رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. حمد بن عبد العزيز الكواري

وزير الدولة - رئيس مكتبة قطر الوطنية

مساحة إعلانية

مقالات

27

د. حمد بن عبد العزيز الكواري

أوروبا في أزمة.. وفرنسا خاصة

01 نوفمبر 2026 , 12:00ص

■ بين إرث الماضي وتحديات الحاضر.. محاولة للفهم

■ من المفارقة أن يصبح المهاجر موضوعًا للصراع السياسي كلما اشتدت الأزمات

■ أوروبا لم تفقد أسباب قوتها.. وقادرة على مراجعة خياراتها

■ معيار قوة الدولة يشمل كرامة مواطنيها لا إنتاجها وجيوشها وحدهما

■ باريس مطالبة بإعادة تعريف دورها في قارة تريد أجيالها الجديدة تقرير علاقاتها بنفسها

■ هل تستطيع أوروبا أن تجدد أسباب قوتها وتحافظ على العدالة والحرية والكرامة؟

لفرنسا مكانة خاصة في نفسي؛ فقد عشت في باريس أكثر من خمس سنوات سفيرًا لبلادي، ومعتمدًا لدى عدد من الدول الأوروبية. ولم تكن إقامتي مجرد محطة دبلوماسية، بل تجربة إنسانية وثقافية عمّقتها معرفتي بالفرنسية وشغفي بأدبها، وقرّبتني من مجتمعها وحياتها الفكرية والسياسية. وفي باريس وُلد ابني عمران، فأصبحت جزءًا من ذاكرة الأسرة. ولم تنقطع زياراتي إليها أو متابعتي لتحولاتها. ومن هذه الصلة أكتب متأملًا ما يواجهه بلد أحبه وأقدّره، وقارة تتجاوز آثار أزماتها حدودها.

فأوروبا أسهمت في تشكيل العالم الحديث بمؤسساته وعلومه وفلسفاته وفنونه، لكنها عرفت أيضًا حروبًا مدمرة واستعمارًا ما زالت آثاره حاضرة. وبعد الحرب العالمية الثانية نهضت من الركام، وبنت تجربة رائدة في التعاون والاندماج والحماية الاجتماعية. لذا فإن أزمتها لا تعنينا من باب الفضول أو الشماتة؛ فاستقرارها مصلحة عالمية. والسؤال: هل هي أزمة عابرة، أم تحدٍّ يمس نموذج ازدهارها؟

ازدهار له جذور متعددة

صنعت النهضة الأوروبية عوامل متضافرة: الثورة الصناعية، والتقدم العلمي، وتطور المؤسسات والتعليم، وتراكم الخبرات. وأسهمت الحركات العمالية والاجتماعية في بناء دولة الرفاه، حتى أصبحت الصحة والتعليم والتقاعد والحماية الاجتماعية حقوقًا راسخة، وصار معيار قوة الدولة يشمل كرامة مواطنيها، لا إنتاجها وجيوشها وحدهما.

لكن الإنصاف التاريخي يقتضي ألا نقرأ هذا الازدهار من داخل أوروبا فقط؛ فقد أسهم الاستعمار، بما استخرجه من موارد وأقامه من علاقات غير متكافئة، في تراكم ثروة بعض القوى الأوروبية. ولا يصح اختزال النهضة فيه، ولا تجاهل أثره والثمن الذي دفعته الشعوب المستعمَرة.

كما أسهم المهاجرون في البناء، وما زالوا جزءًا من الاقتصاد والمجتمع. وقد عرفت في فرنسا، ولا أزال ألتقي خلال زياراتي، كثيرًا من العاملين في المهن الحرفية والخدمية من أصول مغاربية وبرتغالية، امتدادًا لأجيال شاركت في الصناعة والخدمات. ومن المفارقة أن يصبح المهاجر موضوعًا للصراع السياسي كلما اشتدت الأزمات، وكأن مساهمته تُنسى. وهذا لا ينفي تحديات الاندماج، لكنه يدعونا إلى ألا تضيع الحقيقة الإنسانية وسط الشعارات.

أفريقيا.. استقلال الأوطان واستمرار النفوذ

ولا يمكن الحديث عن فرنسا دون أفريقيا، ولا سيما البلدان الناطقة بالفرنسية، التي عرفت عددًا منها عن قرب، وتابعت آمال شعوبها وخيباتها بعد الاستقلال.

فقد تحقق الاستقلال السياسي، لكن مضمونه الاقتصادي والاستراتيجي بقي منقوصًا في حالات عديدة؛ إذ استمرت شبكة فرنسية من الاتفاقيات العسكرية والعلاقات التجارية والمالية والنقدية، بمساندة بعض القيادات الأفريقية التي رأت في قربها من باريس ضمانًا لبقائها، ولو على حساب مصالح شعوبها. رحل الاستعمار المباشر، وبقيت بعض أدوات النفوذ، حتى غدت السيادة أوسع في النصوص منها في الممارسة، واختلطت الروابط الثقافية واللغوية باعتبارات الأمن والمال والسلطة.

وبعد عقود من الغضب، شهدت مالي وبوركينا فاسو والنيجر تحولات أطاحت بترتيبات قديمة، وأفضت إلى خروج القوات الفرنسية وإعادة النظر في العلاقات مع باريس. لكن تراجع النفوذ الفرنسي لا يعني بالضرورة حرية الشعوب، ولا يجعل الحكم العسكري بديلًا أفضل؛ فالاستقلال الحقيقي يتطلب مؤسسات وقانونًا وحقوقًا للمواطن، ولا يكتمل باستبدال نفوذ أجنبي بآخر.

وتتحمل قيادات أفريقية بعد الاستقلال مسؤولية جسيمة؛ فبعضها استبدل السيطرة الأجنبية بحكم فردي، وأهدر الثروات وفرص بناء الدولة، فيما دعمت قوى خارجية أنظمة التقت مصالحها معها. لقد نالت شعوب كثيرة استقلال أوطانها، لكنها لم تنل بالضرورة حرية مواطنيها.

ولم تكن هذه التحولات بلا ثمن على فرنسا؛ فقد انحسر حضورها العسكري في الساحل، وتراجعت قدرتها على التأثير في ترتيباته الأمنية والسياسية، وأصبحت مصالحها وشراكاتها التقليدية أمام منافسة دولية متزايدة. لم يعد الإرث التاريخي واللغوي ضمانًا للنفوذ، وأصبحت باريس مطالبة بإعادة تعريف دورها في قارة تريد أجيالها الجديدة تقرير علاقاتها بنفسها. غير أن ذلك لا يعني انقطاع مصالح فرنسا وروابطها بالقارة، ولا يفسر مباشرة أزمتها المالية الداخلية، التي لها جذور أعمق.

دولة الرفاه أمام امتحان صعب

قامت التجربة الاجتماعية الأوروبية على اقتصاد ينتج الثروة ودولة توزع جانبًا منها لحماية الإنسان. لكن المجتمعات تشيخ، وتزداد كلفة التقاعد والعلاج، فيما يتباطأ النمو وتشتد المنافسة العالمية، وتتزايد الالتزامات التكنولوجية والبيئية والدفاعية.

وفي فرنسا تجاوز الدين العام الناتج المحلي السنوي، وأصبح التوفيق بين الإنفاق الاجتماعي وضبط المالية العامة أصعب. ومع ذلك، فإن تصوير دولة الرفاه عبئًا ينبغي التخلص منه خطأ؛ فالتعليم والصحة والحماية الاجتماعية استثمار في الإنسان وتماسك المجتمع.

التحدي هو صون هذه المكاسب وتحسين عدالتها وكفاءتها، دون توريث الأجيال المقبلة أعباء تفوق طاقتها. وخلف كل إصلاح مواطنون يتساءلون عن عدالة توزيع التضحيات؛ فالإصلاح لا يقوم على سلامة الحسابات وحدها، بل على ثقة الناس بأنهم شركاء في تقرير مصيرهم.

حين تتعقد السياسة تتعثر الإصلاحات

تأسست الجمهورية الخامسة في عهد شارل ديغول على مؤسسات رئاسية قوية، وساعدت الأحزاب التقليدية، وفي مقدمتها التيار الديغولي، على الاستقرار. لكن هذه التوازنات تراجعت، وصعدت قوى جديدة يمينًا ويسارًا، ولم يعد انتخاب رئيس كافيًا لضمان أغلبية برلمانية أو توافق اجتماعي. وقد كشفت انتخابات 2024 التشريعية حجم التشرذم؛ فالمؤسسات ظلت قوية دستوريًا، بينما ضعف السند السياسي للقرار.

وللشارع الفرنسي تاريخ طويل في التأثير؛ ففي مايو 1968 تحولت حركة طلابية إلى احتجاجات عمالية واجتماعية هزت حكم ديغول، وإن لم يستقل إلا في أبريل 1969 عقب خسارة استفتاء. واليوم تسرّع وسائل التواصل التعبئة والاحتجاج، لكنها لا تخلق وحدها دوافع الغضب الاقتصادي والاجتماعي.

ولا يجوز اعتبار كل معارضة للإصلاح رفضًا للمصلحة العامة؛ فمن حق المواطن مساءلة السلطة عن العدالة ونصيب الفئات المختلفة من التضحيات. فالاقتصاد يحدد حدود الممكن، لكن السياسة تحدد قدرة المجتمع على الاتفاق بشأنه. وهنا تكمن صعوبة فرنسا: ليست المشكلة موارد فحسب، بل بناء توافق يسمح بالإصلاح.

أزمات منطقتنا وتداعياتها على الاقتصاد الأوروبي والعالمي

لم تعد أوروبا تعيش في عالم ازدهارها بعد الحرب العالمية الثانية. فقد ظهرت قوى اقتصادية وتكنولوجية منافسة، وتعاظمت الضغوط الدفاعية واضطرابات التجارة وسلاسل الإنتاج. وتأتي الأزمات الخارجية لتزيد مشكلاتها البنيوية تعقيدًا، وتفرض على حكوماتها الموازنة بين متطلبات الأمن ومستوى معيشة المواطنين.

وتؤكد أحداث منطقتنا أن الخليج والجزيرة العربية ليسا مجرد مصدر للطاقة؛ فأمن الممرات البحرية فيهما وحولهما جزء من استقرار التجارة والاقتصاد العالمي. وأي اضطراب يمتد أثره إلى النقل والإنتاج والأسواق وحياة الناس في قارات بعيدة، ومنها أوروبا.

لكن تلك الاضطرابات لا تصنع وحدها الأزمات الأوروبية، بل تكشف مدى الترابط بين مناطق العالم، والحاجة إلى تعاون دولي يحترم السيادة ويسوّي النزاعات بدلًا من توسيعها. فأمن منطقتنا ليس خدمة نقدمها لأوروبا، كما أن استقرار أوروبا ليس شأنًا يخص الأوروبيين وحدهم؛ إنهما مصلحتان متداخلتان في اقتصاد عالمي لا تعترف أزماته بالحدود.

أزمة نموذج أم تحدي تجديده؟

لا أرى أن أوروبا فقدت أسباب قوتها؛ فما زالت تمتلك الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات العلمية والاقتصادية، وتقاليد القانون والديمقراطية، ورصيدًا ثقافيًا وإنسانيًا عظيمًا. والمجتمعات التي نهضت بعد حربين عالميتين قادرة على مراجعة خياراتها والتكيف، إذا امتلكت الشجاعة والتوافق.

لكن التجديد يقتضي الاعتراف بالمشكلات، والعدل في توزيع أعباء الإصلاح، ومراجعة ما لم يعد مناسبًا دون التفريط بما يستحق الحماية. ولعل المأزق يتمثل في التوفيق بين ثلاثة أزمنة: ماضٍ صنع الازدهار، وحاضر يتمسك بمكتسباته، ومستقبل يحتاج إلى قرارات صعبة.

أكتب لا متشائمًا على أوروبا، ولا متجاهلًا أخطاء تاريخها وسياساتها، بل ممن عرفوا حضارتها وتعلموا من ثقافتها، ويرون في استقرارها مصلحة للعالم. فنحن لا نحتاج أوروبا ضعيفة ومنغلقة، بل شريكًا في العلم والاستقرار والحوار وصيانة الكرامة الإنسانية.

ويبقى السؤال: هل تستطيع أوروبا أن تجدد أسباب قوتها، وتحافظ في الوقت نفسه على العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة الإنسانية التي منحت تجربتها مكانتها؟

لعل مستقبلها يتوقف على الإجابة، لا بالأقوال وحدها، بل بالسياسات التي تختارها والتوافق الذي تبنيه بين أجيالها ومجتمعاتها.

اقرأ المزيد

اللغة العربية والعالم الرقمي.. هل ينصف العرب لغتهم؟ اللغة العربية والعالم الرقمي.. هل ينصف العرب لغتهم؟

- إذا كانت التقنية الحديثة قد أثبتت قدرة العربية على التفاعل فلماذا حضورها الرقمي أقل بكثير من مكانتها... اقرأ المزيد

477

| 04 أكتوبر 2026

لنجعل من الأزمة طريقاً للبناء لنجعل من الأزمة طريقاً للبناء

-سمو الأمير لخصَ السياسة الخارجية القطريةفي معادلة تجمع القدرة بالحكمة - أهمية الخليج للاقتصاد العالمي لا تكفي لحمايته... اقرأ المزيد

819

| 27 سبتمبر 2026

الأمم المتحدة.. كيف تستعيد ثقة العالم؟ الأمم المتحدة.. كيف تستعيد ثقة العالم؟

-القضية الفلسطينية المتضررالأكبر من تآكل دور الأمم المتحدة -الإصلاح المؤسسي للمنظمة الدولية يبدأ بمجلس أمن أكثر تمثيلًا للعالم... اقرأ المزيد

513

| 20 سبتمبر 2026

مساحة إعلانية