رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
■ أجمل ما يمكن أن يحققه سفير هو أن تنتهي مهمته ولا تنتهي علاقاته الإنسانية
■ العلاقات القطرية - التركية أصبحت أكثر مؤسسية ولها آليات واضحة للحوار والتنسيق
■ 6 سنوات في مهمتي الدبلوماسية شهدت زيارات رسمية ومواقف لا تنساها القلوب
■ الإنجاز الذي أعتز به هو ترسيخ الثقة المتبادلة بين تركيا وقطر
■ حين تدخل مجلساً قطرياً سرعان ما تتراجع الرسميات ويبدأ التعامل الإنساني المباشر
■ أغادر قطر وقد أصبحت جزءًا أعتز به من حياتي الشخصية لا من مسيرتي الدبلوماسية وحدها
■ أستأذن اليوم هذا المجلس الكبير قطر قيادةً وشعباً .. بإذنكم
تزدان المجالس القطرية بعادة عريقة، يعرفها كل من جَالَس أهل هذه الأرض الطيبة؛ فالضيف يدخل المجلس مرحبًا به، ولا تكون كلمة الاستئذان عند دخوله، وإنما عند انصرافه. يستقبله راعي المجلس بالبِشر قبل الكلام، ويُصبّ له الفنجان الأول بيده أو بيد أحد أهل الدار، وتفوح رائحة القهوة الممزوجة بالهيل قبل أن يبدأ الحديث.
وطوال الجلسة، لا يفكر الضيف في الرحيل؛ يستمع حينًا، ويتحدث حينًا آخر، ويشارك القوم أحاديثهم وضحكاتهم، وحتى لحظات صمتهم، إلى أن يشعر أنه من أهل المجلس لا من عابريه. فإذا استشعر أن الوقت قد حان، هزَّ الفنجان بين أصابعه إيذانًا باكتفائه، ثم التفت إلى راعي المجلس وقال: «بإذنكم».
هذا ما تعلمته من أهل قطر: أن الاستئذان ليس بداية انقطاع، بل ختام جلسة طيبة، وإشارة إلى أن الضيف لم يبرح المجلس إلا بعد أن اكتمل أُنسه فيه.
واليوم، بعد ست سنوات جلست فيها في مجلس قطر الكبير، بقيادته وشعبه، لا أجد طريقة أليق من طريقتكم لأختتم بها هذه المرحلة. أستأذن اليوم هذا المجلس الكبير، قطر قيادةً وشعبًا، بعد أن أنست فيه ست سنوات كاملة، لم أشعر خلالها بأنني ضيف عابر، بل صار لي فيه مكان مألوف، ووجوه أعرفها وتعرفني، وذكريات تتجاوز حدود العمل والبروتوكول.
وبصدق يليق بلحظة كهذه، يصعب عليَّ أن أختصر ست سنوات في كلمات قليلة.
حين وطئت قدماي أرض الدوحة للمرة الأولى، كنت أعرف أنني قادم سفيرًا لتركيا لدى دولة شقيقة وصديقة، لكنني لم أكن أعرف أنني سأغادرها وقد أصبحت قطر جزءًا من ذاكرتي ومن حياتي الشخصية، لا من مسيرتي الدبلوماسية وحدها.
لم تكن الدوحة طوال هذه السنوات مكانًا أؤدي فيه مهمتي فحسب، بل أصبحت بيتًا ثانيًا؛ دخلت مجالس أهلها، وشاركتهم أفراحهم وأحزانهم ومناسباتهم، ولمست عن قرب كرمهم ووفاءهم وصدق مشاعرهم. وأعتقد أن أجمل ما يمكن أن يحققه سفير هو أن تنتهي مهمته الرسمية في البلد المضيف، ولا تنتهي علاقاته الإنسانية.
وقبل أن أمضي في سرد محطات هذه السنوات، أستأذنكم في أن أتوجه أولًا بالشكر: شكرًا لأهل قطر على محبتهم وكرمهم وثقتهم. سأغادر بعد انتهاء مهمتي سفيرًا لتركيا، لكنني سأبقى صديقًا لقطر وشعبها.
* من العلاقة القوية إلى الشراكة الحقيقية
حين أستعيد هذه السنوات، أرى أن أهم ما ميّزها هو انتقال العلاقة بين قطر وتركيا من مستوى العلاقات القوية إلى شراكة حقيقية متعددة الأبعاد. لم تعد العلاقة محصورة في السياسة أو الاقتصاد، بل امتدت إلى الدفاع والأمن والاستثمار والتجارة والتعليم والثقافة والسياحة والإعلام، فضلًا عن العلاقات الإنسانية بين الشعبين.
والأهم أن هذه العلاقة أصبحت أكثر مؤسسية، ولها آليات واضحة للحوار والتنسيق، وفي مقدمتها اللجنة الإستراتيجية العليا، التي عقدت حتى اليوم إحدى عشرة دورة، ووُقّع في إطارها أكثر من 125 اتفاقية، من بينها 68 اتفاقية جرى توقيعها خلال فترة عملي.
لكن الإنجاز الذي أعتز به أكثر من أي رقم هو ترسيخ الثقة المتبادلة. فالاتفاقيات تُوقّع، والمشاريع تُنفّذ، لكن الثقة بين الدول والشعوب هي التي تمنح كل ذلك ديمومته، وتتيح البناء عليه في المستقبل.
ولم يكن هذا التقدم ليتحقق لولا ما لمسته من دعم واهتمام متواصلين من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله، ومن معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، وما وفَّراه من بيئة ساعدت التعاون بين بلدينا على التقدم والتوسع.
وكانت وزارة الخارجية القطرية شريكًا أساسيًا لنا، وقام تواصلنا معها على الاحترام والثقة. وأخص بالذكر والتقدير سعادة السفير إبراهيم فخرو، الذي كان قريبًا منا ومتعاونًا وحريصًا على تيسير العمل، وله مني خالص الشكر على مواقفه الأخوية التي أعتز بها.
كما أشكر كل مسؤول وموظف قطري تعاملت معه خلال هذه السنوات؛ فكثير من التفاصيل التي قد تبدو صغيرة في العمل اليومي، من كلمة طيبة إلى مساعدة في إنجاز أمر ما، تترك في نهاية المهمة أثرًا لا يُنسى.
* زياراتٌ رسمية ومواقف لا تنساها القلوب
شهدت فترة عملي زيارات رسمية رفيعة المستوى، من بينها الزيارات المتعددة التي قام بها فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى دولة قطر، وزيارات حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى الجمهورية التركية.
وكانت اللقاءات بين القائدين تعكس في كل مرة مستوى واضحًا من الثقة والصراحة والتفاهم، خصوصًا في الفترات التي شهدت فيها المنطقة تطورات صعبة وكانت الحاجة إلى التشاور والتنسيق أكبر.
ومع ذلك، فإن ما يبقى في الذاكرة إلى جانب الاجتماعات والاتفاقيات هو كثير من اللحظات الإنسانية والعفوية التي أحاطت بهذه اللقاءات، وأظهرت حجم التقارب الذي تشكل على مدى سنوات بين قيادتي البلدين ومؤسساتهما.
وقد بدأت مهمتي في الدوحة في ظرف عالمي بالغ الصعوبة مع جائحة كورونا، ولمست خلالها مستوى التعاون بين قطر وتركيا في وقت واجه فيه العالم كله ظروفًا استثنائية.
ثم جاءت استضافة قطر لكأس العالم 2022، وكانت من المحطات المهمة التي عشتها هنا. شاركت شركات تركية عديدة في تنفيذ مشاريع مرتبطة بالبطولة، وأسهمت تركيا بخبراتها في دعم جوانب أمنية وتنظيمية، وكنا سعداء بالنجاح الذي حققته قطر في استضافة هذا الحدث العالمي.
وحين وقع الزلزال المدمر في تركيا عام 2023، رأيت من قطر، قيادةً وشعبًا، تضامنًا ومساعدات تركت أثرًا عميقًا لدينا. وصلت فرق الإنقاذ والمساعدات والمستشفيات الميدانية، ووجدنا مشاعر تضامن صادقة من المجتمع القطري في واحدة من أصعب اللحظات التي مر بها شعبنا.
وظل التنسيق بين البلدين، سياسيًا وإنسانيًا، حاضرًا خلال أزمة غزة، انطلاقًا من الحرص على تخفيف معاناة الفلسطينيين، والدفع نحو وقف إطلاق النار والوصول إلى حل عادل ومستدام.
ومن المواقف المؤلمة التي أثرت فيَّ كذلك حادثة سقوط المروحية العسكرية القطرية، حيث كانت مشاعر الحزن والتضامن في تركيا صادقة وقريبة.
وحين فقدت قطر صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، شاركنا في تركيا أشقاءنا القطريين حزنهم. فهناك لحظات تذكِّرنا بأن العلاقات بين الدول، مهما اتسعت ملفاتها السياسية والإستراتيجية، تبقى لها أيضًا أبعاد إنسانية يصعب اختزالها في البيانات الرسمية.
* آفاقٌ رحبة: من متانة الدفاع إلى تجسير الثقافة والإنسان
خلال هذه السنوات، تطور التعاون الدفاعي بين قطر وتركيا من التدريب وتبادل الخبرات إلى تعاون مؤسسي ومشاريع مشتركة، وصولًا إلى الصناعات الدفاعية ونقل التكنولوجيا، على أساس بناء قدرات مشتركة وليس الاكتفاء بعلاقة بيع وشراء.
وشهد التعاون الاقتصادي بدوره نموًا ملحوظًا؛ إذ تعمل اليوم أكثر من ألف شركة تركية في قطر، ونحو 250 شركة قطرية في تركيا، إلى جانب اتفاقية التجارة في السلع والخدمات والاستثمار «TEPA» التي تفتح مجالًا أوسع للتعاون. وطموحنا هو رفع حجم التبادل التجاري إلى خمسة مليارات دولار، بالتوازي مع مواصلة تنمية الاستثمارات المتبادلة وفتح مجالات جديدة أمام القطاع الخاص.
وما أعتز به بقدر خاص هو ما تحقق في الثقافة والتعليم والسياحة، لأن الشعوب هي التي تمنح الاتفاقيات روحها واستمراريتها.
تعاونَّا مع جامعات ومؤسسات تعليمية قطرية، واستفاد أكثر من مائة طالب من برامج المنح خلال هذه السنوات. وأعتز شخصيًا بمشروع المدرسة التركية الجديدة في قطر، الذي بدأنا العمل عليه استجابة لحاجة أبناء الجالية التركية، وأراه استثمارًا في الأجيال القادمة، وليس مجرد مشروع تعليمي.
وما كان لهذا المشروع المهم أن يتقدم لولا الدعم الذي قدمته دولة قطر، وهو دعم نقدره لما يحمله من اهتمام بالتعليم وباحتياجات الجالية التركية المقيمة في البلاد.
كما أصبحت السياحة جسرًا متينًا بين الشعبين؛ فهناك حضور قطري متزايد ومستمر في مختلف المدن والمناطق التركية، وفي المقابل ازداد اهتمام الأتراك بزيارة قطر والتعرف إليها عن قرب.
وفي الملفات الإقليمية، أؤمن بأن قطر وتركيا تدركان أهمية إبقاء باب الحوار مفتوحًا عندما تضيق مساحات الحلول الأخرى. وقد تعاون البلدان في دعم جهود الوساطة والسلام في غزة وسوريا وأفغانستان وغيرها، انطلاقًا من مسؤولية تجاه شعبيهما واستقرار المنطقة.
* رسالة إلى أهل الدار
أما اليوم، وأنا أستعد للمغادرة، فأريد أن تكون كلمتي الأخيرة إلى أهل قطر.
عشت بينكم ست سنوات، ودخلت بيوتًا ومجالس كثيرة، وأول ما يحضرني حين أفكر في هذه السنوات هو الكرم؛ لا كرم الضيافة وحده، بل كرم المشاعر أيضًا.
حين تدخل مجلسًا قطريًا، سرعان ما تتراجع الرسميات، ويبدأ التعامل الإنساني المباشر. وكم من مجلس دخلته لا أعرف معظم من فيه، ثم خرجت منه وقد عرفت وجوهًا وأسماء وقصصًا، ونشأت علاقات استمرت بعد تلك الجلسة الأولى.
ولمست في كثير ممن عرفتهم من أهل قطر حرصًا على حفظ الود وتقدير المواقف والعلاقات، وهي قيمة وجدتها قريبة جدًا من قيم المجتمع التركي.
علمتني مجالسكم أن المجلس ليس مكانًا للجلوس فحسب، بل مساحة لفهم المجتمع وقيمه؛ فيه يتعلم الإنسان حسن الاستماع والاحترام والكرم، ويتعرف إلى الناس بعيدًا عن المكاتب والرسميات.
فشكرًا لكم على محبتكم وكرم ضيافتكم، وعلى كل ما جعل من هذه السنوات تجربة ستبقى حاضرة في ذاكرتي.
قد لا أتذكر بعد سنوات تفاصيل كل اجتماع أو ملف عملت عليه، لكنني لن أنسى الوجوه والبيوت والمجالس التي فتحت لي أبوابها.
وحين يسألني أحد: ماذا ستأخذ معك من قطر؟
سأقول: سأحمل معي ذكريات الناس. فأجمل ما منحته لي هذه السنوات ليس منصبًا ولا مكانًا، بل صداقات وعلاقات إنسانية تركت أثرًا في حياتي.
* إذنُ انصراف.. لا كلمة وداع
وهكذا أستأذنكم في الانصراف، لا في الوداع.
فالوداع يوحي بفراق تام، وأنا لا أشعر أن علاقتي بقطر ستنتهي بانتهاء مهمتي.
سأغادر الدوحة حاملًا معي ذكريات وصداقات ومواقف ستبقى عزيزة عليَّ. فهذه الرحلة لم تكن مهمة دبلوماسية فحسب، بل مرحلة من عمري أصبحت فيها قطر جزءًا من ذاكرتي ووجداني.
وأرجو أن أعود إليها دائمًا؛ لا بصفة رسمية بالضرورة، بل صديقًا يعود إلى مكان عرف فيه المحبة، وترك فيه أصدقاء سيبقون قريبين منه مهما باعدت المسافات.
لذلك، وكما تعلمت من مجالسكم، لا أقول وداعًا.
أرفع بصري إلى أهل الدار، وأقول ببساطة:
بإذنكم.
دمتم بخير، ودامت قطر وتركيا شقيقتين تجمعهما الصداقة والتعاون والوفاء.
- سفير الجمهورية التركية في قطر
ليلة لن تنساها الأمة التركية العظيمة
حين تستجمع الأمة التركية ذاكرتها الجماعية، ستظل ليلة 15 يوليو 2016 لها الصدارة في التاريخ المعاصر للجمهورية التركية،... اقرأ المزيد
909
| 15 يوليو 2023
عيد النصر التركي.. ذكرى الكفاح والبقاء
قبل قرن من الزمان وفي مثل هذه الأيام، كان الشعب التركي على موعد مع القدر لاسترداد حقه وأرضه،... اقرأ المزيد
2555
| 30 أغسطس 2022
ليلة لم ينم فيها العالم!
في ليلة 15 يوليو/تموز 2016 شعرتُ أن قلوب العالم الإسلامي بل والأحرار في كل مكان كانت معنا، لم... اقرأ المزيد
1081
| 09 يوليو 2022
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43455
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7104
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5376
| 13 سبتمبر 2026