمريكية عليهما، ونسوا الشعب، فوضعوا ظهرهما للحائط، وصارت الحيرة تشدهما إلى العنف، واستدعت السلطة بكل الفجور العنف في مواجهته. 13) إن المجتمع الذي يئن من تجاهل حالته الاقتصادية والاجتماعية، لم يصل أنينه إلى النخبة، ولكنها تصنع من جديد انحرافا آخر بعد انحراف نبذ العنف، أطلقوا عليه جبهة الضمير. 14) إن جملة هذه الدروس كشفت أمام الشعب حقائق ما كانت الأفواه بقادرة على كشفها، فضحت كافة الأطراف ووضعت الجميع أمام قاعدة جديدة للفرز، "لا تقل لي ولكن دعني أرى"، وهذه الحقيقة تفتح باب المقاومة الشعبية لكل صور التجاهل والانفراد والاستبداد باسم الدين وعنف السلطة، بعنف مضاد، حتى وإن كان في أطواره الأولية، ومازال يتلقى الضربات، ولكن هذه الضربات تفتح باب الثأر على مصراعيه. أن مصدر الحيرة يكمن في البحث عن طريق سهل ومختصر للوصول إلى إعادة الثورة للشعب، ولتحقيق أهدافها، ولأن الطريق للأهداف العظيمة هو في ذاته تحدي الوجود ويسبق تحدي البناء، فليس التمني بكاف، ولكنها الإرادة والصبر وتحليل مقومات القوة وإمكاناتها وتوفيرها. السلطة القائمة، تحاول أن تستعيد أسسا ديكتاتورية لنظام سابق، وهذا وحده كافيا لاستمرار حالة الرفض، والمعارضة القائمة تصارع السلطة على كرسي الحكم وفق قواعد للعبة تضعها هذه السلطة، وصارت المعارضة تترنح بين خيارات السياسة والثورة، ودعوات الضمير المستحدثة هي محاولة جديدة للخداع، ويبقى أن بناء قواعد الثورة بين الكتل الشعبية هو الطريق الواضح لتحقيق أهداف الثورة، وتغيير السلطة إن لزم الأمر. ورغم صخب المواجهات وعمليات الاغتيال وانحراف سلطة التحقيق، وتساقط النخبة كأوراق الخريف الجافة، فإن الحيرة التي تملأ الأفق تنذر بانفجار، وتستدعي إعادة ترتيب عناصر القوة في الوطن.

412

| 12 فبراير 2013

النابذون ...

حفلت الساحة المصرية بعد يناير 2011 بمسميات وشخوص وجماعات تبدو وكأن علاقتها مع مصر تتم عبر مجال افتراضي، أقدام غير ثابتة فوق الأرض، هائمة، ولكنها تطلق من الألفاظ ما يصعب على العقل تمريره. تتبدل الألوان بسرعة تفوق سرعة الحرباء، ولا تستطيع أن تقطع باليقين اتهاما، لأن حياة الشعوب لا تصنع، ولا تدار الثورات، بتوزيع الاتهامات، ولكن الثورات فعل وعمل وإرادة، وقبل كل هذا وعي ورؤية وإدراك. قال أبو تمام "السَّيْفُ أَصْدَقُ أنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ" فاصلا بالسيف بين "الجدِّ واللَّعبِ"، والفارق يبين بين الجد واللعب عندما تصبح حياة الإنسان والشعب والأوطان على محك الخيارات، قد يملك الإنسان لنفسه قبول المهانة مبررا ذلك بأي مبرر يستر به عجزه، ولكن الإنسان لا يملك أن يقبل مهانة شعب أو وطن بخيارات قاصرة، أو عجز عن الرؤية، أو هيام بالذات وأنها هي الحقيقة والوجود. كذلك الكيانات السياسية والحزبية وأي جماعة مهما علا شأنها، أو ذاع لها صيت أو امتلكت لنفسها قوة دون مجموع الشعب، شأنها شأن الأشخاص، فالأوطان ليست أحزابا ولا يجوز استبدال جماعة بوطن. ما يدور في مصر الآن من تخبط واستحواذ وسحل وقتل، هو نتائج لكل الفترة الماضية، ولم تبلغ الأزمة ذروتها بعد، فمازالت القوى متباينة في القدرات، وتبلغ الأزمة ذروتها عندما يحدث توازن القوى، عند ذلك فقط يدرك الجميع أنه بقدر ما يستطيع الفعل بخصم أمامه، قد يكون رد الفعل أكبر من قدرته على الاستيعاب والتحمل، لحظة التوازن هذه هي لحظة الحوار. الدم والقتل والسحل في مصر يؤكد أن السلطة الحالية أشد جرما من سلطة سبقتها، ولا يردعها رادع عن القتل وازدواجية المعايير. والركون إلى أن هذه السلطة جاءت عبر صناديق التصويت هو جريمة في حد ذاته، لأنه إهدار لإرادة التغيير لدي الشعب، وهي في الوقت ذاته دلالة على عجز ما يسمى بالنخبة أو الأحزاب والجبهات عن القراءة الصحيحة لما جرى في مصر وما يوجبه من مهام. فعندما تكون الصناديق طريقا لقتل شباب وطن، تصبح هذه الصناديق نعوشا، وليست تعبيرا عن إرادة. لم ننس حسابات القوى المضادة للثورة مبكرا، وأنها تضم المجلس العسكري والإخوان والداخلية والسلفيين والطبقة المستفيدة من النظام السابق، وحينها كنا نرى أن مصر صارت ساحة للعبة الأمم وهو تعبير مجازي عن وجود وعمليات لأجهزة استخباراتية خارجية ومصالح تعبر عن نفسها فوق أرض مصر تملك المال والحصار الاقتصادي وتزكية الانقسام والتهديد للأمن القومي بل وجندت قوى تحت رايات إسلامية وأقامت لها معسكرات التجهيز والإعداد وسهلت لها الدخول لمصر، واختارت لها سيناء مرتعا لإقامة الإمارة الإسلامية. عندما تم دعوة الناخبين لاختيار مجلس نيابي على قانون يفتح الباب على مصراعيه لكيانات هي امتداد طبيعي للنظام السابق، كان الرأي يومها، أن القوى المضادة للثورة تستحوذ على سلطة التشريع، ولكن الصرخات لم تجد من يسمعها، كما حال الجمعية التأسيسية للدستور وانتخابات الرئاسة واستفتاء الدستور. كان ذلك كله حسابات القوى المضادة للثورة، وكان من الصعب حساب قوى الثورة، ومدى علاقاتها بالقوى الاجتماعية وكانت حركة الثورة واستمرارها كما العملية الانتحارية، وكان المقابل لها عنف مستمر سواء من الجيش أو الداخلية أو ميليشيات التنظيمات الإسلامية، وظهر تعبير "الطرف الثالث" في الاشتباكات، ولم يكشف عنه حتى الآن، وإن كان الرأي العام أجمع على أنهم ميليشيات الإخوان والتنظيمات الإسلامية التي سمحت لنفسها بممارسة العنف. ولم تكتف سلطة الإخوان بما قدمه لها المجلس العسكري والإدارة الأمريكية سواء من خيارات إجرائية أو تمويل أمريكي ناقشة الكونجرس الأمريكي مؤخرا وهو تمويل يوازي المعونة الأمريكية لمصر، ولكنها سعت إلى السيطرة على الأزهر والأجهزة السيادية ووزارة الداخلية والإعلام والقضاء ومنصب النائب العام، وحاصرت سواء بالإعلانات الدستورية أو بالحصار البشري المحكمة الدستورية لتفرض بالعنف السياسي والسلطوي موازيا للعنف المسلح. وتواجه الثورة أزمة التوصيفات، فبديلا عن قوى الثورة والقوى المعادية لها، جرى زرع توصيف السلطة والمعارضة، وكأن حركة الثورة وصراعها في مواجهة تحديات التغيير وبناء النظام الجديد، صارت صراع سلطة. الجميع لهم نصيب من الاتهام بالتقصير عن مواكبة الاحتياج الوطني والعجز عن امتلاك رؤية تفرز بين ما يجب للثورة أو ما هو انسياق خلف خيارات سياسية هي انحراف عن تحديات الثورة، ولكن المفاجأة كانت في ثلاث وقائع، تمثلت في بيان صادر عن مجلس الدفاع الوطني، وخطاب لمرسي أعلن فيه الطوارئ وحظر التجول بمنطقة القناة، ووثيقة نبذ العنف الصادرة عن الأزهر. كان بيان مجلس الدفاع الوطني غريبا في مقدمته ومضمونه وصدوره من حيث اللغة والمضمون ينم عن تفكك وليس عن وحدة. يبدأ البيان بفقرة، (يعرب المجلس عن بالغ "الأسى والأسف" لما وقع من ضحايا بين شهداء ومصابين ويتقدم بخالص "التعازي" لأسر الشهداء و"الدعوات" للمصابين بالشفاء)؛ أسى وأسف وتعازي ودعوات، ولم يعلن المجلس موقفه من تحقيق أو موقفه من أعمال عنف منظم سابق، وجار. ويكمل (وفي إطار ما تشهده البلاد من أحداث عنف "تسيء" إلى وجه الثورة، و"تهدد" أمن مصر القومي، قام المجلس باستقراء دقيق وتحليل لكافة المشاهد السياسية والأمنية وإعلاءً لسيادة القانون بما يحفظ هيبة الدولة). (يؤكد المجلس دعمه الكامل لجهود رجال الشرطة في ضبط الأمن). (يؤكد المجلس أن القوات المسلحة المصرية ملك للشعب المصري العظيم. وتقف على مسافة واحدة من الجميع ولا تتدخل في العملية السياسية إلا أنها في الوقت نفسه تدرك واجبها الوطني وحقوق شعبها عليها في تأمين "منشآته الحيوية"، وتحرص على تحقيق الشعب لطموحاته وآماله ومبادئ ثورته العظيمة). هذا بيان يفتح الباب على مصراعيه لتأويل حول العقيدة الحاكمة لمجلس الدفاع الوطني، هدفه منشآت وأجهزة ووعيد وحياد، وشعب مستهدف بكل الإجراءات. ويرتكز مرسي على أحد نصوص البيان ذاته، (يحفظ المنشآت والأهداف الحيوية للدولة، بما في ذلك إمكانية حظر التجول أو إعلان حالة الطوارئ بالمناطق التي تشهد اضطرابات أو أحداث عنف تؤثر على أمن وسلامة البلاد(، ليعلن الطوارئ في مدن القناة وحظر التجول بعد مقتل 58 مواطنا، ويهدد مرسي أن لديه الأكثر من ذلك، وينال مرسي حظه من أهالي المدن القناة وتبدأ الحياة والمظاهرات من لحظة بدء حظر التجول، وتحول العداء إلى عداء لمرسي وجماعته. ويعود شيخ الأزهر من منفاه الاختياري في بلدته حيث ذهب احتجاجا على موقف نشرته الصحف المصرية، أن الحكومة رفضت تعيين أسماء اقترحها واستبدلتها بأسماء من الإخوان، فغضب الرجل وغاب عن الاحتفال بالمولد النبوي، ولكنه يعود ليتبنى وثيقة تنبذ العنف، ولكنها لا تحدد أي عنف ترفضه، وما هي البيئة التي ولًّدت العنف، وما هي السياسات التي وضعت ظهر الشعب إلى الحائط بينما تفعل سلطة الإخوان ما تريد. انضمت جبهة الإنقاذ التي اتخذت وصف "المعارضة" إلى الوثيقة، ولتنال حظها من رفض المتظاهرين وإدانتهم، وتنال الوقائع منهم ومن الوثيقة، وتظهر حقائق القتل والسحل والاختطاف والتعذيب، فيعلن "النابذون" للعنف انسحابهم من الوثيقة واستتابتهم عن النبذ، وكأن مصائر الشعوب عرضة لهذا التأرجح في المواقف. ولا يفقد الشعب طريق الإبداع، وتعلن الإعلامية هالة فهمي، عن تشكيل مجلس شعبي لإدارة اتحاد الإذاعة والتلفزيون، هذا الإجراء ينقل الكلام إلى فعل وهو أكثر عمقا من النقابة المستقلة، لأنه يمس فكرة السيطرة والإدارة ويواجه سياسات التمكين. الانتقال إلى مرحلة الإدارة هو بديل افتقاد الثورة لتنظيم يعبر عنها وقيادة لها. تشكيل لجان الإدارة الشعبية للمحافظات والوزارات والهيئات والشركات والنقابات ودور الصحف القومية، هو تحويل المظاهرات إلى واقع في الدولة، وهو أيضا أداة عزل السلطة عن إدارة الدولة. إن هذا الإجراء يلزم لنجاحه التفاف كل العاملين في أي جهة تؤسس لجنة إدارة شعبية لها من حول هدف انتزاع الإدارة. إنه العصيان المدني الإيجابي، وهو إيقاف لمسلسل الكلام كلام كلام، هو بداية التحول إلى فعل إيجابي. وتطبيق هذا الفعل يحتاج إلى رؤية صحيحة للخطوات التالية، أنها خطوة صحيحة على طريق استمرار الثورة. فمن سرق الثورة فلن يوقفه إلا الحضور الشعبي الفاعل. ولندرك أن الحضور الشعبي المنتج والذي يمثل زخم الاقتصاد الوطني وزخم الثورة تجري سرقته بواسطة لعبة التصويت، إن دور النقابات المستقلة في هذه الحالة يصبح ضروريا ومنتجا. وهنا تبرز الحاجة إلى رؤية اقتصادية وإدارية، إنها خطوة جوهرية لتجاوز الانهيار لدى كل الكيانات السياسية وهي معيار عملي لفرز القيادات الطبيعية في مجتمع الإنتاج. الأزمة في مصر لم تبلغ مداها بعد، ولم تنتج الحركة قياداتها الطبيعية، وليس من سبيل لاستعادة زخم الثورة سوى أن تكون فعلا يوميا وعلى كافة الأصعدة، والفعل هو معيار تحديد القدرة وبيئة إنتاج القيادة، وعندها يصبح للدم عائدة لصالح الثورة والوطن، وفي مواجهة اغتصاب الثورة والوطن.

318

| 05 فبراير 2013

alsharq
رواتب لربات البيوت

في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات...

1437

| 18 مايو 2026

alsharq
طافك رمضان؟ تفضل

في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من...

1269

| 19 مايو 2026

alsharq
الدوحة تحتفي بالكتاب

​لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ...

1026

| 21 مايو 2026

alsharq
لماذا الديستوبيا في الإبداع أكثر ؟

كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا...

969

| 21 مايو 2026

alsharq
العلاقات التركية - الجزائرية من الماضي إلى الحاضر

تستند العلاقات بين تركيا والجزائر إلى روابط تاريخية...

750

| 17 مايو 2026

alsharq
المنازعات الإيجارية

أصبح توجُّه المشرع القطري خلال العشرية الأخيرة يرتكز...

672

| 20 مايو 2026

alsharq
قطر في قلب اتفاق تجاري خليجي بريطاني جديد

أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...

618

| 20 مايو 2026

alsharq
الصحة والفراغ.. ثروات متاحة

خير استفتاح واستدلال لهذا المقال هو الحديث الشريف...

591

| 18 مايو 2026

alsharq
قطر تعزز الشراكات الدولية

تأتي مشاركة معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن...

576

| 17 مايو 2026

alsharq
توطين الصناعة من قيود الممرات

قد تكون الجغرافيا قدرًا ثابتًا، خاصةً لدول تكتسب...

573

| 17 مايو 2026

alsharq
"الدوحة للكتاب".. منارة لا تنطفئ

يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي،...

549

| 19 مايو 2026

alsharq
«وسائل التواصل الاجتماعي» مصطلح غير بريء

منذ بدايات انتشار الإنترنت في العالم العربي، استُخدمت...

537

| 18 مايو 2026

أخبار محلية