رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
■ كيف يمكن للثقافة أن تعزّز الصمود الوطني والتواصل مع العالم؟
■ قطر واجهت أزمات إقليمية متلاحقة خلال العقد الأخير بشكل غير مسبوق
■ الثقافة مورد إستراتيجي لتعزيز صمود المجتمع وليست مجرد مجال للتعبير الفني
■ المتاحف والمواقع التراثية منصات يتفاعل من خلالها المجتمع القطري مع تاريخه وهويته
■ كل تحدٍّ جيوسياسي دفع البلاد إلى التكيّف والتعلّم وبناء قدرات جديدة
■ الدبلوماسية والوساطة والشراكات والقوة الناعمة أدوات لإستراتيجية قطر
■ التجارب أثبتت قيمة الجاهزية المؤسسية والتخطيط الإستراتيجي بعيد المدى
■ العلاقات الثقافية كثيراً ما تستمر حين يتعقّد المشهد السياسي
■ الدبلوماسية الثقافية ليست حكراً على الحكومات وتتيح للجميع الإسهام في مد الجسور
■ الصمود يبنى بالهوية والانتماء والإبداع والثقة الثقافية والقدرة على التواصل مع الآخرين
تأتي مقالات الرأي ضمن سلسلة من المقالات المترابطة، تهدف إلى بناء معرفة تتراكم مع الوقت عبر حوار متواصل مع المجتمع القطري. وتتناول السلسلة الدروس وفرص التعلّم التي تظهر لقطر ومجتمعها في ظل النظام الجيوسياسي الجديد.
تربط السلسلة بين المعرفة وصناعة السياسات وآراء المجتمع. فهي منصة دائمة لتبادل الأفكار والتأمل في بيئة قطر المتغيرة جيوسياسياً واقتصادياً وثقافياً وتقنياً ومجتمعياً.
ستركّز كل دورة ربع سنوية على محور رئيسي واحد. في الأشهر الثلاثة الأولى من الدورة تتناول سلسلة من مقالات الرأي أبعاداً مختلفة للمحور المختار. يكون المقال الأول افتتاحياً، يرسم الإطار العام ويطرح الأسئلة الرئيسية. ثم تنطلق المقالات التالية من الحجج والآراء والتعليقات التي أثارتها المقالات السابقة. وبذلك يتطور النقاش ويتراكم، بدلاً من أن تكون المقالات منشورات منفصلة.
أما المقال الرابع في كل دورة فيجمع أبرز ما خلصت إليه المقالات الثلاثة الأولى، ويستعرض ردود المجتمع القطري وآراءه. وسيتناول بشكل خاص التعليقات والنقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات العامة الأخرى، لقياس كيفية تلقّي المجتمع للأفكار المطروحة، وما اعترض عليه منها، وما أضافه إليها.
ولتوسيع المشاركة، ستُعقد لقاءات تفاعلية سنوية مع القرّاء وأفراد المجتمع. وستكون هذه اللقاءات منصة مباشرة للحوار وتلقّي الآراء وتبادل الأفكار.
خلال العقد الأخير واجهت قطر أزمات إقليمية وتحديات جيوسياسية متلاحقة بشكل غير مسبوق. وتعرّض صمود الدولة والمجتمع القطري للاختبار مراراً، لا سيما مع اقتراب التوترات الإقليمية أكثر فأكثر من حدود قطر ومصالحها الاستراتيجية. ومع التصعيد الإقليمي الأخير واجهت قطر على أرضها مواجهة لم تشهد مثلها في تاريخها الحديث. وهذا التطور اختبار كبير لمنظومتها الأمنية، ولاقتصادها وبنيتها التحتية أيضاً، والأهم من ذلك لمجتمعها. وقد تمتد آثاره إلى المديين المتوسط والبعيد.
لكن عند النظر في هذه التحديات لا ينبغي أن نغفل بُعداً آخر من تاريخ قطر الحديث. فكثيراً ما هيّأت فترات الشدة الظروف لصور جديدة من الصمود، ولتطوير المؤسسات، ولفرص جديدة.
يقول الله تعالى في سورة الشرح: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5–6]. وقد تحقق هذا المعنى في تجربة قطر أكثر من مرة. فكل تحدٍّ جيوسياسي كبير دفع البلاد إلى التكيّف والتعلّم وبناء قدرات جديدة في قطاعات كثيرة، التزاماً بالمبدأ الإسلامي الوارد في السورة نفسها: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾ [الشرح: 7–8].
وما بدا في البداية أزمةً أسهم في حالات كثيرة لاحقاً في تقوية الدولة وفتح فرص جديدة.
وليست تجربة قطر مع الغموض الجيوسياسي أمراً جديداً. فمنذ نهاية معاهدة الحماية مع بريطانيا عام 1971 حمل كل عقد تقريباً تحدياً إقليمياً مختلفاً، وأسهم كل تحدٍّ في تطوير مؤسسات البلاد السياسية والأمنية والاقتصادية.
في السبعينيات شكّلت مرحلة التحوّل التي أعقبت نهاية معاهدة الحماية مع بريطانيا زخماً مهماً لبناء مؤسسات الدولة، وترسيخ حضور قطر شريكاً فاعلاً في صياغة المنظومة الإقليمية. ثم جاء تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981 تعبيراً عن الحاجة إلى آليات إقليمية جماعية في بيئة أمنية غير مستقرة.
وفي الثمانينيات كشفت الحرب العراقية الإيرانية مدى تأثر منطقة الخليج بالصراعات الإقليمية الأوسع. وفي التسعينيات غيّر الغزو العراقي للكويت وما تلاه من حرب الخليج البيئة الأمنية الإقليمية تغييراً أكبر. ودفعت هذه التطورات قطر إلى تعزيز مؤسساتها الأمنية الوطنية مع اعتماد متزايد على شراكات أمنية إقليمية ودولية أوسع.
وحملت الألفية الجديدة ومطلع العقد الثاني منها تحدياً من نوع مختلف. فقد شجّعت التوترات الدبلوماسية بين دول الخليج، مع تحوّلات البيئة الإقليمية المحيطة بالربيع العربي، قطر على انتهاج سياسة خارجية أكثر استقلالاً وبناء مكانة دولية متميزة. وصارت قطر تعتمد أكثر فأكثر على الدبلوماسية والوساطة والشراكات الدولية والقوة الناعمة أدواتٍ لاستراتيجيتها الوطنية.
ثم شكّلت الأزمة الخليجية عام 2017 منعطفاً حاسماً آخر. فقد كشفت الأزمة مواطن ضعف، خاصة في سلاسل إمداد الغذاء والخدمات اللوجستية والتبعيات الاقتصادية. لكنها في الوقت نفسه أطلقت استجابات وطنية واسعة. فقد سرّعت قطر جهودها في تنويع سلاسل الإمداد، وتعزيز الأمن الغذائي، وتوسيع الإنتاج المحلي، وتقوية الصمود الوطني. وعلى المستوى المجتمعي أسهمت الأزمة في تعميق الشعور بالهوية الوطنية والتماسك الاجتماعي.
ولعل أهم ما أثبتته هذه التجارب قيمة الجاهزية المؤسسية والتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى. فقد وفّرت رؤية قطر الوطنية 2030 إطاراً شاملاً حوّلت البلاد من خلاله الأزمات إلى دروس، والدروس إلى تطوير مؤسسي.
ولذلك فالبيئة الجيوسياسية الراهنة فصل جديد في هذه القصة الطويلة، لا سيما أن قطر تقترب من نهاية رؤيتها الوطنية 2030 وتبدأ الانتقال نحو رؤية وطنية جديدة لعام 2050.
وقد أكّد التصعيد الأخير مرة أخرى أهمية موقع قطر الجغرافي وبنيتها التحتية للطاقة وترابطها الاقتصادي مع العالم. وفي موازاة هذا الموقع المهم أظهرت دولة قطر جاهزية كبيرة في التعامل مع حالة عدم الاستقرار الإقليمي الأخيرة. فقد برهنت القيادة على قدرتها على حماية موقع قطر الجيوسياسي الاستراتيجي بقدرات دفاعية قوية وبحماية البنية التحتية الحيوية. كما واصلت مؤسسات الدولة الراسخة تقديم الخدمات الأساسية للسكان حتى في أصعب لحظات الأزمة. وكما أكّد حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى في خطابه في افتتاح دور الانعقاد السنوي الخامس والخمسين لمجلس الشورى: «فالصمود لا يولد في لحظة الأزمة، بل هو حصيلة ما يسبقه من تخطيط. وقد كان لنا، ولله الحمد والمنة، أن نصمد في أصعب الظروف، وأن نخرج من كل أزمة أقوى، وأكثر صلابة، وعزمًا وثباتًا».
غير أن هذا يطرح سؤالاً مهماً آخر: على المستوى المجتمعي والفردي، هل كنا حقاً مستعدين، أفراداً وجزءاً من النسيج الاجتماعي، لهذا النوع من الأزمات؟ وما الأدوات والقدرات المتاحة لنا مواطنين ومجتمعاً لنساند الدولة وقيادتها في تعزيز صمود قطر؟
هناك أدوات كثيرة يمكن أن تسهم في جاهزية المجتمع وصموده، لكن واحدة منها تستحق اهتماماً أكبر بكثير، وهي الثقافة.
لقد أظهر المجتمع القطري صموداً كبيراً في فترات الغموض والأزمات السابقة. ومع ذلك ما زال هناك الكثير مما يمكن فعله على المستويين المجتمعي والفردي لتعزيز الهوية الوطنية والتماسك الاجتماعي، من خلال الاستفادة من أبعاد الثقافة الواسعة التي تمتد عبر قطاعات متعددة.
فالثقافة فضاء يتصل فيه الأفراد بتراثهم، وتعزز فيه المجتمعات هويتها المشتركة، ويتعمّق فيه فهم المجتمع لمسيرته الجماعية. وهي في الوقت نفسه تشجّع الإبداع والحوار، وتمدّ الجسور بين قطر والعالم.
ومن هذا المنطلق لا ينبغي النظر إلى الثقافة بوصفها قطاعاً فحسب. بل يمكن فهمها مورداً استراتيجياً لتعزيز صمود المجتمع، يستطيع كل فرد أن يشارك فيه ويسهم.
فالثقافة ليست مجرد مجال للتعبير الفني أو صون التراث، بل هي من المجالات التي يستطيع كل فرد في المجتمع أن يسهم فيها. فهي تبني الهوية، وتنمّي الإبداع الإنساني، وتصل بين الأجيال، وتفتح مساحات للحوار.
وفي بيئة جيوسياسية يزداد فيها الغموض، تصبح هذه الأدوار ذات أهمية استراتيجية.
وتعزز الثقافة كذلك الهوية الوطنية، ومن ثمّ صمود المجتمع. فالمواقع التراثية والمتاحف والعمارة والفنون والأدب تمنح المجتمع وسائل يفهم بها الناس من أين أتوا، ومن هم، وأي مستقبل يريدون بناءه. ولهذا أهمية خاصة في فترات الغموض، حين يصبح الشعور المشترك بالانتماء مصدر قوة.
ولمؤسسات قطر الثقافية في هذا السياق دور محوري. فالمتاحف والمواقع التراثية والفضاءات الثقافية ليست مجرد أماكن لعرض المقتنيات أو حفظ الماضي، بل هي منصات يتفاعل من خلالها المجتمع القطري مع تاريخه وهويته. ويمكن للتراث والمتاحف والعمارة والفنون أن تجتمع لتروي قصة متواصلة: من أين أتت قطر، وأين هي اليوم، وإلى أين تريد أن تمضي.
إضافة إلى ذلك تستطيع الثقافة أن تعزز مكانة قطر الدولية في وقت تزداد فيه صعوبة القنوات السياسية التقليدية. فالتوترات الجيوسياسية قد تضيّق مساحة الحوار السياسي، لكن العلاقات الثقافية كثيراً ما تستمر حين تتعقّد العلاقات السياسية. فالتبادل الثقافي يتيح للناس أن يلتقوا ويتفاهموا ويتعاونوا، وأن يبنوا علاقات لا تستطيع السياسة وحدها أن تبنيها دائماً.
والدبلوماسية الثقافية ليست حكراً على الحكومات أو المؤسسات الثقافية. فالأفراد والفنانون والباحثون والمتاحف والجامعات والمبدعون والمنظمات الثقافية يمكنهم جميعاً الإسهام في مدّ الجسور بين قطر والدول المجاورة والمنطقة والعالم.
وهكذا تعمل الثقافة على مستويين في آن واحد: داخلياً بتعزيز الهوية والتماسك الاجتماعي، وخارجياً بتعزيز علاقات قطر وحضورها الدولي.
ويكتسب هذا الدور المزدوج أهمية خاصة في أوقات الشدة الجيوسياسية. فحين يتزايد الغموض تمنح الثقافة الداخلَ استمرارية، وتمدّ الجسور مع الخارج. فهي ترسّخ الهويات المشتركة التي تجمع المجتمعات، وتفتح في الوقت نفسه مساحات للحوار مع الآخرين.
ومع انتقال قطر إلى فصل جديد في ظل واقع جيوسياسي هش، ربما يكون من أهم الدروس أن دور الناس والمجتمع في قطر محوري. فالصمود لا يُبنى بالقدرات الأمنية والاقتصادية وحدها، بل لا بد أن يُبنى أيضاً بالمجتمع: بالهوية والانتماء والإبداع والثقة الثقافية والقدرة على التواصل مع الآخرين.
فهل نحن مدركون بما يكفي للدور الاستراتيجي الذي يمكن أن تؤديه الثقافة في تعزيز صمود قطر في ظل نظام جيوسياسي ناشئ؟
والأهم من ذلك: ما الفرص الجديدة التي يمكن لقطر أن تصنعها من دروس الحاضر، وما الدور الذي يمكن لكل واحد منا أن يؤديه في بنائها؟
حدّثونا عن آرائكم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8760
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3789
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3138
| 30 أكتوبر 2026