رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"حضر الشعب ولن ينصرف" هو المعني الذي نتج من حوارات دارت الأسبوع الماضي، تنوعت بين الأجيال، وخلال المواقف التي تجري وهي يومية ولم يعد تكرارها مصادفة، ولكن جميعها تقر أن ما تتوقعه الأعين في مصر أن حالة من الإحباط تسود وتلقي بظلالها على الحركة، لا يتجاوز ملاحظة للقشرة الخارجية للمشهد، وأن عمق الأحداث يؤكد حضور الشعب المصري في المعادلة، وأن هذا الحضور يتعدى الشكل إلى المضمون، وأنه حضور واع بأمر قضيته التاريخية والتي تتمثل فيمن هو مصدر السلطة الفعلي، وكيف نصل للعدل الاجتماعي.
كانت الحوارات تصل لهذه الحقيقة، وكانت الوقائع تكشف عن انهيارات في بنية السلطة والسياسة.
السلطة تسعى بكل ما تملك إلى حصار الحركة، وأداتها في ذلك وزارة الداخلية، ذات السقطة التي وقع فيها نظام مبارك، وحركة وجودها يلفه صمت مطبق، وكأن ما يجري لا يعني لها شيئا، ولكن الحقيقة أنها لا تملك معه شيئا والفارق بين الأمرين، أن مشروع جماعة الإخوان لا يتجاوز الاستيلاء على السلطة وأيا كانت الوسيلة، حتى وإن انهارت القيم أو انهارت الدولة ومهما كانت الأضرار التي تصيب منظومة الأمن القومي المصري.
تمارس الداخلية التنصت والاعتقال وافتعال الأزمات لتفريغ الحركة من كوادرها، ولكن تلك الكوادر تكشف الحقيقة وتتعامل معها بحالة من عدم الاكتراث، يبدو للوهلة الأولى عدم إلمام بالخطر، ولكنه في الواقع إنهاك متبادل، أو حالة من الاستنزاف تمارسه كل الأطراف تجاه بعضها البعض، فمن سيخرج من هذا الاستنزاف وهو قادر على تجاوز المرحلة؟ سؤال هام، ولكن الأهم أنه تفكيك مستمر لمحاولات التمكين التي تمارسها السلطة.
ووصلت أجراس الخطر إلى حد أن تبادر الجماعة عبر رئيس حزبها بالاتصال بالبرادعي، في محاولة إلى ترطيب أجواء المواجهة، ولكنها حركة خارج ميدان الصراع، وهي نفس مدرسة النظام السابق، الذي كان يرى أن معارضة شكلية تعني استمراره في تحقيق أهدافه بالتنازل الشكلي وبالأحاديث الطاحنة خارج قضية الصراع الرئيسية، من يحكم وأين هي العدالة الاجتماعية؟
من الخطأ تصور أن هناك صراعا بين الجماعة وبين المعارضة، لأن الحقيقة الآن أن الصراع بين الجماعة والمعارضة معا في مواجهة الشعب، والشعب لم يدفع بكامل قدراته بعد في هذا الصراع، بينما السلطة وصلت إلى حائط الصد الأخير وهو الداخلية، وبذات أساليب الاستبداد، الأمر الذي يخصم من رصيدها ويضيف إلى رصيد التحريض ضدها.
يرى البعض أن هجمة الداخلية بالقتل والتعذيب والاعتقال وتلفيق التهم تستهدف إعداد الساحة للانتخابات القادمة، فالكوادر منشغلة بهذه الوقائع، بينما جماعة الإخوان منشغلة بالإعداد للعملية الانتخابية.
ويتردد من جديد هتاف يبدو استدعاؤه مناقضا لمسار الأحداث، فالمظاهرات تتجه إلى القصور الجمهورية، ولكن واحدة منها تتجه إلى وزارة الدفاع مرددة هتافا "يسقط حكم العسكر"، تحت دعوى أن حق القصاص أولى من قضايا التغيير، ولكن حقيقته هو محاولة لوضع الجيش في حالة الدفاع عن النفس، وأن نتيجتها السياسية تصب لصالح الإخوان.
وتتجاوز قراءة أخرى مسألة الانتخابات، إلى أن الهدف الحقيقي هو سيناء، وترتيبات تجري تمس الأمن القومي في عمقه، وأن هذه الترتيبات تهدف إلى تحويل الجيش المصري إلى حالة بوليسية لمواجهة الإرهاب، وإعداد سيناء لمشروع الحل النهائي للقضية الفلسطينية.
وتصل عبر قنوات فضائية تصورات تبدو أنها نوع من الخيال، تقول إن هناك في غرب مصر معسكرات لإعداد وتدريب عناصر للقيام بعمليات إرهابية في شمال المتوسط، وأن الناتو رصد هذا، وأن موقف الناتو من المعسكرات "قد يقترب من العمل العسكري". وتحمل الأخبار وقائع تمت الأسبوع الماضي أولاها اختراق لطيران منخفض، لجنوب سيناء، والطائرات من دون علامات مميزة، تم رصد الاختراق، وجرى تقييد القوات المصرية من التعامل معه. والواقعة الثانية عبور قطع بحرية إسرائيلية لقناة السويس في اتجاه الجنوب، ولفت النظر تجاوزها القانوني بعدم رفع العلم المصري أثناء العبور، ولكن الأكثر إثارة للانتباه لماذا تتحرك أربع قطع بحرية في اتجاه خليج السويس والبحر الأحمر؟ وأيضا واكب كل ذلك نشر الصحف لتصريحات للمتحدث العسكري المصري بأن القوات المصرية بصدد تجديد الحملة العسكرية في سيناء لمواجهة التجمعات المسلحة هناك والتي يحول القرار السياسي المصري للسلطة من التعامل معها.
ويواكب ذلك كله مواجهات حادة ومتجددة بين الداخلية والمتظاهرين، تبدو أنها غير منظمة، وأنها متناثرة ولا رابط بينها، ولكنها تؤكد أن حالة المواجهة لا يصنعها فرد أو تنظيم، ولكنها تحمل في طياتها إشارات لمواجهات أكثر عمقا واتصالا وارتباطا في المستقبل، هي في ذاتها إشعار بأن حربا داخلية من نوع جديد قيد التشكل، وأن محاولات تجاوزها باتفاق بين عجز السلطة وعجز المعارضة على اقتسام الغنائم والاكتفاء بذواتهم، هو في ذاته عجز عن استيعاب جوهر الاحتياج الشعبي في العدالة الاجتماعية، والهروب منها إلى قضايا تداول السلطة.
الشعب يواجه الداخلية بكل أدواتها وبلا رادع لها من قانون أو من دروس تجربة المواجهة طوال العامين الماضيين، والسلطة والمعارضة معا في غرف خلف أبواب مغلقة، يمارسون حوار الطرشان بينهما كما يمارسونه مع الشعب.
من سيواجه الإخوان؟ وكيف؟، هو سؤال اللحظة في مصر، وفي مواجهته من سيحمي أمن مصر القومي؟
الحقيقة أن السؤال في الداخل من سيواجه الإخوان وأمريكا وإسرائيل؟ وفي خارج مصر السؤال كيف سيتم ترويض مصر بعد الثورة؟
الفارق جوهري، فالإخوان ليسوا مصر على الإطلاق، وبالتالي فإن السؤال الداخلي مشروع، ويمكن حله داخليا أيا كانت الوسائل والأساليب والثمن المدفوع في المواجهة، دما كان أو زمنا من عمر الوطن، ولكن سؤال من سيروض مصر هو السؤال الأكثر إلحاحا على العقل لمواجهته.
لا يقبل أي عقل أن التدخل الخارجي، وبالقوة المسلحة يملك قائمة أهداف "إخوانية"، ولكنه يتحدث عن مواقع "إرهابية"! وبذلك فإن التدخل الخارجي له مبرر لاستهداف كل عوامل القوة الوطنية المصرية، وهو يرمي في النهاية إلى إقرار تسوية لصالح الخارج ولصالح إسرائيل، وأيا كان مصدر هذا الخارج، أمريكا أو الغرب أو تركيا أو إيران أو حتى دول الإقليم.
والمأخذ الرئيسي على الإخوان هو سرقة الثورة ومحاولة السيطرة على مصر، أو الترويض الداخلي لمصر الشعب والإمكانات والهوية، ولكن المأخذ الأخطر عليهم، هو أنهم يقدمون أوراق اعتمادهم لتحقيق هذا الهدف إلى الخارج، فصنعوا من أنفسهم أداة داخلية لترويض مصر وفق الإرادات الخارجية، مقابل استيلائهم على السلطة.
والتدخل الخارجي له بنك أهدافه العسكرية الخاص به، وأول أهدافه القضاء على الجيش الوطني المصري، بينما تطور أهداف الثورة أضاف هدفا مناقضا لذلك وهو إعادة بناء الجيش الوطني المصري.
هكذا يبدو أن الحضور الشعبي يحارب معركته الأساسية في امتلاك الشعب لجيشه وإعادة بنائه. وبذلك يصبح إعادة ترديد هتاف "يسقط حكم العسكر"، حتى وإن كان افتراض حسن النية يأخذه بأنه القصاص للشهداء من قاتليهم، غير أنه يمضي مواكبا لهدف خارجي ومطلب سياسي إخواني في إطار صراع السيطرة على السلطة بين القوى الداخلية.
ويبقى أن مواجهة الإخوان لا يجب أن تكون بذات منهجهم، بالقبول بتدخل خارجي على الإطلاق، بل إن أحد أسباب مواجهتهم بالإضافة إلى كافة المبررات السياسية، هو خطر الانصياع للإرادات الخارجية. فهل يمكن أن يستوعب الإخوان هذا الفارق، لا أعتقد، فمقومات وجودهم الداخلي لا تؤهلهم للسيطرة على وطن وشعب ودولة، فضلا عن عجزهم عن استيعاب حاجات المستقبل وعدم امتلاكهم لمشروع وطني واضح غير الاستيلاء على السلطة ثم من بعد أي شيء آخر.
خرج وزير العدل في الحكومة الإخوانية ليقول إن الجيش هو الذي يمكنه غير الإخوان إدارة البلاد، ولم يتضح من وزير العدل هل هو يعرض للحل، أم أنه يهدد بقدوم الجيش إن رفض الشعب الإخوان؟
أصبح مطلب الوحدة بين الجيش والشعب مطلبا له مبرراته الداخلية والخارجية. داخليا الحقيقة التي أقر بها وزير العدل الإخواني، ومن قبل ذلك أن الجيش في ذاته مستهدف، وأن قضايا الأمن القومي والدفاع في منتهاها تصل إلى مسؤولية الجيش المباشرة استراتيجيا وتنفيذيا.
نعم حضر الشعب ولن ينصرف دون تحقيق أهدافه، وصار حضور الجيش المصري في المعادلة مطلبا ملحا، ليس بقاعدة إرضاء الخارج بحوارات تبويس اللحى بين فصائل سياسية في السلطة أو المعارضة لأنهم جميعا خارج ثقة الشعب وأسقط عنهم شرعيتهم، ولكنه حضور بمعنى الدفاع عن الوجود ذاته.
مصر تعيد ترتيب الأوراق، والزمن لصالح الشعب، والاقتصاد في الزمن والجهد مطلوب لأن احتياجات البناء والتنمية أكثر إلحاحا، لأن صبر الفقراء على الجوع مع امتهان الكرامة والكذب الملبد في الأجواء، يفتح الباب لحرب أهلية تعيد مصر إلى الخلف لزمن سحيق يعلم الله مداه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4260
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3207
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1125
| 28 سبتمبر 2026