رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. حامد أحمد المرواني

مساحة إعلانية

مقالات

1446

د. حامد أحمد المرواني

الترميز العقاري.. كيف تملك جزءاً من عقار؟

26 أغسطس 2026 , 11:35م

هل يمكن لشخص يملك عشرة آلاف ريال أن يستثمر في برج أو مجمع تجاري تبلغ قيمته ملايين الريالات؟ قد يبدو الأمر مستبعداً، لكن الترميز العقاري يمكن أن يجعل ذلك ممكناً.

وافق مجلس الوزراء مؤخراً على مشروع قانون لتنظيم ترميز العقارات وتداول الرموز العقارية، إلى جانب مشروع لائحته التنفيذية. ويستهدف المشروع تنويع المنتجات العقارية، وجذب الاستثمارات، وإتاحة الفرص أمام المستثمرين، وسيُعرض على منصة «شارك» لمدة عشرة أيام لاستطلاع الرأي بشأنه قبل استكمال مراحله التشريعية. ونظراً إلى أن مصطلح «الترميز العقاري» جديد على كثير من الناس، فمن المهم أن نفهم أولاً معناه وكيف يعمل، ثم نتعرف إلى أثره المحتمل في السوق العقارية القطرية.

الترميز العقاري، ببساطة، هو تقسيم القيمة الاقتصادية لعقار حقيقي إلى حصص رقمية صغيرة تسمى «رموزاً عقارية». يستطيع المستثمر شراء عدد من هذه الرموز، والحصول على نصيبه من عوائد العقار بحسب عدد الرموز التي يمتلكها.

ولنأخذ مثالاً بسيطاً: إذا كانت هناك عمارة سكنية قيمتها عشرة ملايين ريال، يمكن تقسيم قيمتها إلى عشرة آلاف رمز عقاري، تبلغ قيمة كل رمز ألف ريال. يستطيع شخص شراء عشرة رموز بعشرة آلاف ريال، بينما يشتري آخر مائة رمز بمائة ألف ريال، ويحصل كل منهما على حصة تتناسب مع المبلغ الذي استثمره.

إذا كانت العمارة مؤجرة، تُجمع إيراداتها، ثم تُخصم منها مصروفات الإدارة والصيانة والتأمين والرسوم، ويوزع صافي العائد على المستثمرين بحسب عدد الرموز التي يمتلكها كل واحد منهم. وإذا ارتفعت قيمة العقار، فقد ترتفع قيمة الرموز المرتبطة به أيضاً، وقد يتمكن المستثمر من بيعها لاحقاً من خلال منصة مرخصة، وفقاً للقانون ونظام التداول المعتمد.

وتبدأ العملية عادةً باختيار عقار حقيقي وتقييمه من جهة مستقلة، ثم تحديد قيمته والعوائد التي يحققها والمصروفات المرتبطة به. وبعد ذلك يُقسّم العقار إلى عدد محدد من الرموز، وتُطرح هذه الرموز على المستثمرين من خلال منصة رقمية مرخصة. وعند اكتمال عملية البيع، يحصل كل مستثمر على ما يثبت عدد الرموز التي يمتلكها وحقوقه المرتبطة بها.

وتُسجّل عمليات الشراء والبيع إلكترونياً باستخدام تقنية تساعد على توثيق المعاملات وحفظها بصورة آمنة. كما يمكن استخدام العقود الذكية لتوزيع العوائد بصورة آلية على المستثمرين. ومع ذلك، فإن التقنية ليست هي العنصر الأهم بالنسبة إلى المستثمر؛ فما يهمه فعلياً هو العقار الذي يقف خلف الرمز، والعائد الذي يحققه، والحقوق التي يمنحها له القانون.

ومن الضروري التوضيح أن الرمز العقاري ليس عملة مشفرة مثل «بيتكوين»، بل يمثل حقاً مرتبطاً بعقار حقيقي. كما أنه لا يعني بالضرورة أن المستثمر يمتلك شقة أو غرفة محددة داخل المبنى. فقد يمثل الرمز حصة مباشرة في ملكية العقار، أو حصة في شركة أُنشئت لامتلاكه، أو حقاً في جزء من دخله. ولهذا تأتي أهمية مشروع القانون، فهو لا يكتفي بتسجيل الرمز على منصة رقمية، بل يحدد طبيعته وحقوق مالكه، وينظم تداوله، ويربطه مباشرة بنظام التسجيل العقاري بما يعزز أمن المعاملات وموثوقيتها.

ومن المتوقع أن يترك الترميز أثراً مهماً في السوق العقارية القطرية، لأنه يضيف منتجاً عقارياً جديداً ويفتح باب الاستثمار أمام شريحة أوسع من الناس. ففي الاستثمار العقاري التقليدي، يحتاج الشخص إلى مبلغ كبير لشراء شقة أو مبنى أو أرض. أما في الترميز، فيستطيع الدخول بمبلغ أصغر، وشراء حصة في عقار جيد ومدر للدخل.

كما يستطيع المستثمر توزيع أمواله على أكثر من عقار. فبدلاً من وضع جميع مدخراته في شقة واحدة، يمكنه شراء رموز في مبنى سكني ومجمع تجاري ومستودع، وبذلك يقل اعتماده على عقار واحد أو مستأجر واحد.

وقد يوفر الترميز أيضاً وسيلة تمويل جديدة لأصحاب العقارات والمطورين. فبدلاً من بيع العقار كاملاً أو الاعتماد بصورة كبيرة على القروض المصرفية، يستطيع المالك طرح جزء من قيمته للمستثمرين، مع الاحتفاظ بحصة فيه. وقد يساعد ذلك على توفير السيولة وتمويل مشروعات جديدة، وجذب مستثمرين محليين وأجانب إلى السوق القطرية.

ومن مزاياه المحتملة كذلك زيادة حركة التداول والشفافية. فبيع عقار كامل قد يحتاج إلى وقت طويل، بينما قد يكون بيع عدد محدود من الرموز أسهل. كما أن طرح العقارات على منصات منظمة سيجعل المستثمر أكثر اهتماماً بمعرفة قيمة الإيجارات ونسب الإشغال والمصروفات والتقييم الحقيقي للعقار.

لكن الترميز لا يجعل كل عقار استثماراً جيداً، ولا يضمن ارتفاع الأسعار أو سهولة البيع. فقيمة الرمز تظل مرتبطة بجودة العقار وموقعه ودخله ونسبة إشغاله وكفاءة إدارته. وإذا انخفضت إيرادات العقار أو جرى تقييمه بأعلى من قيمته الحقيقية، فقد تنخفض قيمة الرمز ويتراجع العائد.

لذلك يجب أن يتضمن النظام رقابة واضحة، وتقييماً مستقلاً للعقارات، وإفصاحاً عن الإيرادات والمصروفات والرسوم والمخاطر. كما يجب أن يعرف المستثمر بدقة ماذا يمتلك، وكيف يحصل على عوائده، وهل يستطيع بيع رموزه، وماذا يحدث إذا تعثر المشروع أو تقرر بيع العقار.

الترميز العقاري لا يصنع قيمة للعقار، بل يجعل قيمته قابلة للتقسيم والتداول. وإذا طُبق من خلال قانون واضح، ومنصات مرخصة، وعقارات جيدة، فقد يفتح مرحلة جديدة في السوق القطرية، ويجعل الاستثمار العقاري متاحاً لعدد أكبر من الناس، ويوفر للمطورين أدوات تمويل جديدة، ويمنح السوق مزيداً من السيولة والشفافية.

مساحة إعلانية