رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
■ أجمل ما يمكن أن يحققه سفير هو أن تنتهي مهمته ولا تنتهي علاقاته الإنسانية
■ العلاقات القطرية - التركية أصبحت أكثر مؤسسية ولها آليات واضحة للحوار والتنسيق
■ 6 سنوات في مهمتي الدبلوماسية شهدت زيارات رسمية ومواقف لا تنساها القلوب
■ الإنجاز الذي أعتز به هو ترسيخ الثقة المتبادلة بين تركيا وقطر
■ حين تدخل مجلساً قطرياً سرعان ما تتراجع الرسميات ويبدأ التعامل الإنساني المباشر
■ أغادر قطر وقد أصبحت جزءًا أعتز به من حياتي الشخصية لا من مسيرتي الدبلوماسية وحدها
■ أستأذن اليوم هذا المجلس الكبير قطر قيادةً وشعباً .. بإذنكم
تزدان المجالس القطرية بعادة عريقة، يعرفها كل من جَالَس أهل هذه الأرض الطيبة؛ فالضيف يدخل المجلس مرحبًا به، ولا تكون كلمة الاستئذان عند دخوله، وإنما عند انصرافه. يستقبله راعي المجلس بالبِشر قبل الكلام، ويُصبّ له الفنجان الأول بيده أو بيد أحد أهل الدار، وتفوح رائحة القهوة الممزوجة بالهيل قبل أن يبدأ الحديث.
وطوال الجلسة، لا يفكر الضيف في الرحيل؛ يستمع حينًا، ويتحدث حينًا آخر، ويشارك القوم أحاديثهم وضحكاتهم، وحتى لحظات صمتهم، إلى أن يشعر أنه من أهل المجلس لا من عابريه. فإذا استشعر أن الوقت قد حان، هزَّ الفنجان بين أصابعه إيذانًا باكتفائه، ثم التفت إلى راعي المجلس وقال: «بإذنكم».
هذا ما تعلمته من أهل قطر: أن الاستئذان ليس بداية انقطاع، بل ختام جلسة طيبة، وإشارة إلى أن الضيف لم يبرح المجلس إلا بعد أن اكتمل أُنسه فيه.
واليوم، بعد ست سنوات جلست فيها في مجلس قطر الكبير، بقيادته وشعبه، لا أجد طريقة أليق من طريقتكم لأختتم بها هذه المرحلة. أستأذن اليوم هذا المجلس الكبير، قطر قيادةً وشعبًا، بعد أن أنست فيه ست سنوات كاملة، لم أشعر خلالها بأنني ضيف عابر، بل صار لي فيه مكان مألوف، ووجوه أعرفها وتعرفني، وذكريات تتجاوز حدود العمل والبروتوكول.
وبصدق يليق بلحظة كهذه، يصعب عليَّ أن أختصر ست سنوات في كلمات قليلة.
حين وطئت قدماي أرض الدوحة للمرة الأولى، كنت أعرف أنني قادم سفيرًا لتركيا لدى دولة شقيقة وصديقة، لكنني لم أكن أعرف أنني سأغادرها وقد أصبحت قطر جزءًا من ذاكرتي ومن حياتي الشخصية، لا من مسيرتي الدبلوماسية وحدها.
لم تكن الدوحة طوال هذه السنوات مكانًا أؤدي فيه مهمتي فحسب، بل أصبحت بيتًا ثانيًا؛ دخلت مجالس أهلها، وشاركتهم أفراحهم وأحزانهم ومناسباتهم، ولمست عن قرب كرمهم ووفاءهم وصدق مشاعرهم. وأعتقد أن أجمل ما يمكن أن يحققه سفير هو أن تنتهي مهمته الرسمية في البلد المضيف، ولا تنتهي علاقاته الإنسانية.
وقبل أن أمضي في سرد محطات هذه السنوات، أستأذنكم في أن أتوجه أولًا بالشكر: شكرًا لأهل قطر على محبتهم وكرمهم وثقتهم. سأغادر بعد انتهاء مهمتي سفيرًا لتركيا، لكنني سأبقى صديقًا لقطر وشعبها.
* من العلاقة القوية إلى الشراكة الحقيقية
حين أستعيد هذه السنوات، أرى أن أهم ما ميّزها هو انتقال العلاقة بين قطر وتركيا من مستوى العلاقات القوية إلى شراكة حقيقية متعددة الأبعاد. لم تعد العلاقة محصورة في السياسة أو الاقتصاد، بل امتدت إلى الدفاع والأمن والاستثمار والتجارة والتعليم والثقافة والسياحة والإعلام، فضلًا عن العلاقات الإنسانية بين الشعبين.
والأهم أن هذه العلاقة أصبحت أكثر مؤسسية، ولها آليات واضحة للحوار والتنسيق، وفي مقدمتها اللجنة الإستراتيجية العليا، التي عقدت حتى اليوم إحدى عشرة دورة، ووُقّع في إطارها أكثر من 125 اتفاقية، من بينها 68 اتفاقية جرى توقيعها خلال فترة عملي.
لكن الإنجاز الذي أعتز به أكثر من أي رقم هو ترسيخ الثقة المتبادلة. فالاتفاقيات تُوقّع، والمشاريع تُنفّذ، لكن الثقة بين الدول والشعوب هي التي تمنح كل ذلك ديمومته، وتتيح البناء عليه في المستقبل.
ولم يكن هذا التقدم ليتحقق لولا ما لمسته من دعم واهتمام متواصلين من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله، ومن معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، وما وفَّراه من بيئة ساعدت التعاون بين بلدينا على التقدم والتوسع.
وكانت وزارة الخارجية القطرية شريكًا أساسيًا لنا، وقام تواصلنا معها على الاحترام والثقة. وأخص بالذكر والتقدير سعادة السفير إبراهيم فخرو، الذي كان قريبًا منا ومتعاونًا وحريصًا على تيسير العمل، وله مني خالص الشكر على مواقفه الأخوية التي أعتز بها.
كما أشكر كل مسؤول وموظف قطري تعاملت معه خلال هذه السنوات؛ فكثير من التفاصيل التي قد تبدو صغيرة في العمل اليومي، من كلمة طيبة إلى مساعدة في إنجاز أمر ما، تترك في نهاية المهمة أثرًا لا يُنسى.
* زياراتٌ رسمية ومواقف لا تنساها القلوب
شهدت فترة عملي زيارات رسمية رفيعة المستوى، من بينها الزيارات المتعددة التي قام بها فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى دولة قطر، وزيارات حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى الجمهورية التركية.
وكانت اللقاءات بين القائدين تعكس في كل مرة مستوى واضحًا من الثقة والصراحة والتفاهم، خصوصًا في الفترات التي شهدت فيها المنطقة تطورات صعبة وكانت الحاجة إلى التشاور والتنسيق أكبر.
ومع ذلك، فإن ما يبقى في الذاكرة إلى جانب الاجتماعات والاتفاقيات هو كثير من اللحظات الإنسانية والعفوية التي أحاطت بهذه اللقاءات، وأظهرت حجم التقارب الذي تشكل على مدى سنوات بين قيادتي البلدين ومؤسساتهما.
وقد بدأت مهمتي في الدوحة في ظرف عالمي بالغ الصعوبة مع جائحة كورونا، ولمست خلالها مستوى التعاون بين قطر وتركيا في وقت واجه فيه العالم كله ظروفًا استثنائية.
ثم جاءت استضافة قطر لكأس العالم 2022، وكانت من المحطات المهمة التي عشتها هنا. شاركت شركات تركية عديدة في تنفيذ مشاريع مرتبطة بالبطولة، وأسهمت تركيا بخبراتها في دعم جوانب أمنية وتنظيمية، وكنا سعداء بالنجاح الذي حققته قطر في استضافة هذا الحدث العالمي.
وحين وقع الزلزال المدمر في تركيا عام 2023، رأيت من قطر، قيادةً وشعبًا، تضامنًا ومساعدات تركت أثرًا عميقًا لدينا. وصلت فرق الإنقاذ والمساعدات والمستشفيات الميدانية، ووجدنا مشاعر تضامن صادقة من المجتمع القطري في واحدة من أصعب اللحظات التي مر بها شعبنا.
وظل التنسيق بين البلدين، سياسيًا وإنسانيًا، حاضرًا خلال أزمة غزة، انطلاقًا من الحرص على تخفيف معاناة الفلسطينيين، والدفع نحو وقف إطلاق النار والوصول إلى حل عادل ومستدام.
ومن المواقف المؤلمة التي أثرت فيَّ كذلك حادثة سقوط المروحية العسكرية القطرية، حيث كانت مشاعر الحزن والتضامن في تركيا صادقة وقريبة.
وحين فقدت قطر صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، شاركنا في تركيا أشقاءنا القطريين حزنهم. فهناك لحظات تذكِّرنا بأن العلاقات بين الدول، مهما اتسعت ملفاتها السياسية والإستراتيجية، تبقى لها أيضًا أبعاد إنسانية يصعب اختزالها في البيانات الرسمية.
* آفاقٌ رحبة: من متانة الدفاع إلى تجسير الثقافة والإنسان
خلال هذه السنوات، تطور التعاون الدفاعي بين قطر وتركيا من التدريب وتبادل الخبرات إلى تعاون مؤسسي ومشاريع مشتركة، وصولًا إلى الصناعات الدفاعية ونقل التكنولوجيا، على أساس بناء قدرات مشتركة وليس الاكتفاء بعلاقة بيع وشراء.
وشهد التعاون الاقتصادي بدوره نموًا ملحوظًا؛ إذ تعمل اليوم أكثر من ألف شركة تركية في قطر، ونحو 250 شركة قطرية في تركيا، إلى جانب اتفاقية التجارة في السلع والخدمات والاستثمار «TEPA» التي تفتح مجالًا أوسع للتعاون. وطموحنا هو رفع حجم التبادل التجاري إلى خمسة مليارات دولار، بالتوازي مع مواصلة تنمية الاستثمارات المتبادلة وفتح مجالات جديدة أمام القطاع الخاص.
وما أعتز به بقدر خاص هو ما تحقق في الثقافة والتعليم والسياحة، لأن الشعوب هي التي تمنح الاتفاقيات روحها واستمراريتها.
تعاونَّا مع جامعات ومؤسسات تعليمية قطرية، واستفاد أكثر من مائة طالب من برامج المنح خلال هذه السنوات. وأعتز شخصيًا بمشروع المدرسة التركية الجديدة في قطر، الذي بدأنا العمل عليه استجابة لحاجة أبناء الجالية التركية، وأراه استثمارًا في الأجيال القادمة، وليس مجرد مشروع تعليمي.
وما كان لهذا المشروع المهم أن يتقدم لولا الدعم الذي قدمته دولة قطر، وهو دعم نقدره لما يحمله من اهتمام بالتعليم وباحتياجات الجالية التركية المقيمة في البلاد.
كما أصبحت السياحة جسرًا متينًا بين الشعبين؛ فهناك حضور قطري متزايد ومستمر في مختلف المدن والمناطق التركية، وفي المقابل ازداد اهتمام الأتراك بزيارة قطر والتعرف إليها عن قرب.
وفي الملفات الإقليمية، أؤمن بأن قطر وتركيا تدركان أهمية إبقاء باب الحوار مفتوحًا عندما تضيق مساحات الحلول الأخرى. وقد تعاون البلدان في دعم جهود الوساطة والسلام في غزة وسوريا وأفغانستان وغيرها، انطلاقًا من مسؤولية تجاه شعبيهما واستقرار المنطقة.
* رسالة إلى أهل الدار
أما اليوم، وأنا أستعد للمغادرة، فأريد أن تكون كلمتي الأخيرة إلى أهل قطر.
عشت بينكم ست سنوات، ودخلت بيوتًا ومجالس كثيرة، وأول ما يحضرني حين أفكر في هذه السنوات هو الكرم؛ لا كرم الضيافة وحده، بل كرم المشاعر أيضًا.
حين تدخل مجلسًا قطريًا، سرعان ما تتراجع الرسميات، ويبدأ التعامل الإنساني المباشر. وكم من مجلس دخلته لا أعرف معظم من فيه، ثم خرجت منه وقد عرفت وجوهًا وأسماء وقصصًا، ونشأت علاقات استمرت بعد تلك الجلسة الأولى.
ولمست في كثير ممن عرفتهم من أهل قطر حرصًا على حفظ الود وتقدير المواقف والعلاقات، وهي قيمة وجدتها قريبة جدًا من قيم المجتمع التركي.
علمتني مجالسكم أن المجلس ليس مكانًا للجلوس فحسب، بل مساحة لفهم المجتمع وقيمه؛ فيه يتعلم الإنسان حسن الاستماع والاحترام والكرم، ويتعرف إلى الناس بعيدًا عن المكاتب والرسميات.
فشكرًا لكم على محبتكم وكرم ضيافتكم، وعلى كل ما جعل من هذه السنوات تجربة ستبقى حاضرة في ذاكرتي.
قد لا أتذكر بعد سنوات تفاصيل كل اجتماع أو ملف عملت عليه، لكنني لن أنسى الوجوه والبيوت والمجالس التي فتحت لي أبوابها.
وحين يسألني أحد: ماذا ستأخذ معك من قطر؟
سأقول: سأحمل معي ذكريات الناس. فأجمل ما منحته لي هذه السنوات ليس منصبًا ولا مكانًا، بل صداقات وعلاقات إنسانية تركت أثرًا في حياتي.
* إذنُ انصراف.. لا كلمة وداع
وهكذا أستأذنكم في الانصراف، لا في الوداع.
فالوداع يوحي بفراق تام، وأنا لا أشعر أن علاقتي بقطر ستنتهي بانتهاء مهمتي.
سأغادر الدوحة حاملًا معي ذكريات وصداقات ومواقف ستبقى عزيزة عليَّ. فهذه الرحلة لم تكن مهمة دبلوماسية فحسب، بل مرحلة من عمري أصبحت فيها قطر جزءًا من ذاكرتي ووجداني.
وأرجو أن أعود إليها دائمًا؛ لا بصفة رسمية بالضرورة، بل صديقًا يعود إلى مكان عرف فيه المحبة، وترك فيه أصدقاء سيبقون قريبين منه مهما باعدت المسافات.
لذلك، وكما تعلمت من مجالسكم، لا أقول وداعًا.
أرفع بصري إلى أهل الدار، وأقول ببساطة:
بإذنكم.
دمتم بخير، ودامت قطر وتركيا شقيقتين تجمعهما الصداقة والتعاون والوفاء.
- سفير الجمهورية التركية في قطر
ليلة لن تنساها الأمة التركية العظيمة
حين تستجمع الأمة التركية ذاكرتها الجماعية، ستظل ليلة 15 يوليو 2016 لها الصدارة في التاريخ المعاصر للجمهورية التركية،... اقرأ المزيد
948
| 15 يوليو 2023
عيد النصر التركي.. ذكرى الكفاح والبقاء
قبل قرن من الزمان وفي مثل هذه الأيام، كان الشعب التركي على موعد مع القدر لاسترداد حقه وأرضه،... اقرأ المزيد
2609
| 30 أغسطس 2022
ليلة لم ينم فيها العالم!
في ليلة 15 يوليو/تموز 2016 شعرتُ أن قلوب العالم الإسلامي بل والأحرار في كل مكان كانت معنا، لم... اقرأ المزيد
1123
| 09 يوليو 2022
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
15417
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3903
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3159
| 30 أكتوبر 2026