رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدكتور محمد مصطفى كوكصو

مساحة إعلانية

مقالات

333

الدكتور محمد مصطفى كوكصو

سمو الشيخ تميم وموقفه الشجاع ليلة 15 يوليو حاضر في الذاكرة الوطنية التركية

17 يوليو 2026 , 04:41ص

- عشر سنوات على محاولة الانقلاب الفاشلة.. تعزيز المناعة الوطنية وبناء الشراكات

- الموقف القطري الصادق نقطة انطلاق لتحالف تمت مأسسته عبر 120 اتفاقية

- 15 يوليو ليلة أُريد لها أن تكون نهاية للتجربة الديمقراطية فوُلدت تركيا الجديدة

- ذكرى المحاولة الانقلابية التزام متجدد بصناعة المستقبل أكثر من مجرد إحياء لبطولات الماضي

- القوات المسلحة والقضاء والأجهزة التركية استعادت بوصلتها الوطنية الخالصة

- مرحلة «تركيا خالية من الإرهاب» عنوان لرؤية الدولة الإستراتيجية في قرنها الجديد

- تطور الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني أجزاء لا تتجزأ من أمن تركيا القومي

- مأساة غزة كارثة إنسانية وإخفاق فاضح للنظام الدولي في لجم الانتهاكات

في البدء أترحم على صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، والذي انتقل إلى الدار الآخرة في الأيام الماضية، وأسأل الله تعالى أن يسكنه فسيح جناته وأن يجعل مثواه الجنة.

تحل علينا الذكرى العاشرة لمحاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها الجمهورية التركية في الخامس عشر من تموز/يوليو 2016، لتشكل محطة تأمّل إستراتيجية تتجاوز في دلالاتها مجرد استحضار حدث تاريخي فاصل، لتكون منصة عميقة لقراءة التحولات الهيكلية الكبرى التي غيرت وجه الدولة على مدار العقد الماضي. إن مرور عشر سنوات يمنحنا منظوراً سياسياً ودبلوماسياً لتقييم مسارنا؛ فمن رحم تلك الليلة التي أُريد لها أن تكون نهاية للتجربة الديمقراطية، وُلدت «تركيا الجديدة» التي تقف اليوم في «مئويتها الثانية» كقوة إقليمية ودولية تمتلك قرارها السيادي وتصوغ رؤيتها للمستقبل بكل ثقة.

إن السياق العام لأحداث 15 يوليو- تموز يمثل نقطة انعطاف في مفهوم الإرادة الوطنية وصناعة القرار. ففي ذلك المساء، سعت شبكة تنظيم «FETÖ» الإرهابية السرية، التي تغلغلت في مفاصل الدولة لعقود كالخلايا النائمة، إلى اختطاف مؤسساتنا الدستورية وفرض وصاية بقوة السلاح. إلا أن التلاحم التاريخي والفريد بين الشعب التركي وقيادته، ونزول الملايين إلى الشوارع والميادين بصدور عارية تلبية لنداء فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان، لم يُسقط الانقلاب العسكري فحسب، بل أسقط معه وإلى الأبد حقبة الوصاية الخارجية والتدخلات غير الشرعية. لقد قدم شعبنا في تلك الليلة أكثر من 250 شهيداً وآلاف الجرحى، ليوقع بدمائه عقداً اجتماعياً جديداً يكرس سيادة الأمة فوق كل اعتبار.

لقد أدركنا منذ الساعات الأولى لإحباط تلك المؤامرة الغادرة، أن التحدي لا يقتصر على التصدي الميداني، بل يتطلب إعادة بناء وتحصين شامل لمؤسسات الدولة. وعلى مدار السنوات العشر الماضية، خاضت تركيا عملية تطهير مؤسسي دقيقة، استعادت من خلالها القوات المسلحة والقضاء والأجهزة الأمنية والتعليمية بوصلتها الوطنية الخالصة. هذا التحول العميق منح الدولة مناعة غير مسبوقة، وجعل قرارها الأمني والسياسي مستقلاً، ليكون الشعب هو المرجعية الأولى والأخيرة، ولتتحول تركيا من دولة تستجيب للأزمات إلى دولة تصنع استقرارها الذاتي.

هذه الاستقلالية المؤسسية والسياسية هي التي مهدت الطريق لبلورة العقيدة الاستراتيجية لـ «تركيا الجديدة». لقد أكد فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان أن مرحلة «تركيا خالية من الإرهاب» لم تعد تقتصر على كونها مجرد سياسة أمنية وعسكرية، بل أصبحت عنواناً عريضاً لـ «رؤية الدولة الاستراتيجية في قرنها الجديد». إن هذه الرؤية تهدف إلى تحصين الجبهة الداخلية بشكل نهائي، وفتح أبواب التقدم والازدهار أمام أمتنا، معتمدة في ذلك على استراتيجية استباقية تجفف منابع التهديد أينما كانت، عبر عمليات عابرة للحدود حطمت المخططات التي كانت تُحاك ضد أمننا القومي.

لقد أثبتت تجربة العقد الماضي أن السيادة الوطنية في عالم اليوم ترتبط ارتباطاً عضوياً بالاستقلال التكنولوجي والاكتفاء الذاتي. وفي هذا الإطار، لا تنظر تركيا إلى تطور صناعاتها الدفاعية، وتكنولوجيا الأمن السيبراني، وأبحاث الذكاء الاصطناعي، وتأمين بنيتها التحتية للبيانات على أنها مجرد أدوات تقنية، بل هي أجزاء لا تتجزأ من أمنها القومي وحماية قرارها السيادي. إن الإنجازات المتتالية، من الطائرات المسيرة الرائدة عالمياً إلى المقاتلة الوطنية «قآن» (KAAN)، ومنظومات الدفاع الجوي المتقدمة، وحاملات الطائرات، تؤكد أن تركيا لم تعد بلداً يقبل بالأدوار المرسومة له من قوى الهيمنة، بل أصبحت «صانعة قرار» مستقلة، قادرة على بناء منظومتها الأمنية والتحرك كقوة فاعلة تمتد آفاقها الاستراتيجية من الخليج إلى شمال أفريقيا وشرق المتوسط.

وتكتسب هذه المناعة الداخلية، وتلك الرؤية الاستراتيجية لـ «تركيا الجديدة»، أهميتها القصوى عندما نمعن النظر في التطورات الإقليمية العاصفة والمشهد الدولي المحيط بنا. إن منطقة الشرق الأوسط تمر اليوم بواحدة من أخطر وأعقد مراحلها التاريخية؛ حيث نشهد تصدعاً جيوسياسياً هائلاً ينذر بعواقب وخيمة. فمن جهة، تستمر الحرب المأساوية والمدمرة التي تُشن على قطاع غزة، متسببة في كارثة إنسانية تدمي الضمير العالمي، وسط صمت مطبق وإخفاق فاضح للنظام الدولي في لجم الانتهاكات وفرض قواعد القانون الدولي الإنساني، وهو ما يؤكد المقولة المأثورة لفخامة الرئيس أردوغان: «العالم أكبر من خمسة».

وإلى جانب هذا الجرح الفلسطيني النازف، يقف الإقليم على شفا الانزلاق نحو صراع إقليمي شامل ومفتوح على كل الاحتمالات، مع تصاعد التوترات والمواجهات العسكرية المباشرة وغير المسبوقة التي انخرطت فيها قوى إقليمية ودولية كبرى. إن هذا التصعيد والمواجهات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يضع المنطقة بأسرها فوق فوهة بركان. إن هذه الصراعات المتقاطعة، وما يرافقها من استعراض للقوة وضربات عسكرية متبادلة، تهدد بإعادة رسم الخرائط الأمنية وتدمير مقدرات شعوب المنطقة وتجارتها ومستقبل أجيالها.

في خضم هذه الأمواج العاتية والرمال المتحركة، تبرز قيمة القرار التركي المستقل والمستند إلى إرادة شعبه. إن تركيا، ومن موقعها كقوة استقرار إقليمية، ترفض الانجرار خلف الاستقطابات المدمرة وصراعات المحاور التي لا تخدم سوى أعداء الأمة. وبدلاً من ذلك، تتمسك أنقرة بدبلوماسية فاعلة ونشطة تسعى لنزع فتيل الأزمات، وتدعو لضبط النفس، وتعمل بالتعاون مع شركائها الموثوقين على إيجاد حلول سياسية عادلة، وفي مقدمتها وقف التصعيد في غزة وصون حقوق الشعب الفلسطيني. لقد أثبتت التطورات أن أمن محيطنا الإقليمي هو امتداد طبيعي لأمننا القومي، وأننا لا نفصل أبداً بين استقرار بلادنا وسلامة دول الجوار، مؤمنين بأن الأمن الإقليمي وحدة لا تتجزأ.

وفي قلب هذا النهج الدبلوماسي والأمني، يبرز التحالف الاستراتيجي بين الجمهورية التركية ودولة قطر كأحد أهم ركائز ونماذج الاستقرار في هذا الإقليم المضطرب. إن الذاكرة الوطنية التركية لم ولن تنسى الموقف المبدئي والشجاع لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، الذي كان أول زعيم يبادر للتواصل مع فخامة الرئيس أردوغان ليلة 15 يوليو - تموز، معلناً وقوف دولة قطر الراسخ إلى جانب الإرادة الشعبية والمؤسسات الدستورية الشرعية. هذا الموقف القطري النبيل قوبل دائماً بوفاء تركي راسخ لا يتزعزع، حيث وقفت أنقرة بحزم إلى جانب الدوحة في أحلك الظروف، مجسدة عقيدة استراتيجية مفادها أن أمن قطر هو من أمن تركيا.

لقد شكل هذا الموقف الصادق نقطة ارتكاز انطلقت منها علاقاتنا خلال العقد الماضي نحو آفاق غير مسبوقة من التكامل. فمن خلال «اللجنة الاستراتيجية العليا»، تمت مأسسة هذا التحالف عبر توقيع ما يقرب من 120 اتفاقية غطت كافة المجالات الحيوية من الدفاع والطاقة إلى الاقتصاد والتعليم. واليوم، يتجلى هذا التوافق الاستراتيجي في التنسيق المشترك حيال قضايا المنطقة، حيث تتوافق الرؤى بين البلدين في دعم جهود الوساطة وتعزيز الاستقرار الإقليمي، انطلاقا من قناعة راسخة بأن السلام العادل والحوار هما السبيل الوحيد لتجنيب الإقليم ويلات حروب أوسع، والحفاظ على حقوق ومكتسبات شعوبه.

أختتم هذا المقال مستحضرًا بكلّ فخرٍ تلك الفترة الغنيّة التي قضيتُها سفيرًا للجمهورية التركية في الدوحة؛ تجربةً مفعمةً بالعمل الدؤوب، وثمرةً حقيقيةً لروابط الأخوّة التي تجمع شعبينا ودولتينا. وأؤكّد مجدّدًا أنّ مسيرة التعاون والتضامن بين تركيا وقطر لن تتوقّف، بل ستمضي في النموّ والازدهار، وأنّ الدعم المتبادل الذي نقدّمه أحدنا للآخر في المحافل الدولية هو حجر الزاوية في بناء مستقبلٍ مشتركٍ أكثر إشراقًا.

وفي هذا السياق، تمثل الذكرى العاشرة لإحباط محاولة الانقلاب الغادرة بالنسبة لتركيا أكثر من مجرد إحياء لبطولات الماضي؛ إنها التزام متجدد بصناعة المستقبل. إن تركيا تمضي اليوم في مئويتها الجديدة بخطى واثقة، مسلحة بوعي شعبها، وقوة مؤسساتها، ومستندة إلى رؤية استراتيجية واضحة المعالم تؤمن بالاعتماد على الذات. ومن خلال تعزيز قوتنا الوطنية وتحالفاتنا الوثيقة القائمة على الندية والوفاء، وفي طليعتها شراكتنا الراسخة مع دولة قطر الشقيقة، سنواصل دورنا كصمام أمان وقوة للاستقرار والعدالة، والمساهمة في بناء مستقبل أكثر أمنا وسلاما لا يقتصر على منطقتنا فحسب، بل يمتد ليشمل الإنسانية جمعاء.

اقرأ المزيد

عيد النصر التركي.. ذكرى الكفاح والبقاء عيد النصر التركي.. ذكرى الكفاح والبقاء

قبل قرن من الزمان وفي مثل هذه الأيام، كان الشعب التركي على موعد مع القدر لاسترداد حقه وأرضه،... اقرأ المزيد

2528

| 30 أغسطس 2022

   ليلة لم ينم فيها العالم!  ليلة لم ينم فيها العالم!

في ليلة 15 يوليو/تموز 2016 شعرتُ أن قلوب العالم الإسلامي بل والأحرار في كل مكان كانت معنا، لم... اقرأ المزيد

1066

| 09 يوليو 2022

يوم قال الشعب التركي كلمته يوم قال الشعب التركي كلمته

قبل خمس سنوات، وفي مثل هذا اليوم، وتحديداً في الساعة العاشرة من مساء يوم 15 يوليو/ تموز 2016م،... اقرأ المزيد

2714

| 15 يوليو 2021

مساحة إعلانية