رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
■ بين إرث الماضي وتحديات الحاضر.. محاولة للفهم
■ من المفارقة أن يصبح المهاجر موضوعًا للصراع السياسي كلما اشتدت الأزمات
■ أوروبا لم تفقد أسباب قوتها.. وقادرة على مراجعة خياراتها
■ معيار قوة الدولة يشمل كرامة مواطنيها لا إنتاجها وجيوشها وحدهما
■ باريس مطالبة بإعادة تعريف دورها في قارة تريد أجيالها الجديدة تقرير علاقاتها بنفسها
■ هل تستطيع أوروبا أن تجدد أسباب قوتها وتحافظ على العدالة والحرية والكرامة؟
لفرنسا مكانة خاصة في نفسي؛ فقد عشت في باريس أكثر من خمس سنوات سفيرًا لبلادي، ومعتمدًا لدى عدد من الدول الأوروبية. ولم تكن إقامتي مجرد محطة دبلوماسية، بل تجربة إنسانية وثقافية عمّقتها معرفتي بالفرنسية وشغفي بأدبها، وقرّبتني من مجتمعها وحياتها الفكرية والسياسية. وفي باريس وُلد ابني عمران، فأصبحت جزءًا من ذاكرة الأسرة. ولم تنقطع زياراتي إليها أو متابعتي لتحولاتها. ومن هذه الصلة أكتب متأملًا ما يواجهه بلد أحبه وأقدّره، وقارة تتجاوز آثار أزماتها حدودها.
فأوروبا أسهمت في تشكيل العالم الحديث بمؤسساته وعلومه وفلسفاته وفنونه، لكنها عرفت أيضًا حروبًا مدمرة واستعمارًا ما زالت آثاره حاضرة. وبعد الحرب العالمية الثانية نهضت من الركام، وبنت تجربة رائدة في التعاون والاندماج والحماية الاجتماعية. لذا فإن أزمتها لا تعنينا من باب الفضول أو الشماتة؛ فاستقرارها مصلحة عالمية. والسؤال: هل هي أزمة عابرة، أم تحدٍّ يمس نموذج ازدهارها؟
ازدهار له جذور متعددة
صنعت النهضة الأوروبية عوامل متضافرة: الثورة الصناعية، والتقدم العلمي، وتطور المؤسسات والتعليم، وتراكم الخبرات. وأسهمت الحركات العمالية والاجتماعية في بناء دولة الرفاه، حتى أصبحت الصحة والتعليم والتقاعد والحماية الاجتماعية حقوقًا راسخة، وصار معيار قوة الدولة يشمل كرامة مواطنيها، لا إنتاجها وجيوشها وحدهما.
لكن الإنصاف التاريخي يقتضي ألا نقرأ هذا الازدهار من داخل أوروبا فقط؛ فقد أسهم الاستعمار، بما استخرجه من موارد وأقامه من علاقات غير متكافئة، في تراكم ثروة بعض القوى الأوروبية. ولا يصح اختزال النهضة فيه، ولا تجاهل أثره والثمن الذي دفعته الشعوب المستعمَرة.
كما أسهم المهاجرون في البناء، وما زالوا جزءًا من الاقتصاد والمجتمع. وقد عرفت في فرنسا، ولا أزال ألتقي خلال زياراتي، كثيرًا من العاملين في المهن الحرفية والخدمية من أصول مغاربية وبرتغالية، امتدادًا لأجيال شاركت في الصناعة والخدمات. ومن المفارقة أن يصبح المهاجر موضوعًا للصراع السياسي كلما اشتدت الأزمات، وكأن مساهمته تُنسى. وهذا لا ينفي تحديات الاندماج، لكنه يدعونا إلى ألا تضيع الحقيقة الإنسانية وسط الشعارات.
أفريقيا.. استقلال الأوطان واستمرار النفوذ
ولا يمكن الحديث عن فرنسا دون أفريقيا، ولا سيما البلدان الناطقة بالفرنسية، التي عرفت عددًا منها عن قرب، وتابعت آمال شعوبها وخيباتها بعد الاستقلال.
فقد تحقق الاستقلال السياسي، لكن مضمونه الاقتصادي والاستراتيجي بقي منقوصًا في حالات عديدة؛ إذ استمرت شبكة فرنسية من الاتفاقيات العسكرية والعلاقات التجارية والمالية والنقدية، بمساندة بعض القيادات الأفريقية التي رأت في قربها من باريس ضمانًا لبقائها، ولو على حساب مصالح شعوبها. رحل الاستعمار المباشر، وبقيت بعض أدوات النفوذ، حتى غدت السيادة أوسع في النصوص منها في الممارسة، واختلطت الروابط الثقافية واللغوية باعتبارات الأمن والمال والسلطة.
وبعد عقود من الغضب، شهدت مالي وبوركينا فاسو والنيجر تحولات أطاحت بترتيبات قديمة، وأفضت إلى خروج القوات الفرنسية وإعادة النظر في العلاقات مع باريس. لكن تراجع النفوذ الفرنسي لا يعني بالضرورة حرية الشعوب، ولا يجعل الحكم العسكري بديلًا أفضل؛ فالاستقلال الحقيقي يتطلب مؤسسات وقانونًا وحقوقًا للمواطن، ولا يكتمل باستبدال نفوذ أجنبي بآخر.
وتتحمل قيادات أفريقية بعد الاستقلال مسؤولية جسيمة؛ فبعضها استبدل السيطرة الأجنبية بحكم فردي، وأهدر الثروات وفرص بناء الدولة، فيما دعمت قوى خارجية أنظمة التقت مصالحها معها. لقد نالت شعوب كثيرة استقلال أوطانها، لكنها لم تنل بالضرورة حرية مواطنيها.
ولم تكن هذه التحولات بلا ثمن على فرنسا؛ فقد انحسر حضورها العسكري في الساحل، وتراجعت قدرتها على التأثير في ترتيباته الأمنية والسياسية، وأصبحت مصالحها وشراكاتها التقليدية أمام منافسة دولية متزايدة. لم يعد الإرث التاريخي واللغوي ضمانًا للنفوذ، وأصبحت باريس مطالبة بإعادة تعريف دورها في قارة تريد أجيالها الجديدة تقرير علاقاتها بنفسها. غير أن ذلك لا يعني انقطاع مصالح فرنسا وروابطها بالقارة، ولا يفسر مباشرة أزمتها المالية الداخلية، التي لها جذور أعمق.
دولة الرفاه أمام امتحان صعب
قامت التجربة الاجتماعية الأوروبية على اقتصاد ينتج الثروة ودولة توزع جانبًا منها لحماية الإنسان. لكن المجتمعات تشيخ، وتزداد كلفة التقاعد والعلاج، فيما يتباطأ النمو وتشتد المنافسة العالمية، وتتزايد الالتزامات التكنولوجية والبيئية والدفاعية.
وفي فرنسا تجاوز الدين العام الناتج المحلي السنوي، وأصبح التوفيق بين الإنفاق الاجتماعي وضبط المالية العامة أصعب. ومع ذلك، فإن تصوير دولة الرفاه عبئًا ينبغي التخلص منه خطأ؛ فالتعليم والصحة والحماية الاجتماعية استثمار في الإنسان وتماسك المجتمع.
التحدي هو صون هذه المكاسب وتحسين عدالتها وكفاءتها، دون توريث الأجيال المقبلة أعباء تفوق طاقتها. وخلف كل إصلاح مواطنون يتساءلون عن عدالة توزيع التضحيات؛ فالإصلاح لا يقوم على سلامة الحسابات وحدها، بل على ثقة الناس بأنهم شركاء في تقرير مصيرهم.
حين تتعقد السياسة تتعثر الإصلاحات
تأسست الجمهورية الخامسة في عهد شارل ديغول على مؤسسات رئاسية قوية، وساعدت الأحزاب التقليدية، وفي مقدمتها التيار الديغولي، على الاستقرار. لكن هذه التوازنات تراجعت، وصعدت قوى جديدة يمينًا ويسارًا، ولم يعد انتخاب رئيس كافيًا لضمان أغلبية برلمانية أو توافق اجتماعي. وقد كشفت انتخابات 2024 التشريعية حجم التشرذم؛ فالمؤسسات ظلت قوية دستوريًا، بينما ضعف السند السياسي للقرار.
وللشارع الفرنسي تاريخ طويل في التأثير؛ ففي مايو 1968 تحولت حركة طلابية إلى احتجاجات عمالية واجتماعية هزت حكم ديغول، وإن لم يستقل إلا في أبريل 1969 عقب خسارة استفتاء. واليوم تسرّع وسائل التواصل التعبئة والاحتجاج، لكنها لا تخلق وحدها دوافع الغضب الاقتصادي والاجتماعي.
ولا يجوز اعتبار كل معارضة للإصلاح رفضًا للمصلحة العامة؛ فمن حق المواطن مساءلة السلطة عن العدالة ونصيب الفئات المختلفة من التضحيات. فالاقتصاد يحدد حدود الممكن، لكن السياسة تحدد قدرة المجتمع على الاتفاق بشأنه. وهنا تكمن صعوبة فرنسا: ليست المشكلة موارد فحسب، بل بناء توافق يسمح بالإصلاح.
أزمات منطقتنا وتداعياتها على الاقتصاد الأوروبي والعالمي
لم تعد أوروبا تعيش في عالم ازدهارها بعد الحرب العالمية الثانية. فقد ظهرت قوى اقتصادية وتكنولوجية منافسة، وتعاظمت الضغوط الدفاعية واضطرابات التجارة وسلاسل الإنتاج. وتأتي الأزمات الخارجية لتزيد مشكلاتها البنيوية تعقيدًا، وتفرض على حكوماتها الموازنة بين متطلبات الأمن ومستوى معيشة المواطنين.
وتؤكد أحداث منطقتنا أن الخليج والجزيرة العربية ليسا مجرد مصدر للطاقة؛ فأمن الممرات البحرية فيهما وحولهما جزء من استقرار التجارة والاقتصاد العالمي. وأي اضطراب يمتد أثره إلى النقل والإنتاج والأسواق وحياة الناس في قارات بعيدة، ومنها أوروبا.
لكن تلك الاضطرابات لا تصنع وحدها الأزمات الأوروبية، بل تكشف مدى الترابط بين مناطق العالم، والحاجة إلى تعاون دولي يحترم السيادة ويسوّي النزاعات بدلًا من توسيعها. فأمن منطقتنا ليس خدمة نقدمها لأوروبا، كما أن استقرار أوروبا ليس شأنًا يخص الأوروبيين وحدهم؛ إنهما مصلحتان متداخلتان في اقتصاد عالمي لا تعترف أزماته بالحدود.
أزمة نموذج أم تحدي تجديده؟
لا أرى أن أوروبا فقدت أسباب قوتها؛ فما زالت تمتلك الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات العلمية والاقتصادية، وتقاليد القانون والديمقراطية، ورصيدًا ثقافيًا وإنسانيًا عظيمًا. والمجتمعات التي نهضت بعد حربين عالميتين قادرة على مراجعة خياراتها والتكيف، إذا امتلكت الشجاعة والتوافق.
لكن التجديد يقتضي الاعتراف بالمشكلات، والعدل في توزيع أعباء الإصلاح، ومراجعة ما لم يعد مناسبًا دون التفريط بما يستحق الحماية. ولعل المأزق يتمثل في التوفيق بين ثلاثة أزمنة: ماضٍ صنع الازدهار، وحاضر يتمسك بمكتسباته، ومستقبل يحتاج إلى قرارات صعبة.
أكتب لا متشائمًا على أوروبا، ولا متجاهلًا أخطاء تاريخها وسياساتها، بل ممن عرفوا حضارتها وتعلموا من ثقافتها، ويرون في استقرارها مصلحة للعالم. فنحن لا نحتاج أوروبا ضعيفة ومنغلقة، بل شريكًا في العلم والاستقرار والحوار وصيانة الكرامة الإنسانية.
ويبقى السؤال: هل تستطيع أوروبا أن تجدد أسباب قوتها، وتحافظ في الوقت نفسه على العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة الإنسانية التي منحت تجربتها مكانتها؟
لعل مستقبلها يتوقف على الإجابة، لا بالأقوال وحدها، بل بالسياسات التي تختارها والتوافق الذي تبنيه بين أجيالها ومجتمعاتها.
اللغة العربية والعالم الرقمي.. هل ينصف العرب لغتهم؟
- إذا كانت التقنية الحديثة قد أثبتت قدرة العربية على التفاعل فلماذا حضورها الرقمي أقل بكثير من مكانتها... اقرأ المزيد
477
| 04 أكتوبر 2026
لنجعل من الأزمة طريقاً للبناء
-سمو الأمير لخصَ السياسة الخارجية القطريةفي معادلة تجمع القدرة بالحكمة - أهمية الخليج للاقتصاد العالمي لا تكفي لحمايته... اقرأ المزيد
819
| 27 سبتمبر 2026
الأمم المتحدة.. كيف تستعيد ثقة العالم؟
-القضية الفلسطينية المتضررالأكبر من تآكل دور الأمم المتحدة -الإصلاح المؤسسي للمنظمة الدولية يبدأ بمجلس أمن أكثر تمثيلًا للعالم... اقرأ المزيد
513
| 20 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
وزير الدولة - رئيس مكتبة قطر الوطنية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8730
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2832
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
2616
| 30 أكتوبر 2026