رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هنادي فرج السويدي

مساحة إعلانية

مقالات

258

هنادي فرج السويدي

مجالس الإدارة في عصر التحول.. من الرقابة إلى صناعة المستقبل

03 أغسطس 2026 , 11:36م

في عالم تتسارع فيه المتغيرات الاقتصادية والتقنية بوتيرة غير مسبوقة، لم تعد مجالس الإدارة مجرد جهة تعتمد القرارات أو تراجع التقارير الدورية، بل أصبحت المحرك الاستراتيجي الذي يحدد قدرة المؤسسات على الاستمرار، والتكيف، وصناعة القيمة على المدى الطويل.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر الموارد، وإنما تلك التي تتمتع بمجالس إدارة قادرة على استشراف المستقبل، وإدارة المخاطر، واتخاذ قرارات مبنية على المعرفة والبيانات والحوكمة الرشيدة.

واليوم، ومع تسارع التحول الرقمي، وتنامي تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وارتفاع توقعات المستثمرين وأصحاب المصلحة، أصبحت مسؤولية مجلس الإدارة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. فلم يعد التركيز مقتصرًا على النتائج المالية، بل امتد ليشمل الاستدامة، والابتكار، والأمن السيبراني، وإدارة المخاطر، ورأس المال البشري، والمسؤولية المجتمعية.

إن المجلس الفعّال هو الذي يوازن بين الرقابة والإدارة دون أن يتدخل في التنفيذ، ويطرح الأسئلة الصحيحة قبل البحث عن الإجابات، ويصنع ثقافة مؤسسية قائمة على الشفافية والمساءلة وتحقيق القيمة المستدامة.

كما أن التنوع داخل مجالس الإدارة لم يعد مطلبًا شكليًا، بل أصبح أحد أهم عناصر جودة القرار. فتنوع الخبرات والتخصصات والخلفيات المهنية يثري النقاش، ويقلل من مخاطر التفكير الجماعي، ويعزز جودة القرارات الاستراتيجية.

ومن القضايا التي تستحق اهتمامًا أكبر، بناء ثقافة تقييم أداء مجالس الإدارة بصورة دورية. ففي كثير من المؤسسات يتم تقييم أداء الإدارات التنفيذية بينما يغيب التقييم المنهجي للمجلس نفسه، رغم أن جودة قراراته تنعكس مباشرة على أداء المؤسسة واستدامتها.

ومن المهم أيضًا أن تنظر المجالس إلى إدارة المخاطر باعتبارها فرصة لتعزيز المرونة المؤسسية، وليس مجرد وسيلة لتجنب الأزمات. فالمؤسسات الرائدة هي التي تمتلك القدرة على تحويل التحديات إلى فرص للنمو والابتكار.

وفي منطقتنا، ومع تسارع الخطط التنموية، أصبحت الحوكمة أحد أهم المرتكزات التي تقوم عليها المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية والقطاع الخاص. ويؤكد ذلك أن بناء مجالس إدارة تمتلك الكفاءة والخبرة والرؤية المستقبلية لم يعد خيارًا، بل ضرورة لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز التنافسية.

إن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ من رأس المال، وإنما يبدأ من جودة القرار. وجودة القرار تبدأ من مجلس إدارة يمتلك رؤية واضحة، ويؤمن بأن الحوكمة ليست مجموعة من اللوائح، بل ثقافة مؤسسية تُمارس يوميًا، وتنعكس في كل قرار يصنع مستقبل المؤسسة.

وفي النهاية، فإن نجاح أي مؤسسة لا يقاس فقط بما حققته اليوم، بل بقدرتها على الاستمرار غدًا. وهنا يأتي الدور الحقيقي لمجالس الإدارة؛ ليس في إدارة الحاضر فحسب، وإنما في صناعة المستقبل.

فالقيادة الاستراتيجية ليست منصبًا، بل مسؤولية، والحوكمة ليست إجراءً تنظيميًا، بل أساسٌ تُبنى عليه الثقة، وتتحقق من خلاله الاستدامة، وتُصنع به المؤسسات القادرة على المنافسة محليًا وعالميًا.

مساحة إعلانية