رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هنادي فرج السويدي

مساحة إعلانية

مقالات

42

هنادي فرج السويدي

ليس كل منشغل.. منتجًا!

27 أغسطس 2026 , 10:34م

في كثير من بيئات العمل، أصبح الانشغال يُنظر إليه باعتباره دليلًا على الاجتهاد، حتى بات الموظف الذي يمضي يومه بين الاجتماعات والرسائل والمكالمات يبدو أكثر إنتاجية من غيره. لكن الواقع يطرح سؤالًا مهمًا: هل كثرة الانشغال تعني بالضرورة تحقيق نتائج أفضل؟

الإنتاجية الحقيقية لا تُقاس بعدد ساعات العمل، ولا بعدد المهام المنجزة، وإنما بقيمة الأثر الذي يحققه العمل. فقد يقضي شخص عشر ساعات في أداء أعمال متفرقة، بينما ينجز آخر خلال ساعات أقل نتائج أكثر تأثيرًا على المؤسسة.

ومع تسارع بيئة الأعمال، أصبحت المؤسسات تواجه تحديًا متزايدًا يتمثل في التفريق بين “النشاط” و”الإنجاز”. فالرد المستمر على البريد الإلكتروني، وحضور الاجتماعات المتكررة، والانشغال الدائم بالتفاصيل قد يخلق انطباعًا بالحركة، لكنه لا يعني بالضرورة تحقيق تقدم حقيقي نحو الأهداف.

ولعل أحد أكبر التحديات الإدارية اليوم هو ما يمكن تسميته بـ”وهم الإنتاجية”، حين ينشغل الموظف بمهام عاجلة لكنها محدودة القيمة، بينما تتراجع الأولويات الاستراتيجية التي تصنع الفارق على المدى البعيد. وفي المقابل، فإن الموظف المنتج هو من يعرف كيف يرتب أولوياته، ويوجه وقته نحو الأعمال التي تحقق نتائج ملموسة.

ولا يقتصر الأمر على الأفراد، بل يمتد إلى المؤسسات أيضًا. فالمؤسسة الناجحة ليست تلك التي تكثر فيها الاجتماعات أو التقارير، وإنما التي تمتلك أهدافًا واضحة، ومؤشرات أداء دقيقة، وبيئة عمل تمكّن موظفيها من التركيز والإبداع واتخاذ القرار في الوقت المناسب.

كما أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي أعادا تعريف مفهوم الإنتاجية. فالتقنيات الحديثة قادرة على تنفيذ كثير من المهام الروتينية بسرعة وكفاءة، مما يمنح الإنسان فرصة للتركيز على التفكير، والتحليل، والابتكار، وهي الجوانب التي تضيف قيمة حقيقية للعمل.

ومن هنا، فإن بناء ثقافة إنتاجية لا يبدأ بزيادة ساعات الدوام، بل بإعادة النظر في طريقة إدارة الوقت، وتحديد الأولويات، وتمكين الموظفين، وقياس الأداء بناءً على النتائج لا على الحضور والانشغال.

وفي عالم يتغير بسرعة، ستنجح المؤسسات التي تدرك أن القيمة لا تكمن في كثرة الحركة، بل في جودة الإنجاز. وسيتميز الموظف الذي يسأل نفسه في نهاية يومه: ماذا أنجزت فعلًا؟ لا كم ساعة قضيتها في العمل؟ وهل نقيس الأداء بالوقت أم بالأثر؟

فالفرق بين الانشغال والإنتاجية هو الفرق بين من يملأ يومه بالمهام، ومن يملأ مؤسسته بالنتائج.

مساحة إعلانية