رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حفلت الساحة المصرية بعد يناير 2011 بمسميات وشخوص وجماعات تبدو وكأن علاقتها مع مصر تتم عبر مجال افتراضي، أقدام غير ثابتة فوق الأرض، هائمة، ولكنها تطلق من الألفاظ ما يصعب على العقل تمريره.
تتبدل الألوان بسرعة تفوق سرعة الحرباء، ولا تستطيع أن تقطع باليقين اتهاما، لأن حياة الشعوب لا تصنع، ولا تدار الثورات، بتوزيع الاتهامات، ولكن الثورات فعل وعمل وإرادة، وقبل كل هذا وعي ورؤية وإدراك.
قال أبو تمام "السَّيْفُ أَصْدَقُ أنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ" فاصلا بالسيف بين "الجدِّ واللَّعبِ"، والفارق يبين بين الجد واللعب عندما تصبح حياة الإنسان والشعب والأوطان على محك الخيارات، قد يملك الإنسان لنفسه قبول المهانة مبررا ذلك بأي مبرر يستر به عجزه، ولكن الإنسان لا يملك أن يقبل مهانة شعب أو وطن بخيارات قاصرة، أو عجز عن الرؤية، أو هيام بالذات وأنها هي الحقيقة والوجود. كذلك الكيانات السياسية والحزبية وأي جماعة مهما علا شأنها، أو ذاع لها صيت أو امتلكت لنفسها قوة دون مجموع الشعب، شأنها شأن الأشخاص، فالأوطان ليست أحزابا ولا يجوز استبدال جماعة بوطن.
ما يدور في مصر الآن من تخبط واستحواذ وسحل وقتل، هو نتائج لكل الفترة الماضية، ولم تبلغ الأزمة ذروتها بعد، فمازالت القوى متباينة في القدرات، وتبلغ الأزمة ذروتها عندما يحدث توازن القوى، عند ذلك فقط يدرك الجميع أنه بقدر ما يستطيع الفعل بخصم أمامه، قد يكون رد الفعل أكبر من قدرته على الاستيعاب والتحمل، لحظة التوازن هذه هي لحظة الحوار.
الدم والقتل والسحل في مصر يؤكد أن السلطة الحالية أشد جرما من سلطة سبقتها، ولا يردعها رادع عن القتل وازدواجية المعايير. والركون إلى أن هذه السلطة جاءت عبر صناديق التصويت هو جريمة في حد ذاته، لأنه إهدار لإرادة التغيير لدي الشعب، وهي في الوقت ذاته دلالة على عجز ما يسمى بالنخبة أو الأحزاب والجبهات عن القراءة الصحيحة لما جرى في مصر وما يوجبه من مهام. فعندما تكون الصناديق طريقا لقتل شباب وطن، تصبح هذه الصناديق نعوشا، وليست تعبيرا عن إرادة.
لم ننس حسابات القوى المضادة للثورة مبكرا، وأنها تضم المجلس العسكري والإخوان والداخلية والسلفيين والطبقة المستفيدة من النظام السابق، وحينها كنا نرى أن مصر صارت ساحة للعبة الأمم وهو تعبير مجازي عن وجود وعمليات لأجهزة استخباراتية خارجية ومصالح تعبر عن نفسها فوق أرض مصر تملك المال والحصار الاقتصادي وتزكية الانقسام والتهديد للأمن القومي بل وجندت قوى تحت رايات إسلامية وأقامت لها معسكرات التجهيز والإعداد وسهلت لها الدخول لمصر، واختارت لها سيناء مرتعا لإقامة الإمارة الإسلامية.
عندما تم دعوة الناخبين لاختيار مجلس نيابي على قانون يفتح الباب على مصراعيه لكيانات هي امتداد طبيعي للنظام السابق، كان الرأي يومها، أن القوى المضادة للثورة تستحوذ على سلطة التشريع، ولكن الصرخات لم تجد من يسمعها، كما حال الجمعية التأسيسية للدستور وانتخابات الرئاسة واستفتاء الدستور.
كان ذلك كله حسابات القوى المضادة للثورة، وكان من الصعب حساب قوى الثورة، ومدى علاقاتها بالقوى الاجتماعية وكانت حركة الثورة واستمرارها كما العملية الانتحارية، وكان المقابل لها عنف مستمر سواء من الجيش أو الداخلية أو ميليشيات التنظيمات الإسلامية، وظهر تعبير "الطرف الثالث" في الاشتباكات، ولم يكشف عنه حتى الآن، وإن كان الرأي العام أجمع على أنهم ميليشيات الإخوان والتنظيمات الإسلامية التي سمحت لنفسها بممارسة العنف.
ولم تكتف سلطة الإخوان بما قدمه لها المجلس العسكري والإدارة الأمريكية سواء من خيارات إجرائية أو تمويل أمريكي ناقشة الكونجرس الأمريكي مؤخرا وهو تمويل يوازي المعونة الأمريكية لمصر، ولكنها سعت إلى السيطرة على الأزهر والأجهزة السيادية ووزارة الداخلية والإعلام والقضاء ومنصب النائب العام، وحاصرت سواء بالإعلانات الدستورية أو بالحصار البشري المحكمة الدستورية لتفرض بالعنف السياسي والسلطوي موازيا للعنف المسلح.
وتواجه الثورة أزمة التوصيفات، فبديلا عن قوى الثورة والقوى المعادية لها، جرى زرع توصيف السلطة والمعارضة، وكأن حركة الثورة وصراعها في مواجهة تحديات التغيير وبناء النظام الجديد، صارت صراع سلطة.
الجميع لهم نصيب من الاتهام بالتقصير عن مواكبة الاحتياج الوطني والعجز عن امتلاك رؤية تفرز بين ما يجب للثورة أو ما هو انسياق خلف خيارات سياسية هي انحراف عن تحديات الثورة، ولكن المفاجأة كانت في ثلاث وقائع، تمثلت في بيان صادر عن مجلس الدفاع الوطني، وخطاب لمرسي أعلن فيه الطوارئ وحظر التجول بمنطقة القناة، ووثيقة نبذ العنف الصادرة عن الأزهر.
كان بيان مجلس الدفاع الوطني غريبا في مقدمته ومضمونه وصدوره من حيث اللغة والمضمون ينم عن تفكك وليس عن وحدة.
يبدأ البيان بفقرة، (يعرب المجلس عن بالغ "الأسى والأسف" لما وقع من ضحايا بين شهداء ومصابين ويتقدم بخالص "التعازي" لأسر الشهداء و"الدعوات" للمصابين بالشفاء)؛ أسى وأسف وتعازي ودعوات، ولم يعلن المجلس موقفه من تحقيق أو موقفه من أعمال عنف منظم سابق، وجار.
ويكمل (وفي إطار ما تشهده البلاد من أحداث عنف "تسيء" إلى وجه الثورة، و"تهدد" أمن مصر القومي، قام المجلس باستقراء دقيق وتحليل لكافة المشاهد السياسية والأمنية وإعلاءً لسيادة القانون بما يحفظ هيبة الدولة).
(يؤكد المجلس دعمه الكامل لجهود رجال الشرطة في ضبط الأمن).
(يؤكد المجلس أن القوات المسلحة المصرية ملك للشعب المصري العظيم. وتقف على مسافة واحدة من الجميع ولا تتدخل في العملية السياسية إلا أنها في الوقت نفسه تدرك واجبها الوطني وحقوق شعبها عليها في تأمين "منشآته الحيوية"، وتحرص على تحقيق الشعب لطموحاته وآماله ومبادئ ثورته العظيمة).
هذا بيان يفتح الباب على مصراعيه لتأويل حول العقيدة الحاكمة لمجلس الدفاع الوطني، هدفه منشآت وأجهزة ووعيد وحياد، وشعب مستهدف بكل الإجراءات.
ويرتكز مرسي على أحد نصوص البيان ذاته، (يحفظ المنشآت والأهداف الحيوية للدولة، بما في ذلك إمكانية حظر التجول أو إعلان حالة الطوارئ بالمناطق التي تشهد اضطرابات أو أحداث عنف تؤثر على أمن وسلامة البلاد(، ليعلن الطوارئ في مدن القناة وحظر التجول بعد مقتل 58 مواطنا، ويهدد مرسي أن لديه الأكثر من ذلك، وينال مرسي حظه من أهالي المدن القناة وتبدأ الحياة والمظاهرات من لحظة بدء حظر التجول، وتحول العداء إلى عداء لمرسي وجماعته.
ويعود شيخ الأزهر من منفاه الاختياري في بلدته حيث ذهب احتجاجا على موقف نشرته الصحف المصرية، أن الحكومة رفضت تعيين أسماء اقترحها واستبدلتها بأسماء من الإخوان، فغضب الرجل وغاب عن الاحتفال بالمولد النبوي، ولكنه يعود ليتبنى وثيقة تنبذ العنف، ولكنها لا تحدد أي عنف ترفضه، وما هي البيئة التي ولًّدت العنف، وما هي السياسات التي وضعت ظهر الشعب إلى الحائط بينما تفعل سلطة الإخوان ما تريد.
انضمت جبهة الإنقاذ التي اتخذت وصف "المعارضة" إلى الوثيقة، ولتنال حظها من رفض المتظاهرين وإدانتهم، وتنال الوقائع منهم ومن الوثيقة، وتظهر حقائق القتل والسحل والاختطاف والتعذيب، فيعلن "النابذون" للعنف انسحابهم من الوثيقة واستتابتهم عن النبذ، وكأن مصائر الشعوب عرضة لهذا التأرجح في المواقف.
ولا يفقد الشعب طريق الإبداع، وتعلن الإعلامية هالة فهمي، عن تشكيل مجلس شعبي لإدارة اتحاد الإذاعة والتلفزيون، هذا الإجراء ينقل الكلام إلى فعل وهو أكثر عمقا من النقابة المستقلة، لأنه يمس فكرة السيطرة والإدارة ويواجه سياسات التمكين.
الانتقال إلى مرحلة الإدارة هو بديل افتقاد الثورة لتنظيم يعبر عنها وقيادة لها.
تشكيل لجان الإدارة الشعبية للمحافظات والوزارات والهيئات والشركات والنقابات ودور الصحف القومية، هو تحويل المظاهرات إلى واقع في الدولة، وهو أيضا أداة عزل السلطة عن إدارة الدولة.
إن هذا الإجراء يلزم لنجاحه التفاف كل العاملين في أي جهة تؤسس لجنة إدارة شعبية لها من حول هدف انتزاع الإدارة. إنه العصيان المدني الإيجابي، وهو إيقاف لمسلسل الكلام كلام كلام، هو بداية التحول إلى فعل إيجابي. وتطبيق هذا الفعل يحتاج إلى رؤية صحيحة للخطوات التالية، أنها خطوة صحيحة على طريق استمرار الثورة.
فمن سرق الثورة فلن يوقفه إلا الحضور الشعبي الفاعل.
ولندرك أن الحضور الشعبي المنتج والذي يمثل زخم الاقتصاد الوطني وزخم الثورة تجري سرقته بواسطة لعبة التصويت، إن دور النقابات المستقلة في هذه الحالة يصبح ضروريا ومنتجا.
وهنا تبرز الحاجة إلى رؤية اقتصادية وإدارية، إنها خطوة جوهرية لتجاوز الانهيار لدى كل الكيانات السياسية وهي معيار عملي لفرز القيادات الطبيعية في مجتمع الإنتاج.
الأزمة في مصر لم تبلغ مداها بعد، ولم تنتج الحركة قياداتها الطبيعية، وليس من سبيل لاستعادة زخم الثورة سوى أن تكون فعلا يوميا وعلى كافة الأصعدة، والفعل هو معيار تحديد القدرة وبيئة إنتاج القيادة، وعندها يصبح للدم عائدة لصالح الثورة والوطن، وفي مواجهة اغتصاب الثورة والوطن.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
892
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
652
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
564
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
13365
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3888
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3159
| 30 أكتوبر 2026