رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هنادي فرج السويدي

مساحة إعلانية

مقالات

24

هنادي فرج السويدي

رقبتي سدّادة

17 سبتمبر 2026 , 12:15ص

يُحكى أن رجلًا عُرف بين أهله وأصدقائه بأنه «ما يقصّر».

واحد يحتاج مبلغًا؟ حاضر.

الثاني تعطلت معاملته؟ أبشر.

الثالث تورط في مشكلة؟ ولا يهمك.

وكلما جاءه أحد قال عبارته الشهيرة:

«خلاص… رقبتي سدّادة.»

ومرت الأيام، وكثرت الرقاب التي استراحت… إلا رقبته هو!

حتى جاءه أحدهم يومًا يشكو له مشكلة جديدة، فسأله الرجل:

«وش سويت عشان تحلها؟»

قال بكل براءة:

«ولا شيء… قلت أنت موجود!» 

هنا فقط اكتشف صاحبنا أن «رقبتي سدّادة» لم تعد عند البعض فزعة وقت الحاجة، بل أصبحت خطة طوارئ معتمدة!

والحقيقة أن العبارة جميلة.

في ثقافتنا العربية والخليجية، تحمل «رقبتي سدّادة» معاني الكرم والنخوة وتحمل المسؤولية. حين يقولها الإنسان، فكأنه يقول: أنا لها، اعتبر الموضوع منتهيًا.

وهذه من أجمل الصفات التي عُرف بها مجتمعنا.

لكن المشكلة ليست في الكرم، بل في اللحظة التي يتحول فيها الكرم من اختيار إلى واجب دائم.

والأمر لا يحدث في حياتنا الاجتماعية فقط، بل حتى في العمل.

يتأخر موظف؟ أعطوا المهمة للمجتهد.

يغيب آخر؟ المجتهد يغطي مكانه.

ظهر مشروع عاجل؟ اتصلوا بالمجتهد.

وقعت مشكلة قبل نهاية الدوام بخمس دقائق؟

الجميع يعرف صاحب الرقم الذي يجب الاتصال به!

وبعد فترة تحدث مفارقة عجيبة: يصبح أكثر الناس كفاءة أكثرهم حملًا لأعباء الآخرين، وكأن مكافأة الإنسان على إتقانه لعمله هي… المزيد من العمل!

والصورة نفسها تتكرر في الأسرة.

هناك دائمًا شخص «ما يقصّر».

يدفع، ويتابع، ويحل، ويتدخل، ويساعد.

وكلما سمع عبارة:

«ما لنا غيرك.»

شعر بالفخر والمسؤولية.

لكن «ما لنا غيرك» إذا تكررت كثيرًا، قد تتحول من كلمة تقدير إلى نظام حياة.

وهنا علينا أن نسأل:

هل الكرم أن أعطي دائمًا، أم أن أعرف أيضًا متى يجب ألا أعطي؟

فالشهامة لا تعني أن أتحمل نتائج قرارات الآخرين إلى ما لا نهاية، والمساعدة لا تعني أن أحرم إنسانًا آخر من تعلم تحمل مسؤوليته.

أحيانًا تكون كلمة «لا» أكثر فائدة من «رقبتي سدّادة».

وحتى المؤسسات القوية لا ينبغي أن تعتمد على شخص واحد يقول دائمًا: «أنا لها».

لأن السؤال البسيط هو: ماذا يحدث لو غاب هذا الشخص؟

إذا تعطلت الأمور بغيابه، فالمشكلة ليست في غيابه، بل في منظومة اعتادت أن تجعل رقبته سدّادتها.

لذلك نعم…

رقبتي سدّادة في الفزعة.

في الواجب.

في مساندة من وقع في ظرف حقيقي.

وفي موقف يحتاج إلى شهامة لا إلى حسابات.

لكنها ليست سدّادة لكل تقصير، ولا لكل مسؤولية هرب منها صاحبها، ولا لكل شخص اعتاد أن يأخذ لأن هناك من اعتاد أن يعطي.

فالكرم جميل عندما يخرج من إرادة الكريم، لا عندما يتحول إلى حق مكتسب للآخرين.

فافزع، وساعد، وقل «أنا لها» عندما يستحق الموقف.

لكن لا تنسَ أن لرقبتك حقًا عليك أيضًا.

لأنك إذا جعلت رقبتك سدّادة لكل شيء… قد يأتي يوم تبحث فيه عمّن يسندها، فتكتشف أن الجميع مشغول بمشاكله التي اعتاد أن تحلها أنت.

مساحة إعلانية