رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حفلت الساحة المصرية بعد يناير 2011 بمسميات وشخوص وجماعات تبدو وكأن علاقتها مع مصر تتم عبر مجال افتراضي، أقدام غير ثابتة فوق الأرض، هائمة، ولكنها تطلق من الألفاظ ما يصعب على العقل تمريره.
تتبدل الألوان بسرعة تفوق سرعة الحرباء، ولا تستطيع أن تقطع باليقين اتهاما، لأن حياة الشعوب لا تصنع، ولا تدار الثورات، بتوزيع الاتهامات، ولكن الثورات فعل وعمل وإرادة، وقبل كل هذا وعي ورؤية وإدراك.
قال أبو تمام "السَّيْفُ أَصْدَقُ أنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ" فاصلا بالسيف بين "الجدِّ واللَّعبِ"، والفارق يبين بين الجد واللعب عندما تصبح حياة الإنسان والشعب والأوطان على محك الخيارات، قد يملك الإنسان لنفسه قبول المهانة مبررا ذلك بأي مبرر يستر به عجزه، ولكن الإنسان لا يملك أن يقبل مهانة شعب أو وطن بخيارات قاصرة، أو عجز عن الرؤية، أو هيام بالذات وأنها هي الحقيقة والوجود. كذلك الكيانات السياسية والحزبية وأي جماعة مهما علا شأنها، أو ذاع لها صيت أو امتلكت لنفسها قوة دون مجموع الشعب، شأنها شأن الأشخاص، فالأوطان ليست أحزابا ولا يجوز استبدال جماعة بوطن.
ما يدور في مصر الآن من تخبط واستحواذ وسحل وقتل، هو نتائج لكل الفترة الماضية، ولم تبلغ الأزمة ذروتها بعد، فمازالت القوى متباينة في القدرات، وتبلغ الأزمة ذروتها عندما يحدث توازن القوى، عند ذلك فقط يدرك الجميع أنه بقدر ما يستطيع الفعل بخصم أمامه، قد يكون رد الفعل أكبر من قدرته على الاستيعاب والتحمل، لحظة التوازن هذه هي لحظة الحوار.
الدم والقتل والسحل في مصر يؤكد أن السلطة الحالية أشد جرما من سلطة سبقتها، ولا يردعها رادع عن القتل وازدواجية المعايير. والركون إلى أن هذه السلطة جاءت عبر صناديق التصويت هو جريمة في حد ذاته، لأنه إهدار لإرادة التغيير لدي الشعب، وهي في الوقت ذاته دلالة على عجز ما يسمى بالنخبة أو الأحزاب والجبهات عن القراءة الصحيحة لما جرى في مصر وما يوجبه من مهام. فعندما تكون الصناديق طريقا لقتل شباب وطن، تصبح هذه الصناديق نعوشا، وليست تعبيرا عن إرادة.
لم ننس حسابات القوى المضادة للثورة مبكرا، وأنها تضم المجلس العسكري والإخوان والداخلية والسلفيين والطبقة المستفيدة من النظام السابق، وحينها كنا نرى أن مصر صارت ساحة للعبة الأمم وهو تعبير مجازي عن وجود وعمليات لأجهزة استخباراتية خارجية ومصالح تعبر عن نفسها فوق أرض مصر تملك المال والحصار الاقتصادي وتزكية الانقسام والتهديد للأمن القومي بل وجندت قوى تحت رايات إسلامية وأقامت لها معسكرات التجهيز والإعداد وسهلت لها الدخول لمصر، واختارت لها سيناء مرتعا لإقامة الإمارة الإسلامية.
عندما تم دعوة الناخبين لاختيار مجلس نيابي على قانون يفتح الباب على مصراعيه لكيانات هي امتداد طبيعي للنظام السابق، كان الرأي يومها، أن القوى المضادة للثورة تستحوذ على سلطة التشريع، ولكن الصرخات لم تجد من يسمعها، كما حال الجمعية التأسيسية للدستور وانتخابات الرئاسة واستفتاء الدستور.
كان ذلك كله حسابات القوى المضادة للثورة، وكان من الصعب حساب قوى الثورة، ومدى علاقاتها بالقوى الاجتماعية وكانت حركة الثورة واستمرارها كما العملية الانتحارية، وكان المقابل لها عنف مستمر سواء من الجيش أو الداخلية أو ميليشيات التنظيمات الإسلامية، وظهر تعبير "الطرف الثالث" في الاشتباكات، ولم يكشف عنه حتى الآن، وإن كان الرأي العام أجمع على أنهم ميليشيات الإخوان والتنظيمات الإسلامية التي سمحت لنفسها بممارسة العنف.
ولم تكتف سلطة الإخوان بما قدمه لها المجلس العسكري والإدارة الأمريكية سواء من خيارات إجرائية أو تمويل أمريكي ناقشة الكونجرس الأمريكي مؤخرا وهو تمويل يوازي المعونة الأمريكية لمصر، ولكنها سعت إلى السيطرة على الأزهر والأجهزة السيادية ووزارة الداخلية والإعلام والقضاء ومنصب النائب العام، وحاصرت سواء بالإعلانات الدستورية أو بالحصار البشري المحكمة الدستورية لتفرض بالعنف السياسي والسلطوي موازيا للعنف المسلح.
وتواجه الثورة أزمة التوصيفات، فبديلا عن قوى الثورة والقوى المعادية لها، جرى زرع توصيف السلطة والمعارضة، وكأن حركة الثورة وصراعها في مواجهة تحديات التغيير وبناء النظام الجديد، صارت صراع سلطة.
الجميع لهم نصيب من الاتهام بالتقصير عن مواكبة الاحتياج الوطني والعجز عن امتلاك رؤية تفرز بين ما يجب للثورة أو ما هو انسياق خلف خيارات سياسية هي انحراف عن تحديات الثورة، ولكن المفاجأة كانت في ثلاث وقائع، تمثلت في بيان صادر عن مجلس الدفاع الوطني، وخطاب لمرسي أعلن فيه الطوارئ وحظر التجول بمنطقة القناة، ووثيقة نبذ العنف الصادرة عن الأزهر.
كان بيان مجلس الدفاع الوطني غريبا في مقدمته ومضمونه وصدوره من حيث اللغة والمضمون ينم عن تفكك وليس عن وحدة.
يبدأ البيان بفقرة، (يعرب المجلس عن بالغ "الأسى والأسف" لما وقع من ضحايا بين شهداء ومصابين ويتقدم بخالص "التعازي" لأسر الشهداء و"الدعوات" للمصابين بالشفاء)؛ أسى وأسف وتعازي ودعوات، ولم يعلن المجلس موقفه من تحقيق أو موقفه من أعمال عنف منظم سابق، وجار.
ويكمل (وفي إطار ما تشهده البلاد من أحداث عنف "تسيء" إلى وجه الثورة، و"تهدد" أمن مصر القومي، قام المجلس باستقراء دقيق وتحليل لكافة المشاهد السياسية والأمنية وإعلاءً لسيادة القانون بما يحفظ هيبة الدولة).
(يؤكد المجلس دعمه الكامل لجهود رجال الشرطة في ضبط الأمن).
(يؤكد المجلس أن القوات المسلحة المصرية ملك للشعب المصري العظيم. وتقف على مسافة واحدة من الجميع ولا تتدخل في العملية السياسية إلا أنها في الوقت نفسه تدرك واجبها الوطني وحقوق شعبها عليها في تأمين "منشآته الحيوية"، وتحرص على تحقيق الشعب لطموحاته وآماله ومبادئ ثورته العظيمة).
هذا بيان يفتح الباب على مصراعيه لتأويل حول العقيدة الحاكمة لمجلس الدفاع الوطني، هدفه منشآت وأجهزة ووعيد وحياد، وشعب مستهدف بكل الإجراءات.
ويرتكز مرسي على أحد نصوص البيان ذاته، (يحفظ المنشآت والأهداف الحيوية للدولة، بما في ذلك إمكانية حظر التجول أو إعلان حالة الطوارئ بالمناطق التي تشهد اضطرابات أو أحداث عنف تؤثر على أمن وسلامة البلاد(، ليعلن الطوارئ في مدن القناة وحظر التجول بعد مقتل 58 مواطنا، ويهدد مرسي أن لديه الأكثر من ذلك، وينال مرسي حظه من أهالي المدن القناة وتبدأ الحياة والمظاهرات من لحظة بدء حظر التجول، وتحول العداء إلى عداء لمرسي وجماعته.
ويعود شيخ الأزهر من منفاه الاختياري في بلدته حيث ذهب احتجاجا على موقف نشرته الصحف المصرية، أن الحكومة رفضت تعيين أسماء اقترحها واستبدلتها بأسماء من الإخوان، فغضب الرجل وغاب عن الاحتفال بالمولد النبوي، ولكنه يعود ليتبنى وثيقة تنبذ العنف، ولكنها لا تحدد أي عنف ترفضه، وما هي البيئة التي ولًّدت العنف، وما هي السياسات التي وضعت ظهر الشعب إلى الحائط بينما تفعل سلطة الإخوان ما تريد.
انضمت جبهة الإنقاذ التي اتخذت وصف "المعارضة" إلى الوثيقة، ولتنال حظها من رفض المتظاهرين وإدانتهم، وتنال الوقائع منهم ومن الوثيقة، وتظهر حقائق القتل والسحل والاختطاف والتعذيب، فيعلن "النابذون" للعنف انسحابهم من الوثيقة واستتابتهم عن النبذ، وكأن مصائر الشعوب عرضة لهذا التأرجح في المواقف.
ولا يفقد الشعب طريق الإبداع، وتعلن الإعلامية هالة فهمي، عن تشكيل مجلس شعبي لإدارة اتحاد الإذاعة والتلفزيون، هذا الإجراء ينقل الكلام إلى فعل وهو أكثر عمقا من النقابة المستقلة، لأنه يمس فكرة السيطرة والإدارة ويواجه سياسات التمكين.
الانتقال إلى مرحلة الإدارة هو بديل افتقاد الثورة لتنظيم يعبر عنها وقيادة لها.
تشكيل لجان الإدارة الشعبية للمحافظات والوزارات والهيئات والشركات والنقابات ودور الصحف القومية، هو تحويل المظاهرات إلى واقع في الدولة، وهو أيضا أداة عزل السلطة عن إدارة الدولة.
إن هذا الإجراء يلزم لنجاحه التفاف كل العاملين في أي جهة تؤسس لجنة إدارة شعبية لها من حول هدف انتزاع الإدارة. إنه العصيان المدني الإيجابي، وهو إيقاف لمسلسل الكلام كلام كلام، هو بداية التحول إلى فعل إيجابي. وتطبيق هذا الفعل يحتاج إلى رؤية صحيحة للخطوات التالية، أنها خطوة صحيحة على طريق استمرار الثورة.
فمن سرق الثورة فلن يوقفه إلا الحضور الشعبي الفاعل.
ولندرك أن الحضور الشعبي المنتج والذي يمثل زخم الاقتصاد الوطني وزخم الثورة تجري سرقته بواسطة لعبة التصويت، إن دور النقابات المستقلة في هذه الحالة يصبح ضروريا ومنتجا.
وهنا تبرز الحاجة إلى رؤية اقتصادية وإدارية، إنها خطوة جوهرية لتجاوز الانهيار لدى كل الكيانات السياسية وهي معيار عملي لفرز القيادات الطبيعية في مجتمع الإنتاج.
الأزمة في مصر لم تبلغ مداها بعد، ولم تنتج الحركة قياداتها الطبيعية، وليس من سبيل لاستعادة زخم الثورة سوى أن تكون فعلا يوميا وعلى كافة الأصعدة، والفعل هو معيار تحديد القدرة وبيئة إنتاج القيادة، وعندها يصبح للدم عائدة لصالح الثورة والوطن، وفي مواجهة اغتصاب الثورة والوطن.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
4677
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2616
| 08 سبتمبر 2026