رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تختصر مسيرة الحكم الصومالي عمر عرتن قصة صعود لافتة لشاب استطاع أن يشق طريقه من بيئة رياضية متواضعة إلى الساحة الدولية، وصولا إلى محطة تاريخية في مدينة زالتسبورغ النمساوية. لكنها في معناها الأوسع، ليست قصة حكم كرة قدم فحسب، بل قصة إنسان بدأ بإمكانات محدودة، وتمسك بحلمه، وواصل التعلم والتدريب حتى وجد طريقه إلى واحدة من أكبر منصات كرة القدم في العالم، إنها قصة تستحق التوقف عندها، لا بوصفها نجاحا فرديا فقط، وإنما باعتبارها رسالة أمل لكل شاب يشعر بأن محدودية الإمكانات أو قلة الفرص قد تقف في طريق طموحه.
بدأ عرتن مشواره في التحكيم من الملاعب الصومالية، حيث لم يكن الطريق مفروشا بالإمكانات الكبيرة أو الفرص الواسعة، لكنه أدرك مبكرا أن ما يستطيع التحكم فيه هو نفسه؛ معرفته، لياقته، انضباطه، واستعداده للعمل. فحرص على تطوير قدراته من خلال التدريب والممارسة واكتساب الخبرة، حتى انتقل إلى المستوى الإفريقي وانضم إلى منظومة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا). وكان بلوغ هذه المرحلة يتطلب إلماما دقيقا بقوانين اللعبة، ولياقة وانضباطا، وقدرة على التعامل مع ضغوط المباريات، ومع تطور مستواه، اختير ضمن الحكام الأفارقة الذين كان مقررا لهم المشاركة في إدارة مباريات كأس العالم 2026. وكان ذلك محطة مهمة في مسيرته التحكيمية، غير أن مشاركته لم تتم على النحو الذي كان متوقعا.
واصل عرتن طريقه نحو فرص دولية أخرى سرعان ما أثبت فيها قدرته وجدارته. وقبل وصوله إلى زالتسبورغ، تلقى عرتن دعوة من الاتحاد الكويتي لكرة القدم لتحكيم نهائي الدوري الكويتي الممتاز بين نادي الكويت والقادسية. وكانت الدعوة تقديرا لكفاءته، وفرصة لإدارة مباراة حاسمة خارج نطاق المنافسات الإفريقية، ثم جاءت المحطة الأوروبية التي وضعت اسمه في سجل تاريخي، ففي إطار التنسيق بين الاتحادين الأوروبي والإفريقي لكرة القدم، تم اختياره أول حكم من خارج أوروبا لإدارة مباراة كأس السوبر الأوروبي في زالتسبورغ بين باريس سان جيرمان وأستون فيلا، كانت المسؤولية كبيرة، لكن عرتن تعامل معها بثقة وهدوء وحضور مهني، وقدم أداء راقيا داخل الملعب نال إشادة الخبراء في المجال. وهكذا لم يكن اختياره مجرد حدث رمزي، بل اقترن بأداء أكد استحقاقه للمستوى الذي وصل إليه.
وفي زالتسبورغ، وجد عرتن حضورا صوماليا لافتا. فقد توافد أبناء الجالية الصومالية في المهجر من مدن ودول مختلفة لمتابعة المباراة، وتحولت المناسبة إلى لحظة فخر مشتركة تجاوزت جمهور كرة القدم، لتشمل عائلات وأفرادا حرصوا على أن يكونوا حاضرين في هذه اللحظة، دعما واحتفاء بما حققه، وهم يشاهدون أحد أبناء بلدهم يتولى مسؤولية إدارة مباراة بهذا الحجم وعلى هذا المستوى الدولي، ولكن القيمة الحقيقية لقصة عرتن لا تكمن فيما أظهره من كفاءة واقتدار في إدارة المباريات في الميدان فحسب، وإنما في الرمزية التي تمثلها مسيرته للشباب في الصومال وإفريقيا والعالم. فحين يرى شابٌ شخصا بدأ بإمكانات محدودة، ثم يصل إلى ملعب أوروبي كبير ليتولى مسؤولية إدارة مباراة بهذا الحجم، فإنه يرى أمامه دليلا حيا على أن صعوبة البداية لا تحدد بالضرورة نهاية الطريق، وأن الطموح والعمل والمثابرة يمكن أن تفتح أبوابا تبدو في بداياتها بعيدة المنال. وهنا يمكن لقصة عرتن أن تكون رسالة إلى آلاف الشباب الذين يمتلكون الموهبة والطموح، لكنهم يفتقدون الإمكانات أو التدريب أو العلاقات أو الفرص.
فليس كل شاب موهوب وطموح بدأ مسيرته من أكاديمية متطورة، أو حظي بمن يكتشف موهبته في الوقت المناسب، أو أتيحت له فرصة الوصول إلى المكان الذي يتطلع إليه. بل إن مواهب كثيرة تتعثر، لا بسبب نقص القدرة، وإنما لغياب الفرصة التي تمكنها من إظهار قدراتها، ومن هنا تبرز أهمية الاستثمار في الإنسان. فعندما تُكتشف موهبة في الرياضة أو التعليم أو التكنولوجيا أو الفن أو ريادة الأعمال، ثم تُوفر لها فرص التدريب والتوجيه والأدوات والبيئة المناسبة لاختبار قدراتها، فإن أثر ذلك لا يقتصر على مساعدة فرد واحد، بل يمكن أن يتحول إلى استثمار حقيقي في مستقبل المجتمع بأكمله...إن رعاية المواهب تحتاج إلى منظومة متكاملة تشترك فيها الأسرة والمدرسة والاتحادات الرياضية والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والجاليات في المهجر، وكم من موهبة قد تكون اليوم في ملعب صغير، أو مدرسة متواضعة، أو نادٍ يفتقر إلى الإمكانات؟ وكم من موهبة يمكن أن تصل إلى منصات عالمية إذا توفرت لها الرعاية المناسبة؟
هذه الأسئلة أهم من الاحتفال بالإنجاز نفسه، لأنها تنقلنا من الإعجاب بالنجاح إلى التفكير في صناعة مزيد منه.
تقدم قصة عرتن درسا مهما للشباب؛ فهي تؤكد أن الظروف المثالية ليست شرطا للبدء، وأن تطوير الذات والتعلم من التجارب والاستمرار في العمل يمكن أن تفتح الطريق أمام الطموح. فقد تأتي الفرصة بعد سنوات من العمل المتواصل، وربما من طريق لم يكن متوقعا. كما تؤكد أن الاستعداد والمثابرة يجعلان الإنسان أكثر قدرة على اغتنام الفرصة حين تأتي، لكن الرسالة لا تتوجه إلى الشباب وحدهم، بل إلى المجتمع والمؤسسات أيضا. فليس المطلوب استنساخ موهبة برزت في ظروف استثنائية، وإنما بناء بيئة تساعد على اكتشاف المواهب ورعايتها وتطويرها، وتمنح أصحابها فرصا عادلة للنمو وإثبات قدراتهم، ولعل أجمل ما يمكن أن ترمز إليه الصفارة التي أطلقها عرتن في ختام المباراة التي أدارها في زالتسبورغ، أنها لم تكن إيذانا بنهاية المباراة فحسب، بل إعلانا عن أن الطموح قادر على تجاوز حدود الإمكانات. وهكذا تحولت قصته من إنجاز شخصي إلى رسالة أمل لكل شاب يملك موهبة ويتطلع إلى مستقبل يليق بها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- سفير جمهورية الصومال الفيدرالية لدى دولة قطر
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12144
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9987
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3471
| 22 أكتوبر 2026