رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

م. حسن الراشد

مساحة إعلانية

مقالات

678

م. حسن الراشد

متى يُفجر المارد الصيني ثورة الغاز الصخري؟

26 أغسطس 2026 , 11:36م

قد لا نقرأ كثيرًا، أو نسمع من المحللين والمتخصصين وخبراء الطاقة، عن الغاز الصخري في الصين؛ ولذلك قد يستغرب كثير من القراء أن الصين، التي تُعد اليوم أكبر مستورد للغاز في العالم، تجلس في الوقت ذاته فوق أكبر احتياطيات الغاز الصخري في العالم، متجاوزة الولايات المتحدة وكندا. ومع ذلك، ما زال إنتاجها من الغاز الصخري متواضعًا، ولا يتجاوز نحو عُشر إنتاجها من الغاز. وهنا يبرز السؤال:

لماذا يتريث المارد الصيني عن استغلال هذا الكنز الطاقوي؟

تُرجع معظم التحليلات والتقارير هذا التريث إلى تحديات وعقبات بيئية وجيولوجية، من بينها شح المياه اللازمة للتكسير، ومخاطر تلوث المياه الجوفية، ووعورة التضاريس الجبلية، والخشية من الهزات الأرضية المستحثّة، فضلًا عن ارتفاع تكاليف الحفر والتشريعات والموافقات الحكومية. غير أن هذا الطرح، على وجاهته، لا يفسر واقع المشهد كاملًا؛ فالتجارب التاريخية أثبتت مرارًا أن اعتبارات أمن الطاقة والجدوى الاقتصادية قد ترجح على الاعتبارات البيئية وغيرها، عندما يتعلق الأمر بمصالح الدولة الاستراتيجية وأمنها الطاقوي.

وخير شاهد على ذلك التجربة الأمريكية؛ فقد فاجأت الولايات المتحدة العالم بتطوير تقنيات التكسير الهيدروليكي (Hydraulic Fracturing)، وضخت المليارات في حقولها الصخرية رغم المحاذير البيئية، لتتحول خلال سنوات من مستورد رئيسي إلى أكبر منتج للغاز الطبيعي وأحد أكبر مصدّريه في العالم. وعلى النهج ذاته، أعادت المملكة المتحدة فتح ملف حقولها الصخرية بعد سنوات من التحفظات البيئية.

أما القول بأن حرص الصين على البيئة هو ما يكبّل يدها، فهذا ليس إلا ذرًّا للرماد في العيون؛ فالدولة التي حققت خلال عقود قليلة إنجازات صناعية وتقنية وهندسية ورقمية هائلة، وتصدرت العالم في قطاعات عدة، قادرة على تطويع كثير من العقبات التقنية والبيئية متى استدعت المصلحة الاستراتيجية الوطنية ذلك. والدليل حاضر؛ فشركاتها تحفر اليوم إلى أعماق تتجاوز 5000 متر في مكامن صخرية شديدة التعقيد.

ورغم اعتماد الصين المرتفع حاليًا على واردات الطاقة، وتوسعها في بناء البنية التحتية للغاز، من شبكات الأنابيب ومرافق التخزين إلى محطات استقبال الغاز الطبيعي المسال، فإن إنتاجها المحلي من الغاز الصخري ما زال يشكّل نسبة محدودة من إجمالي استهلاكها، مع تركيز الاستثمارات على تطوير التقنيات وخفض تكلفة الاستخراج مستقبلًا.

فالصين كيان استراتيجي لا يتحرك إلا بحسابات الربح والخسارة، ولا يستعجل اليوم ما يستطيع توظيفه غدًا بشروط أفضل. ومن هنا، يبدو هذا التريث أقرب إلى قرار محسوب وموجّه منه إلى عجز، وله، من وجهة نظري، ثلاثة أسباب رئيسية:

أولًا – مخزون استراتيجي مؤجل لساعة الأزمات والحسم:

كما هو معروف، تتسم آبار الغاز الصخري بمعدلات نضوب سريعة؛ وفي ظل تدفق الغاز عبر شبكات الأنابيب وعقود التوريد طويلة الأجل، قد تفضّل الصين عدم استنزاف مخزونها المحلي في الظروف الطبيعية، وإبقاء جزء من هذه الثروة كحزام أمان وخط دفاع أخير يضمن استمرار الاقتصاد في حال حدوث حصار بحري أو نزاع جيوسياسي يهدد إمدادات الطاقة.

ثانيًا – تفوق الجدوى الاقتصادية للغاز المستورد:

على عكس النموذج الأمريكي، القائم بدرجة كبيرة على شركات تنقيب خاصة ورأس مال مخاطر، يخضع القطاع الصيني لهيمنة شركات حكومية وخطط مركزية؛ وطالما بقيت تكلفة استخراج الغاز الصخري محليًا أعلى من بعض البدائل المستوردة، فإن المنطق الاقتصادي يقتضي الاستفادة من الخيار الأقل تكلفة، وتأجيل التوسع الكبير في الإنتاج المحلي إلى الوقت الذي تتحسن فيه جدواه.

ثالثًا – إعادة توجيه الاستثمار نحو الطاقة المتجددة والتقنيات منخفضة الكربون:

تمنح الرؤية التنموية الصينية أولوية كبيرة لقطاعات الطاقة المتجددة والتقنيات منخفضة الكربون، من البطاريات والألواح الشمسية إلى الهيدروجين والطاقة النووية، بدل اقتطاع استثمارات ضخمة لبناء صناعة غاز صخري واسعة قبل أن تنضج جدواها الاقتصادية والتقنية. والمفارقة العجيبة أن الصين، في الوقت نفسه، لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الفحم في توليد الكهرباء؛ وهو ما يعزز، في رأيي، أن التكلفة وأمن الطاقة والحسابات الاستراتيجية قد ترجح عمليًا على الاعتبارات البيئية عندما تتعارض الأولويات والمصالح الوطنية.

وهذا التريث لا يعني الجمود، بل يعكس إدارة محسوبة للمسار؛ فقد حققت الشركات الصينية تقدمًا ملحوظًا في تقنيات الحفر والإنتاج من التكوينات الصخرية العميقة، فيما تواصل العمل على زيادة إنتاجها من الغاز الصخري. أي إن التقنية تُختبر وتُنضج يومًا بعد يوم، تمهيدًا لتوسيع نطاق الإنتاج عندما تصبح المعادلة أكثر ملاءمة.

إن كل هذه التحركات الفنية والدؤوبة ليست سوى مؤشرات على أن العملاق الصيني يهيئ نفسه للمرحلة التالية، ويعمل على امتلاك الجاهزية التي تسمح له، عندما يحين التوقيت المناسب، بتوسيع استغلال ثروته الصخرية وفق حساباته ومصالحه.

وأخيرًا… هي العصا في اليد والعين على العاصفة؛ فالمارد الصيني قد لا يطيل الانتظار قبل أن يفك شفرة الاستغلال الأوسع لحقوله الصخرية. والواقع والأيام أكدا لنا أن ما بدا مستحيلًا أمام الصين بالأمس أصبح، في كثير من الأحيان، واقعًا اليوم؛ ومن وجهة نظري، قد نشهد فيها ثورة صخرية لا تقل أثرًا عما شهدته الولايات المتحدة، ولكن بتوقيت وأسلوب صينيين مختلفين، وعندها قد تتغير معادلات أسواق الغاز العالمية؛ ولعل قادم الايام يكشف لنا ذلك، وإن غدًا لناظره قريب.

اقرأ المزيد

شتاء أوروبا بلا غاز...! شتاء أوروبا بلا غاز...!

تجلس أوروبا اليوم في مقعد الانتظار، ترفع عينها إلى السماء تترقّب أحوال الطقس، بعدما كبّلت نفسها بقوانين وتشريعات... اقرأ المزيد

582

| 17 سبتمبر 2026

المرأة والرجل.. وصك البراءة! المرأة والرجل.. وصك البراءة!

بين المجمعات التجارية الكثيرة المنتشرة، يبرز أحد المجمعات بجماله وبساطة تصميمه وهدوئه ونظافته اللافتة وحسن خدماته، حتى إن... اقرأ المزيد

831

| 07 سبتمبر 2026

استثمارات البتروكيماويات الخليجية في الخارج استثمارات البتروكيماويات الخليجية في الخارج

تقف الاستثمارات الصناعية للبتروكيماويات الخليجية في الخارج اليوم عند منعطف إستراتيجي حاسم؛ فالمعادلة التقليدية للتوسع، والتموضع قرب مراكز... اقرأ المزيد

588

| 02 سبتمبر 2026

مساحة إعلانية