رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محمد سعد الرميحي

■ الرئيس التنفيذي لمتاحف قطر

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

381

محمد سعد الرميحي

قطر في النظام الجيوسياسي الناشئ

01 نوفمبر 2026 , 12:00ص

■ كيف يمكن للثقافة أن تعزّز الصمود الوطني والتواصل مع العالم؟

■ قطر واجهت أزمات إقليمية متلاحقة خلال العقد الأخير بشكل غير مسبوق

■ الثقافة مورد إستراتيجي لتعزيز صمود المجتمع وليست مجرد مجال للتعبير الفني

■ المتاحف والمواقع التراثية منصات يتفاعل من خلالها المجتمع القطري مع تاريخه وهويته

■ كل تحدٍّ جيوسياسي دفع البلاد إلى التكيّف والتعلّم وبناء قدرات جديدة 

■ الدبلوماسية والوساطة والشراكات والقوة الناعمة أدوات لإستراتيجية قطر

■ التجارب أثبتت قيمة الجاهزية المؤسسية والتخطيط الإستراتيجي بعيد المدى

■ العلاقات الثقافية كثيراً ما تستمر حين يتعقّد المشهد السياسي

■ الدبلوماسية الثقافية ليست حكراً على الحكومات وتتيح للجميع الإسهام في مد الجسور 

■ الصمود يبنى بالهوية والانتماء والإبداع والثقة الثقافية والقدرة على التواصل مع الآخرين

تأتي مقالات الرأي ضمن سلسلة من المقالات المترابطة، تهدف إلى بناء معرفة تتراكم مع الوقت عبر حوار متواصل مع المجتمع القطري. وتتناول السلسلة الدروس وفرص التعلّم التي تظهر لقطر ومجتمعها في ظل النظام الجيوسياسي الجديد.

تربط السلسلة بين المعرفة وصناعة السياسات وآراء المجتمع. فهي منصة دائمة لتبادل الأفكار والتأمل في بيئة قطر المتغيرة جيوسياسياً واقتصادياً وثقافياً وتقنياً ومجتمعياً.

ستركّز كل دورة ربع سنوية على محور رئيسي واحد. في الأشهر الثلاثة الأولى من الدورة تتناول سلسلة من مقالات الرأي أبعاداً مختلفة للمحور المختار. يكون المقال الأول افتتاحياً، يرسم الإطار العام ويطرح الأسئلة الرئيسية. ثم تنطلق المقالات التالية من الحجج والآراء والتعليقات التي أثارتها المقالات السابقة. وبذلك يتطور النقاش ويتراكم، بدلاً من أن تكون المقالات منشورات منفصلة.

أما المقال الرابع في كل دورة فيجمع أبرز ما خلصت إليه المقالات الثلاثة الأولى، ويستعرض ردود المجتمع القطري وآراءه. وسيتناول بشكل خاص التعليقات والنقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات العامة الأخرى، لقياس كيفية تلقّي المجتمع للأفكار المطروحة، وما اعترض عليه منها، وما أضافه إليها.

ولتوسيع المشاركة، ستُعقد لقاءات تفاعلية سنوية مع القرّاء وأفراد المجتمع. وستكون هذه اللقاءات منصة مباشرة للحوار وتلقّي الآراء وتبادل الأفكار.

 

خلال العقد الأخير واجهت قطر أزمات إقليمية وتحديات جيوسياسية متلاحقة بشكل غير مسبوق. وتعرّض صمود الدولة والمجتمع القطري للاختبار مراراً، لا سيما مع اقتراب التوترات الإقليمية أكثر فأكثر من حدود قطر ومصالحها الاستراتيجية. ومع التصعيد الإقليمي الأخير واجهت قطر على أرضها مواجهة لم تشهد مثلها في تاريخها الحديث. وهذا التطور اختبار كبير لمنظومتها الأمنية، ولاقتصادها وبنيتها التحتية أيضاً، والأهم من ذلك لمجتمعها. وقد تمتد آثاره إلى المديين المتوسط والبعيد.

لكن عند النظر في هذه التحديات لا ينبغي أن نغفل بُعداً آخر من تاريخ قطر الحديث. فكثيراً ما هيّأت فترات الشدة الظروف لصور جديدة من الصمود، ولتطوير المؤسسات، ولفرص جديدة.

يقول الله تعالى في سورة الشرح: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5–6]. وقد تحقق هذا المعنى في تجربة قطر أكثر من مرة. فكل تحدٍّ جيوسياسي كبير دفع البلاد إلى التكيّف والتعلّم وبناء قدرات جديدة في قطاعات كثيرة، التزاماً بالمبدأ الإسلامي الوارد في السورة نفسها: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾ [الشرح: 7–8]. 

وما بدا في البداية أزمةً أسهم في حالات كثيرة لاحقاً في تقوية الدولة وفتح فرص جديدة.

وليست تجربة قطر مع الغموض الجيوسياسي أمراً جديداً. فمنذ نهاية معاهدة الحماية مع بريطانيا عام 1971 حمل كل عقد تقريباً تحدياً إقليمياً مختلفاً، وأسهم كل تحدٍّ في تطوير مؤسسات البلاد السياسية والأمنية والاقتصادية.

في السبعينيات شكّلت مرحلة التحوّل التي أعقبت نهاية معاهدة الحماية مع بريطانيا زخماً مهماً لبناء مؤسسات الدولة، وترسيخ حضور قطر شريكاً فاعلاً في صياغة المنظومة الإقليمية. ثم جاء تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981 تعبيراً عن الحاجة إلى آليات إقليمية جماعية في بيئة أمنية غير مستقرة.

وفي الثمانينيات كشفت الحرب العراقية الإيرانية مدى تأثر منطقة الخليج بالصراعات الإقليمية الأوسع. وفي التسعينيات غيّر الغزو العراقي للكويت وما تلاه من حرب الخليج البيئة الأمنية الإقليمية تغييراً أكبر. ودفعت هذه التطورات قطر إلى تعزيز مؤسساتها الأمنية الوطنية مع اعتماد متزايد على شراكات أمنية إقليمية ودولية أوسع.

وحملت الألفية الجديدة ومطلع العقد الثاني منها تحدياً من نوع مختلف. فقد شجّعت التوترات الدبلوماسية بين دول الخليج، مع تحوّلات البيئة الإقليمية المحيطة بالربيع العربي، قطر على انتهاج سياسة خارجية أكثر استقلالاً وبناء مكانة دولية متميزة. وصارت قطر تعتمد أكثر فأكثر على الدبلوماسية والوساطة والشراكات الدولية والقوة الناعمة أدواتٍ لاستراتيجيتها الوطنية.

ثم شكّلت الأزمة الخليجية عام 2017 منعطفاً حاسماً آخر. فقد كشفت الأزمة مواطن ضعف، خاصة في سلاسل إمداد الغذاء والخدمات اللوجستية والتبعيات الاقتصادية. لكنها في الوقت نفسه أطلقت استجابات وطنية واسعة. فقد سرّعت قطر جهودها في تنويع سلاسل الإمداد، وتعزيز الأمن الغذائي، وتوسيع الإنتاج المحلي، وتقوية الصمود الوطني. وعلى المستوى المجتمعي أسهمت الأزمة في تعميق الشعور بالهوية الوطنية والتماسك الاجتماعي.

ولعل أهم ما أثبتته هذه التجارب قيمة الجاهزية المؤسسية والتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى. فقد وفّرت رؤية قطر الوطنية 2030 إطاراً شاملاً حوّلت البلاد من خلاله الأزمات إلى دروس، والدروس إلى تطوير مؤسسي.

ولذلك فالبيئة الجيوسياسية الراهنة فصل جديد في هذه القصة الطويلة، لا سيما أن قطر تقترب من نهاية رؤيتها الوطنية 2030 وتبدأ الانتقال نحو رؤية وطنية جديدة لعام 2050.

وقد أكّد التصعيد الأخير مرة أخرى أهمية موقع قطر الجغرافي وبنيتها التحتية للطاقة وترابطها الاقتصادي مع العالم. وفي موازاة هذا الموقع المهم أظهرت دولة قطر جاهزية كبيرة في التعامل مع حالة عدم الاستقرار الإقليمي الأخيرة. فقد برهنت القيادة على قدرتها على حماية موقع قطر الجيوسياسي الاستراتيجي بقدرات دفاعية قوية وبحماية البنية التحتية الحيوية. كما واصلت مؤسسات الدولة الراسخة تقديم الخدمات الأساسية للسكان حتى في أصعب لحظات الأزمة. وكما أكّد حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى في خطابه في افتتاح دور الانعقاد السنوي الخامس والخمسين لمجلس الشورى: «فالصمود لا يولد في لحظة الأزمة، بل هو حصيلة ما يسبقه من تخطيط. وقد كان لنا، ولله الحمد والمنة، أن نصمد في أصعب الظروف، وأن نخرج من كل أزمة أقوى، وأكثر صلابة، وعزمًا وثباتًا».

غير أن هذا يطرح سؤالاً مهماً آخر: على المستوى المجتمعي والفردي، هل كنا حقاً مستعدين، أفراداً وجزءاً من النسيج الاجتماعي، لهذا النوع من الأزمات؟ وما الأدوات والقدرات المتاحة لنا مواطنين ومجتمعاً لنساند الدولة وقيادتها في تعزيز صمود قطر؟

هناك أدوات كثيرة يمكن أن تسهم في جاهزية المجتمع وصموده، لكن واحدة منها تستحق اهتماماً أكبر بكثير، وهي الثقافة.

لقد أظهر المجتمع القطري صموداً كبيراً في فترات الغموض والأزمات السابقة. ومع ذلك ما زال هناك الكثير مما يمكن فعله على المستويين المجتمعي والفردي لتعزيز الهوية الوطنية والتماسك الاجتماعي، من خلال الاستفادة من أبعاد الثقافة الواسعة التي تمتد عبر قطاعات متعددة.

فالثقافة فضاء يتصل فيه الأفراد بتراثهم، وتعزز فيه المجتمعات هويتها المشتركة، ويتعمّق فيه فهم المجتمع لمسيرته الجماعية. وهي في الوقت نفسه تشجّع الإبداع والحوار، وتمدّ الجسور بين قطر والعالم.

ومن هذا المنطلق لا ينبغي النظر إلى الثقافة بوصفها قطاعاً فحسب. بل يمكن فهمها مورداً استراتيجياً لتعزيز صمود المجتمع، يستطيع كل فرد أن يشارك فيه ويسهم.

فالثقافة ليست مجرد مجال للتعبير الفني أو صون التراث، بل هي من المجالات التي يستطيع كل فرد في المجتمع أن يسهم فيها. فهي تبني الهوية، وتنمّي الإبداع الإنساني، وتصل بين الأجيال، وتفتح مساحات للحوار.

وفي بيئة جيوسياسية يزداد فيها الغموض، تصبح هذه الأدوار ذات أهمية استراتيجية.

وتعزز الثقافة كذلك الهوية الوطنية، ومن ثمّ صمود المجتمع. فالمواقع التراثية والمتاحف والعمارة والفنون والأدب تمنح المجتمع وسائل يفهم بها الناس من أين أتوا، ومن هم، وأي مستقبل يريدون بناءه. ولهذا أهمية خاصة في فترات الغموض، حين يصبح الشعور المشترك بالانتماء مصدر قوة.

ولمؤسسات قطر الثقافية في هذا السياق دور محوري. فالمتاحف والمواقع التراثية والفضاءات الثقافية ليست مجرد أماكن لعرض المقتنيات أو حفظ الماضي، بل هي منصات يتفاعل من خلالها المجتمع القطري مع تاريخه وهويته. ويمكن للتراث والمتاحف والعمارة والفنون أن تجتمع لتروي قصة متواصلة: من أين أتت قطر، وأين هي اليوم، وإلى أين تريد أن تمضي.

إضافة إلى ذلك تستطيع الثقافة أن تعزز مكانة قطر الدولية في وقت تزداد فيه صعوبة القنوات السياسية التقليدية. فالتوترات الجيوسياسية قد تضيّق مساحة الحوار السياسي، لكن العلاقات الثقافية كثيراً ما تستمر حين تتعقّد العلاقات السياسية. فالتبادل الثقافي يتيح للناس أن يلتقوا ويتفاهموا ويتعاونوا، وأن يبنوا علاقات لا تستطيع السياسة وحدها أن تبنيها دائماً.

والدبلوماسية الثقافية ليست حكراً على الحكومات أو المؤسسات الثقافية. فالأفراد والفنانون والباحثون والمتاحف والجامعات والمبدعون والمنظمات الثقافية يمكنهم جميعاً الإسهام في مدّ الجسور بين قطر والدول المجاورة والمنطقة والعالم.

وهكذا تعمل الثقافة على مستويين في آن واحد: داخلياً بتعزيز الهوية والتماسك الاجتماعي، وخارجياً بتعزيز علاقات قطر وحضورها الدولي.

ويكتسب هذا الدور المزدوج أهمية خاصة في أوقات الشدة الجيوسياسية. فحين يتزايد الغموض تمنح الثقافة الداخلَ استمرارية، وتمدّ الجسور مع الخارج. فهي ترسّخ الهويات المشتركة التي تجمع المجتمعات، وتفتح في الوقت نفسه مساحات للحوار مع الآخرين.

ومع انتقال قطر إلى فصل جديد في ظل واقع جيوسياسي هش، ربما يكون من أهم الدروس أن دور الناس والمجتمع في قطر محوري. فالصمود لا يُبنى بالقدرات الأمنية والاقتصادية وحدها، بل لا بد أن يُبنى أيضاً بالمجتمع: بالهوية والانتماء والإبداع والثقة الثقافية والقدرة على التواصل مع الآخرين.

فهل نحن مدركون بما يكفي للدور الاستراتيجي الذي يمكن أن تؤديه الثقافة في تعزيز صمود قطر في ظل نظام جيوسياسي ناشئ؟

والأهم من ذلك: ما الفرص الجديدة التي يمكن لقطر أن تصنعها من دروس الحاضر، وما الدور الذي يمكن لكل واحد منا أن يؤديه في بنائها؟

حدّثونا عن آرائكم.

اقرأ المزيد

مساحة إعلانية