رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- عشر سنوات على محاولة الانقلاب الفاشلة.. تعزيز المناعة الوطنية وبناء الشراكات
- الموقف القطري الصادق نقطة انطلاق لتحالف تمت مأسسته عبر 120 اتفاقية
- 15 يوليو ليلة أُريد لها أن تكون نهاية للتجربة الديمقراطية فوُلدت تركيا الجديدة
- ذكرى المحاولة الانقلابية التزام متجدد بصناعة المستقبل أكثر من مجرد إحياء لبطولات الماضي
- القوات المسلحة والقضاء والأجهزة التركية استعادت بوصلتها الوطنية الخالصة
- مرحلة «تركيا خالية من الإرهاب» عنوان لرؤية الدولة الإستراتيجية في قرنها الجديد
- تطور الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني أجزاء لا تتجزأ من أمن تركيا القومي
- مأساة غزة كارثة إنسانية وإخفاق فاضح للنظام الدولي في لجم الانتهاكات
في البدء أترحم على صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، والذي انتقل إلى الدار الآخرة في الأيام الماضية، وأسأل الله تعالى أن يسكنه فسيح جناته وأن يجعل مثواه الجنة.
تحل علينا الذكرى العاشرة لمحاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها الجمهورية التركية في الخامس عشر من تموز/يوليو 2016، لتشكل محطة تأمّل إستراتيجية تتجاوز في دلالاتها مجرد استحضار حدث تاريخي فاصل، لتكون منصة عميقة لقراءة التحولات الهيكلية الكبرى التي غيرت وجه الدولة على مدار العقد الماضي. إن مرور عشر سنوات يمنحنا منظوراً سياسياً ودبلوماسياً لتقييم مسارنا؛ فمن رحم تلك الليلة التي أُريد لها أن تكون نهاية للتجربة الديمقراطية، وُلدت «تركيا الجديدة» التي تقف اليوم في «مئويتها الثانية» كقوة إقليمية ودولية تمتلك قرارها السيادي وتصوغ رؤيتها للمستقبل بكل ثقة.
إن السياق العام لأحداث 15 يوليو- تموز يمثل نقطة انعطاف في مفهوم الإرادة الوطنية وصناعة القرار. ففي ذلك المساء، سعت شبكة تنظيم «FETÖ» الإرهابية السرية، التي تغلغلت في مفاصل الدولة لعقود كالخلايا النائمة، إلى اختطاف مؤسساتنا الدستورية وفرض وصاية بقوة السلاح. إلا أن التلاحم التاريخي والفريد بين الشعب التركي وقيادته، ونزول الملايين إلى الشوارع والميادين بصدور عارية تلبية لنداء فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان، لم يُسقط الانقلاب العسكري فحسب، بل أسقط معه وإلى الأبد حقبة الوصاية الخارجية والتدخلات غير الشرعية. لقد قدم شعبنا في تلك الليلة أكثر من 250 شهيداً وآلاف الجرحى، ليوقع بدمائه عقداً اجتماعياً جديداً يكرس سيادة الأمة فوق كل اعتبار.
لقد أدركنا منذ الساعات الأولى لإحباط تلك المؤامرة الغادرة، أن التحدي لا يقتصر على التصدي الميداني، بل يتطلب إعادة بناء وتحصين شامل لمؤسسات الدولة. وعلى مدار السنوات العشر الماضية، خاضت تركيا عملية تطهير مؤسسي دقيقة، استعادت من خلالها القوات المسلحة والقضاء والأجهزة الأمنية والتعليمية بوصلتها الوطنية الخالصة. هذا التحول العميق منح الدولة مناعة غير مسبوقة، وجعل قرارها الأمني والسياسي مستقلاً، ليكون الشعب هو المرجعية الأولى والأخيرة، ولتتحول تركيا من دولة تستجيب للأزمات إلى دولة تصنع استقرارها الذاتي.
هذه الاستقلالية المؤسسية والسياسية هي التي مهدت الطريق لبلورة العقيدة الاستراتيجية لـ «تركيا الجديدة». لقد أكد فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان أن مرحلة «تركيا خالية من الإرهاب» لم تعد تقتصر على كونها مجرد سياسة أمنية وعسكرية، بل أصبحت عنواناً عريضاً لـ «رؤية الدولة الاستراتيجية في قرنها الجديد». إن هذه الرؤية تهدف إلى تحصين الجبهة الداخلية بشكل نهائي، وفتح أبواب التقدم والازدهار أمام أمتنا، معتمدة في ذلك على استراتيجية استباقية تجفف منابع التهديد أينما كانت، عبر عمليات عابرة للحدود حطمت المخططات التي كانت تُحاك ضد أمننا القومي.
لقد أثبتت تجربة العقد الماضي أن السيادة الوطنية في عالم اليوم ترتبط ارتباطاً عضوياً بالاستقلال التكنولوجي والاكتفاء الذاتي. وفي هذا الإطار، لا تنظر تركيا إلى تطور صناعاتها الدفاعية، وتكنولوجيا الأمن السيبراني، وأبحاث الذكاء الاصطناعي، وتأمين بنيتها التحتية للبيانات على أنها مجرد أدوات تقنية، بل هي أجزاء لا تتجزأ من أمنها القومي وحماية قرارها السيادي. إن الإنجازات المتتالية، من الطائرات المسيرة الرائدة عالمياً إلى المقاتلة الوطنية «قآن» (KAAN)، ومنظومات الدفاع الجوي المتقدمة، وحاملات الطائرات، تؤكد أن تركيا لم تعد بلداً يقبل بالأدوار المرسومة له من قوى الهيمنة، بل أصبحت «صانعة قرار» مستقلة، قادرة على بناء منظومتها الأمنية والتحرك كقوة فاعلة تمتد آفاقها الاستراتيجية من الخليج إلى شمال أفريقيا وشرق المتوسط.
وتكتسب هذه المناعة الداخلية، وتلك الرؤية الاستراتيجية لـ «تركيا الجديدة»، أهميتها القصوى عندما نمعن النظر في التطورات الإقليمية العاصفة والمشهد الدولي المحيط بنا. إن منطقة الشرق الأوسط تمر اليوم بواحدة من أخطر وأعقد مراحلها التاريخية؛ حيث نشهد تصدعاً جيوسياسياً هائلاً ينذر بعواقب وخيمة. فمن جهة، تستمر الحرب المأساوية والمدمرة التي تُشن على قطاع غزة، متسببة في كارثة إنسانية تدمي الضمير العالمي، وسط صمت مطبق وإخفاق فاضح للنظام الدولي في لجم الانتهاكات وفرض قواعد القانون الدولي الإنساني، وهو ما يؤكد المقولة المأثورة لفخامة الرئيس أردوغان: «العالم أكبر من خمسة».
وإلى جانب هذا الجرح الفلسطيني النازف، يقف الإقليم على شفا الانزلاق نحو صراع إقليمي شامل ومفتوح على كل الاحتمالات، مع تصاعد التوترات والمواجهات العسكرية المباشرة وغير المسبوقة التي انخرطت فيها قوى إقليمية ودولية كبرى. إن هذا التصعيد والمواجهات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يضع المنطقة بأسرها فوق فوهة بركان. إن هذه الصراعات المتقاطعة، وما يرافقها من استعراض للقوة وضربات عسكرية متبادلة، تهدد بإعادة رسم الخرائط الأمنية وتدمير مقدرات شعوب المنطقة وتجارتها ومستقبل أجيالها.
في خضم هذه الأمواج العاتية والرمال المتحركة، تبرز قيمة القرار التركي المستقل والمستند إلى إرادة شعبه. إن تركيا، ومن موقعها كقوة استقرار إقليمية، ترفض الانجرار خلف الاستقطابات المدمرة وصراعات المحاور التي لا تخدم سوى أعداء الأمة. وبدلاً من ذلك، تتمسك أنقرة بدبلوماسية فاعلة ونشطة تسعى لنزع فتيل الأزمات، وتدعو لضبط النفس، وتعمل بالتعاون مع شركائها الموثوقين على إيجاد حلول سياسية عادلة، وفي مقدمتها وقف التصعيد في غزة وصون حقوق الشعب الفلسطيني. لقد أثبتت التطورات أن أمن محيطنا الإقليمي هو امتداد طبيعي لأمننا القومي، وأننا لا نفصل أبداً بين استقرار بلادنا وسلامة دول الجوار، مؤمنين بأن الأمن الإقليمي وحدة لا تتجزأ.
وفي قلب هذا النهج الدبلوماسي والأمني، يبرز التحالف الاستراتيجي بين الجمهورية التركية ودولة قطر كأحد أهم ركائز ونماذج الاستقرار في هذا الإقليم المضطرب. إن الذاكرة الوطنية التركية لم ولن تنسى الموقف المبدئي والشجاع لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، الذي كان أول زعيم يبادر للتواصل مع فخامة الرئيس أردوغان ليلة 15 يوليو - تموز، معلناً وقوف دولة قطر الراسخ إلى جانب الإرادة الشعبية والمؤسسات الدستورية الشرعية. هذا الموقف القطري النبيل قوبل دائماً بوفاء تركي راسخ لا يتزعزع، حيث وقفت أنقرة بحزم إلى جانب الدوحة في أحلك الظروف، مجسدة عقيدة استراتيجية مفادها أن أمن قطر هو من أمن تركيا.
لقد شكل هذا الموقف الصادق نقطة ارتكاز انطلقت منها علاقاتنا خلال العقد الماضي نحو آفاق غير مسبوقة من التكامل. فمن خلال «اللجنة الاستراتيجية العليا»، تمت مأسسة هذا التحالف عبر توقيع ما يقرب من 120 اتفاقية غطت كافة المجالات الحيوية من الدفاع والطاقة إلى الاقتصاد والتعليم. واليوم، يتجلى هذا التوافق الاستراتيجي في التنسيق المشترك حيال قضايا المنطقة، حيث تتوافق الرؤى بين البلدين في دعم جهود الوساطة وتعزيز الاستقرار الإقليمي، انطلاقا من قناعة راسخة بأن السلام العادل والحوار هما السبيل الوحيد لتجنيب الإقليم ويلات حروب أوسع، والحفاظ على حقوق ومكتسبات شعوبه.
أختتم هذا المقال مستحضرًا بكلّ فخرٍ تلك الفترة الغنيّة التي قضيتُها سفيرًا للجمهورية التركية في الدوحة؛ تجربةً مفعمةً بالعمل الدؤوب، وثمرةً حقيقيةً لروابط الأخوّة التي تجمع شعبينا ودولتينا. وأؤكّد مجدّدًا أنّ مسيرة التعاون والتضامن بين تركيا وقطر لن تتوقّف، بل ستمضي في النموّ والازدهار، وأنّ الدعم المتبادل الذي نقدّمه أحدنا للآخر في المحافل الدولية هو حجر الزاوية في بناء مستقبلٍ مشتركٍ أكثر إشراقًا.
وفي هذا السياق، تمثل الذكرى العاشرة لإحباط محاولة الانقلاب الغادرة بالنسبة لتركيا أكثر من مجرد إحياء لبطولات الماضي؛ إنها التزام متجدد بصناعة المستقبل. إن تركيا تمضي اليوم في مئويتها الجديدة بخطى واثقة، مسلحة بوعي شعبها، وقوة مؤسساتها، ومستندة إلى رؤية استراتيجية واضحة المعالم تؤمن بالاعتماد على الذات. ومن خلال تعزيز قوتنا الوطنية وتحالفاتنا الوثيقة القائمة على الندية والوفاء، وفي طليعتها شراكتنا الراسخة مع دولة قطر الشقيقة، سنواصل دورنا كصمام أمان وقوة للاستقرار والعدالة، والمساهمة في بناء مستقبل أكثر أمنا وسلاما لا يقتصر على منطقتنا فحسب، بل يمتد ليشمل الإنسانية جمعاء.
عيد النصر التركي.. ذكرى الكفاح والبقاء
قبل قرن من الزمان وفي مثل هذه الأيام، كان الشعب التركي على موعد مع القدر لاسترداد حقه وأرضه،... اقرأ المزيد
2528
| 30 أغسطس 2022
ليلة لم ينم فيها العالم!
في ليلة 15 يوليو/تموز 2016 شعرتُ أن قلوب العالم الإسلامي بل والأحرار في كل مكان كانت معنا، لم... اقرأ المزيد
1066
| 09 يوليو 2022
يوم قال الشعب التركي كلمته
قبل خمس سنوات، وفي مثل هذا اليوم، وتحديداً في الساعة العاشرة من مساء يوم 15 يوليو/ تموز 2016م،... اقرأ المزيد
2714
| 15 يوليو 2021
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كل عام وقبل العودة إلى المدارس يبدأ الاستعداد المعتاد في كل بيت، ملابس جديدة، حقائب، أحذية، كتب، أقلام، أجهزة، ومستلزمات دراسية. لكن هل هذه هي استعدادات العودة إلى المدارس؟ قبل أن تسأل ابنك: ماذا ينقصك للمدرسة؟ اسأله: لماذا تدرس؟ سؤال بسيط جدًا، لكنه قد يكون أهم من كل ما ستشتريه له طوال سنواته الدراسية فهنا الجوهر. لماذا تدرس؟ ماذا تريد أن تصبح؟ ما المجال الذي تحبه؟ ما الذي تجيده؟ أين ترى نفسك بعد الدراسة وكيف ؟ هذه الأسئلة أهم اليوم من أي وقت مضى، لأن العالم تغيّر، وسوق العمل تغيّر، وحتى مفهوم التعليم نفسه يجب أن يتغيّر لدينا. العالم اليوم مليء بالشهادات بل إن الحصول على الشهادة أصبح في بعض الأماكن أسهل وأرخص من مصاريف سنوات الدراسة، ولم تعد الشهادة وحدها ذلك المفتاح الذي يفتح أبواب الوظائف كما كانت سابقاً. الآلاف يتخرجون كل عام والآلاف يسجلون كما نشاهد هذه الايام. بكالوريوس وماجستير ودكتوراه … الخ ولكن السؤال الذي يفرض نفسه في سوق العمل اليوم هو: ماذا تستطيع أن تفعل؟ فالعالم لايبحث عن الشهادة وصاحبها، بل عن الكفاءة واهلها. يبحث عن الإنسان الذي يفهم، ويحلل، ويبتكر، ويتواصل، ويتعلم بسرعة، إنسان يتعامل مع المتغيرات، ويحل المشكلات، ويملك مهارة حقيقية يحتاج لها الواقع. ثم جاء التحدي الأكبر.. الذكاء الاصطناعي. وهو ليس قصة من المستقبل، بل واقع نعيشه الآن. مهام ووظائف كثيرة تغيرت وتقلصت بسبب التقنية والذكاء الاصطناعي، ووظائف أخرى ستتغير بصورة أكبر خلال السنوات القادمة وستنتهي وفي المقابل ستولد مجالات ووظائف جديدة لم نكن نعرفها. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لأي عالم نُعِد أبناءنا؟ هل نُعد الطالب فقط ليحفظ كتابًا، ويجيب في ورقة الامتحان، ويحصل على درجة عالية، وينتقل من صف إلى صف حتى يحصل في النهاية على شهادة؟ وماذا بعد ؟ فغالب ما يتعلمه الطالب في الحقيقة لا يعمل به في الحياة الطبيعية. ثم ماذا؟ قد يتخرج بعد سنوات ليكتشف أن العالم الذي أعددناه له قد تغيّر! لذلك يجب ألا يكون هدفنا أن يحصل أبناؤنا على الشهادات فقط، وإنما أن يمتلكوا المهارات والقدرات والوعي والفهم وهذا ما تتجه له الدول المتقدمة. علّم ابنك كيف يبحث. كيف يفكر. كيف يناقش. كيف يتحدث أمام الناس. كيف يكتب. كيف يستخدم التقنية. كيف يتعامل مع الذكاء الاصطناعي ويستفيد منه بدل أن يخشاه. كيف يتعلم مهارة جديدة بنفسه. كيف يحول فكرته إلى مشروع. وكيف يعرف نقاط قوته وضعفه. وانتبه يا ولي الأمر أنت لا تجهز ابنك لاختبار نهاية الفصل. أنت تجهزه لسوق عمل سيدخله بعد سنوات، وقد يكون مختلفًا جذريًا عن سوق العمل الذي تعرفه أنت اليوم. فلا تجعل كل اهتمامك بدرجته، واسأله أيضًا ماذا تعلّم. ولا تسأله فقط: كم حصلت؟ اسأله: ماذا أصبحت تستطيع أن تفعل؟ ولا تخطط له على أساس الوظائف التي كانت ناجحة في جيلنا، بل ساعده على اكتشاف العالم الذي سيعيش هو فيه. نعم التعليم مهم. والشهادة مهمة. والمدرسة والجامعة كذلك. لكن الشهادة بلا مهارة ورقة، والتعليم بلا فهم حفظ، والمعرفة التي لا يستطيع صاحبها استخدامها لن تصنع له مكانًا في عالم شديد التنافس وسريع التغيّر. لذلك عندما تبدأ هذا العام في تجهيز أبنائك للعودة إلى المدارس.. لا تبدأ بالحقيبة. ولا بالحذاء. ولا بالملابس. ابدأ بالسؤال: يا ابني … لماذا تدرس؟ فإذا عرف لماذا يدرس، وماذا يريد، وما الذي يحتاج إلى تعلمه ليصل إليه.. فقد اشتريت له أهم مستلزمات الدراسة دون أن تدفع ريالًا واحدًا.
4551
| 25 أغسطس 2026
-تاريخ للعرب والإسلام لا يمكن أن نقرأه ثم نضعه على الهامش - ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ - أدعو لأفق إستراتيجي لا يبقى فيه اليمن إذا استعاد استقراره خارج منظومة مجلس التعاون - علي عبد الله صالح قرر منحي أعلى وسام يمني لكنه أرجأ تسليمه لي لزيارة قادمة لم تتم - صنعاء مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس - اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى لا يحتاج اليمن إلى من يبحث له عن مكان في التاريخ؛ فمكانه سبقنا إليه القرآن الكريم حين حدثنا عن سبأ وما أنعم الله عليها: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾، وسبقنا إليه الحديث النبوي الشريف: «الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية». وبين «البلدة الطيبة» و«الحكمة اليمانية» يمتد تاريخ بلد لا يمكن أن نقرأ تاريخ العرب والإسلام ثم نضعه على الهامش. سبأ ومأرب وحِمْيَر ليست أسماء من ذاكرة بعيدة، وإنما شواهد على حضارة ضاربة في القدم، وعلى أرض عرفت العمران والزراعة والتجارة. ولم يكن حضور اليمن في الإسلام عابرًا أو متأخرًا؛ فقد وفدت قبائله إلى رسول الله ﷺ ودخل أهله في الإسلام، وبعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن معلّمًا وقاضيًا. ومن اليمن خرج رجال وقبائل حملوا الإسلام والعربية معهم إلى الأمصار، وأسهموا في الفتوحات وفي بناء المجتمعات العربية والإسلامية التي نشأت بعدها. وظل اليمن حاضرًا في حواضره العلمية والتجارية والثقافية، من صنعاء وزبيد إلى حضرموت وعدن. وجيلي عرف اليمن من التاريخ، ثم عرفه من السياسة. فقد كنا نتابع منذ شبابنا التحول من الملكية إلى الجمهورية، والتدخل المصري لمساندة النظام الجمهوري الجديد، وما أعقب ذلك من أحداث جعلت اليمن حاضرًا بقوة في المشهد العربي. كنا نسمع بأسماء رجاله ونقرأ عن صراعاته وتحولاته، قبل أن تتيح لي الظروف أن أعرف اليمن عن قرب، وأن أعرف كثيرًا من رجاله. وكانت نقطة التحول في علاقتي المباشرة باليمن عام 1994، عندما جرت محاولة فصل الجنوب عن الشمال. كنت يومها وزيرًا للإعلام في دولة قطر، وكان لقطر موقف واضح في مساندة وحدة اليمن، في وقت كانت فيه مواقف خليجية أخرى مختلفة. وكان الإعلام أحد ميادين تلك المواجهة السياسية، حتى انتهت الحرب ببقاء الوحدة. وفي تلك المرحلة، ومن قبلها ومن بعدها، أتيح لي أن أعرف وأعمل مع عدد من الشخصيات اليمنية البارزة على اختلاف مواقعها واتجاهاتها؛ عرفت حسن اللوزي، الذي كان وزيرًا للإعلام، وجار الله عمر، الذي كان وزيرًا للثقافة، والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، والرئيس علي ناصر محمد الذي بدأت علاقتي به في دمشق، ومحسن العيني، أحد أبرز الشخصيات اليمنية، الذي عرفته زميلًا سفيرًا في واشنطن واستمرت علاقتنا حتى وفاته، ومحمد سالم باسندوة الذي عرفته زميلًا سفيرًا في الأمم المتحدة قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء، والدكتور عبدالكريم الإرياني، وغيرهم كثير. رحم الله من توفاه الله منهم وأطال في أعمار الأحياء. ودعاني الرئيس علي عبدالله صالح إلى زيارة اليمن، فعرفته عن قرب ونشأت بيننا علاقة ود. وفي إحدى المرات قال لي إنه قرر منحي أعلى وسام يمني، لكنه سيؤجل تسليمه إلى الزيارة القادمة حتى يضمن عودتي إلى اليمن. ومرت الأيام، وتقلبت الأحوال، وتغيرت الدنيا، ورحل الرئيس، وبقي الوسام حيث كان. ولعل في هذه الحكاية الصغيرة شيئًا من حكاية السياسة نفسها: نؤجل بعض الأشياء إلى الغد، ثم يأتي الغد مختلفًا عما تصورناه. ولم تكن معرفتي باليمن مقصورة على السياسة ورجالها. عرفت بعض كبار مبدعيه، وفي مقدمتهم عبدالله البردوني وعبدالعزيز المقالح، ودعوتهما إلى المشاركة في فعالياتنا الثقافية. وفي زيارتي هذه رتبت الرئاسة جلسة أدبية فنية حضرها عدد من الأدباء والفنانين، لا تزال في ذاكرتي بما عكسته من ثراء الأدب والفن اليمنيين. وفي لحظة عفوية تبادلت ووزير الثقافة الزي؛ ألبسته العقال العربي، وألبسني العمامة والخنجر اليمنيين. صورة صغيرة، لكنها قالت يومها عن القرب بيننا أكثر مما تقوله كلمات كثيرة. اما اليمن الذي رأيناه فله حديث آخر.. رأيت في صنعاء فنًا معماريًا لا أعرف له شبيهًا؛ مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس. ورأيت في إب وما حولها طبيعة يعجز الوصف عن إعطائها حقها. صعدنا طرقًا متعرجة بين الجبال، ورأيت الفلاحات اليمنيات يتسلقن المرتفعات، يسقين الحقول ويقطفن الثمار، حتى وصلنا إلى غداء أقيم في قمة جبل تحيط به مناظر أقرب إلى الخيال. واستقبلنا عند مدخل المدينة وجهاؤها بملابسهم التقليدية المتنوعة، في مشهد من الألوان والهيبة والجمال، ثم جاءت المائدة اليمنية بما لا يقل ثراء عن المكان. وأقول ذلك وقد جلت العالم شرقًا وغربًا: في اليمن تنوع طبيعي قلّ أن تجده مجتمعًا في مكان واحد؛ شواطئ جميلة، وسهول ووديان، وجبال تكتسي بالخضرة، وأرض زراعية خصبة، وتراث عمراني نادر. ومن يرى كل ذلك يتساءل بألم: كيف استطاع هذا القدر من السياسة والصراع أن يفعل كل هذا ببلد منحه الله كل هذا القدر من الجمال؟ لقد حاصرت الحروب والسياسة اليمن طويلًا، حتى كاد ضجيجهما يحجب حقيقته وعظمته؛ فاختُزل بلد الحضارة والتاريخ والإنسان والجمال في أخبار الصراع، وغاب اليمن الحقيقي خلف أزماته. لكن أهمية اليمن لا تقف عند التاريخ والجمال والإنسان. فالجغرافيا منحته موقعًا لا يستطيع اليمنيون ولا جيرانهم ولا العالم تجاهله. إنه في جنوب الجزيرة العربية، ويشرف على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط. وما جرى في السنوات الأخيرة أكد مرة أخرى أن اضطراب اليمن لا يبقى داخل حدوده، وأن أمن البحر الأحمر والملاحة والتجارة الدولية يتأثر بما يحدث فيه. ولهذا فإن تجاهل اليمن لا يضر باليمن وحده. من يترك جنوب الجزيرة العربية مضطربًا لا يستطيع أن يطمئن إلى استقرار بقيتها. لقد علمتنا تجارب العقود الماضية أن اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي تأتي ردًا على تطور هنا أو أزمة هناك. قد توقف معالجة طارئة جولة من الصراع، لكنها لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى. وما لم تكن هناك رؤية شاملة تعالج بناء الدولة ووحدتها واقتصادها وتنميتها، وتعيد للإنسان اليمني ثقته بمستقبله، فسنبقى ندور في دائرة إدارة الأزمات بدل الخروج منها. كما أن اتساع المشكلات والانقسامات الداخلية يفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية. وهنا لا بد من كلمة صريحة إلى أهل اليمن أنفسهم: إن مستقبل اليمن لا يصنعه الآخرون، والمسؤولية الأولى تبقى على اليمنيين؛ أن يقدموا اليمن على ما عداه، وأن يتحرروا من الارتهان والارتباط بالأجنبي أيًّا كان، وأن يجعلوا وحدتهم الوطنية فوق اختلافاتهم. فالارتهان للخارج وصفة داء لا دواء؛ إذ يستعين بك ما دامت له فيك حاجة، فإذا انقضت حاجته انقضى اهتمامه بك، وبقي الوطن وحده يدفع الثمن. وليس المطلوب أن يختلف اليمنيون أقل، بل ألا يجعلوا من اختلافاتهم أبوابًا تعبر منها مصالح الآخرين. فالوحدة الوطنية لا تلغي التنوع، وإنما تحميه وتحمي اليمن معه. وفي المقابل، تقع على محيط اليمن مسؤولية لا تقل أهمية. فلا ينبغي أن ننظر إلى اليمن بوصفه عبئًا ينبغي تحمله، أو مشكلة أمنية ينبغي احتواؤها. اليمن، إذا استقر وأحسن استثمار طاقاته، مكسب كبير للجزيرة العربية: بثروته البشرية، وموقعه، وأرضه، وإمكاناته الاقتصادية والزراعية والسياحية، وتاريخه وحضارته. والخطر ليس في اليمن، وإنما في أن نتركه للفقر والانقسام والاضطراب والتدخلات الأجنبية. ومن بين دول المنطقة تبقى المملكة العربية السعودية الأكثر اتصالًا باليمن جغرافيا وتاريخًا، والدولة المركزية في مجلس التعاون، واستقرار اليمن من استقرارها وأمنه من أمنها. وقد قدمت المملكة لليمن الكثير، لكنني أتطلع إلى أن يأخذ هذا الدور بعدًا استراتيجيًا أبعد؛ فلا يقتصر على التعامل مع الأزمات حين تقع، بل يقود، بالشراكة مع اليمنيين ودول المنطقة، مشروعًا طويل المدى يدعم وحدة اليمن واستقراره، ويساعد في تنميته وبناء مؤسساته، ويهيئه للاندماج المتدرج في محيطه الطبيعي في الجزيرة العربية. وإذا كنا نتطلع إلى المملكة العربية السعودية لتقف إلى جانب اليمن وتأخذ بيده نحو الاستقرار والاندماج، فمن حقها أيضًا أن تجد من اليمنيين تقديرًا لذلك، وأن تُقابل اليد الممدودة بيد ممدودة، والثقة بالثقة. لقد آن لنا أن نفكر في اليمن بمنطق المستقبل لا بمنطق الأزمة. ولِمَ يبقى اليمن، إذا استعاد استقراره وتماسكت دولته، خارج منظومة مجلس التعاون؟ ولماذا لا يكون الأفق الاستراتيجي هو تهيئته يومًا ليصبح جزءًا كاملًا من هذه المنظومة؟ عندها لن يكون الأمر مجرد إضافة دولة إلى مجلس قائم، وإنما خطوة نحو إطار أكثر تعبيرًا عن جغرافية المنطقة ووحدة مصالحها. وقد يأتي يوم نتساءل فيه: إذا أصبح اليمن جزءًا من هذه المنظومة، أفلا يكون «مجلس التعاون لدول الجزيرة العربية» اسمًا أصدق تعبيرًا عن حقيقتها الجديدة؟ هذه ليست دعوة عاطفية، ولا حلمًا يتجاهل صعوبات الواقع. إنها رؤية تنطلق من درس كررته الأحداث: اليمن مكسب كبير إذا احتُضن واستقر وأصبح جزءًا فاعلًا من محيطه، وخطر جسيم على الجميع إذا أُهمل وترك نهبًا للانقسام والفقر والتدخل الخارجي. لقد ظللنا طويلًا نسأل ماذا نستطيع أن نفعل لليمن. وربما حان الوقت لنطرح السؤال بصورة أخرى: ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ فاليمن لم يكن يومًا هامشًا في تاريخها، ولا ينبغي أن يبقى هامشًا في مستقبلها. لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن..
4434
| 23 أغسطس 2026
ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو حاجة المؤسسات المستمرة إلى قيادات جديدة، في وقت لا يكفي فيه انتظار ظهور قائد جاهز. فهل القيادة موهبة فطرية، أم قدرة يمكن بناؤها وتطويرها؟ ولفهم ما إذا كان القائد يُولد أم يُصنع، لا بد أولاً من التعرف إلى الصفات التي تقوم عليها القيادة. ومن أبرزها وضوح الرؤية؛ فالقائد يرى الاتجاه قبل أن ينشغل بالتفاصيل، ويستطيع أن يحوّل رؤيته إلى هدف واضح يفهمه الناس ويعرف كل منهم دوره فيه. وعندما يحين وقت القرار يستمع، ويجمع المعلومات، ويدرس البدائل، ثم يحسم اختياره ويتحمل نتائجه. فإذا تعثرت الأمور، لا يسارع إلى إلقاء اللوم على الآخرين أو البحث عن موظف يدفع ثمن قراره؛ بل يعترف بالخطأ، ويصحح المسار، ويحمي فريقه من الاتهام غير العادل. فالقيادة لا تعني أن يكون القائد مصيباً دائماً، بل تعني القدرة على الاختيار وتحمل المسؤولية والتعلم والتصحيح. غير أن القرارات وحدها لا تكفي لقيادة البشر. فالقائد يحتاج إلى فهم نفسه وضبط انفعالاته وإدراك مشاعر الآخرين، وهو ما وصفه عالم النفس دانيال جولمان بالذكاء العاطفي. وقد تهدم كلمة قاسية في لحظة غضب ثقة بُنيت خلال سنوات، بينما يستطيع القائد المتزن أن يختلف ويحسم من دون أن يهين أو يجرح. وتمنح النزاهة هذه الصفات معناها؛ فالناس قد تعجب بذكاء المسؤول، لكنها لا تثق به إذا طبّق المعايير بحسب الأشخاص. لذلك يكون القائد عادلاً، واضحاً في قراراته، بعيداً عن المحاباة. كما يحسن الاستماع، ولا يخشى أصحاب الكفاءة، بل يختار من يكمله ويمنحه فرصة للمبادرة وتحمل المسؤولية. وعندما يصبح القرار الصحيح غير مريح أو غير شعبي، تظهر شجاعته الأخلاقية في تقديم المصلحة العامة على رغبته في إرضاء الجميع. هذه الصفات ليست حكراً على أشخاص يولدون باستعدادات فطرية، بل يمكن تنمية معظمها بالتعلم والتجربة. ويرى الباحث وارن بنيس أن «القادة يُصنعون ولا يولدون». ولا يعني ذلك تجاهل الاستعداد الفطري؛ فبعض الأشخاص يمتلكون الجرأة أو قوة الحضور وسهولة التواصل، لكن هذه المزايا تحتاج إلى التهذيب. فالجرأة بلا حكمة قد تصبح تهوراً، والثقة بلا وعي قد تتحول إلى غرور، والحزم بلا عدل قد ينتهي إلى تسلط. ووفقاً لنموذج مركز القيادة الإبداعية (CCL)، وهو مؤسسة دولية متخصصة في أبحاث وتطوير القيادات، فإن معظم التعلم القيادي يأتي من المهام والتجارب الصعبة، ثم من العلاقات المهنية والتوجيه، بينما تمثل الدورات الرسمية الجزء الأصغر. وهذا يفسر لماذا لا تُصنع القيادة في قاعة التدريب وحدها. فحين تكلف المؤسسة موظفاً واعداً بإدارة مشروع يتطلب تعاون عدة إدارات، وتمنحه صلاحية حقيقية، ثم تراجع معه قراراته ونتائجها، فإنها تدربه عملياً على التنسيق وحل الخلافات وتحمل المسؤولية، وبذلك تتحول القيادة من معرفة نظرية إلى ممارسة حقيقية. لهذا تبدأ صناعة القادة باكتشاف من يمتلكون القيم والاستعداد للتعلم، ثم منحهم مسؤوليات متدرجة، وإشراكهم في قرارات حقيقية، وتعريضهم لمواقف تتطلب الاختيار وتحمل النتائج. وهم يحتاجون إلى توجيه صادق يكشف نقاط القوة والضعف، وإلى بيئة تسمح بالخطأ المسؤول، لكنها لا تتسامح مع الإهمال. إن إعداد القادة ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة تضمن استمرار المؤسسة وتجددها. فالمؤسسة التي تنتظر قائداً جاهزاً قد تنتظر طويلاً، أما التي تستثمر في موظفيها وتختبر قدراتهم، فإنها تصنع خياراتها بنفسها. قد يبدأ القائد بموهبة، لكنه يكتمل بالتعلم والتجربة والمحاسبة. ولذلك فالسؤال الأجدر بالمؤسسات ليس: أين نجد قائد الغد؟ بل: ما الذي نفعله اليوم لصناعته؟
2217
| 23 أغسطس 2026