رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أينما ذهبت يواجهك سؤال من يحكم مصر؟، مشفوعا بإجابات عديدة، ومع مرور الوقت بعد انتخابات الرئاسة تعددت الخيارات، البعض يؤكد أنه مكتب الإرشاد، والبعض الآخر يتجاوز ذلك إلى أن التنظيم العالمي للإخوان يحكم ويملك القرار، ويتعدى بعض ثالث إطار الإخوان إلى أن الحاكم الفعلي هو أمريكا لأنها وضعت محددات للقرار، أو أنها وضعت فيتو سابق على اتخاذ القرار، فصار أي قرار في حدود سيطرة المندوب السامي الأمريكي في مصر، وهذه الاحتمالات تجد لها في الواقع مبررات للترجيح، تتجسد في مجملها بغياب خطاب سياسي لرجال الدولة، كما أن القرارات التي تصدر من الرئاسة تتسم بالاستفزاز في أغلبها، إلى أن يصل الحال بأحد الإعلاميين للقول إن ألد خصوم الإخوان في مصر هم الإخوان أنفسهم، وأن أي جهد مهما بلغ قدره لا يمكنه أن يحقق ما تحققه قرارات الرئاسة المصرية في الوقت الراهن ضد الإخوان، ويستند في ذلك إلى حالات التخبط من إصدار للقرارات ثم التراجع عنها، كما يستند إلى حالة الوجد الشديد بين وزير الخارجية الأمريكية الجديد وبين الجماعة، ثم الحالة التي تجمع بين حماس التنظيم وبين مكتب الإرشاد وبالتالي القرار في مصر، وتأكد أن موقف فرنسا من زيارة الرئيس المنتخب التي جرى تأجيلها كان بسبب حالة التماهي في مواقف النظام مع أي فعل يحمل عنوانا إسلاميا دون تحليل مضمون للأفعال، وكان المثال الأساسي ما يجري في مالي، وغير هذا كله حالة الانفلات الداخلي في مصر من تصريحات حول تشكيل ميليشيات بديلة أو معاونة للشرطة، ثم التجاوز في الحديث عن الاستعداد لمواجهة الجيش إذا نزل الجيش للشارع، وكافة المبررات لأي من التصورات تكشف أن مصر تحولت إلى قرية بدائية قياسا على إرادة الحاكم أياً من كان.
ويجري التجاوز في حده الأقصى على بعد الأمن القومي والبعد الاجتماعي في مصر، ففي الأول هناك مواجهة واقعة على أرض سيناء، واتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وقطاع غزة، وفي كلّ منهما جرى أولاً تقييد القوات المسلحة المصرية من التعامل مع وجود تنظيمات مسلحة إسلامية في سيناء، كما جرى القبول بشروط إسرائيلية أمريكية لتحقيق وقف إطلاق النار أدت إلى إطلاق يد أمريكا في سيناء، وامتلاك قرار الاشتباك مع ما تراه من تجاوز بعد منحها حق التفتيش والبحث عن الأسلحة ومخازنها في سيناء، ثم القبول بنشر أجهزة إلكترونية على طول الحدود المصرية مع إسرائيل، وهو قرار قالت عنه إسرائيل إن مبارك لم يقبل به!
ويجري التعدي بعمق على البعد الاجتماعي في موجة الحديث عن عجز الموازنة وأن الحل هو تقليص الدعم، ليتحول الشعب الذي كان يطالب بعدالة في المرتبات والأجور، كمصدر رئيسي لتمويل عجز الموازنة من دخله، ليزداد الغلاء وتنخفض قيمة الجنيه أمام الدولار بما يتجاوز 15% وبدون أي مؤشرات لتوقف الانهيار في قيمة العملة.
ومن مظاهر التجاوزات تلك الحالة التي يتفرغ فيها المتحدث العسكري باسم القوات المسلحة، ومن يطلق عليه "مصدر عسكري، للحديث عن حالة داخلية وليس حالة في مواجهة عدو خارجي، وكأن العدو للقوات المسلحة قد انتقل للداخل ممثلا في كيانات الجماعات الإسلامية وتصريحات عناصرها ضد الجيش المصري، في تجاوز هو الأول من نوعه في التاريخ المصري، وصار الجيش المصري مطالبا بالحصول على الرضا الإسلامي من الداخل، وكأننا نرجع إلى عصور الاحتلال.
ومظهر آخر يتمثل في تصريحات لقادة من حماس بأنهم لا أطماع لديهم في سيناء!!، وإلى هذا المدى تقزم الوجود المصري، وانهار الأمن القومي المصري، واختزلت القضية الفلسطينية في جماعة حماس، حتى إن محمود الزهار، الرجل الذي كان صمته يوحي أنه يستوعب العلاقة مع مصر، تحدث إلى فضائية مصرية بأن بديل الأنفاق فتح المعابر، وأنهم غير مسؤولين عنها، وإذا كانت مصر تريد إغلاقها، فلتفعل ذلك من جانبها!، حالة من التجاوز ما كان يمكن حدوثها سوى بغياب القرار المصري وتخبطه. وفي زمن مبارك كانت وجهة نظرنا أن الأنفاق أدوات للأمن القومي المصري لأنها ترفع الحصار المرير عن أهل غزة، ولكنها الآن تبدو ثقوبا في جدار الأمن القومي المصري.
ويصل الحصار الاقتصادي إلى مصر ذاتها، فالاتحاد الأوروبي يمتنع عن أي دعم للاقتصاد كما يرغب فيه الحكم في مصر، ويتوقف صندوق النقد الدولي، وتتردد أمريكا "أوباما - كيري" في تقديم المعونات، وكل ذلك سببه أن القرارات الداخلية لا توحي بنظام حكم ديمقراطي، وكأنهم هم الأحرص على مصر والمصريين، ولكنها لعبة الأمم والمصالح، والتقدم على مسار التركيع لمصر واستنزاف أقصى ما يمكن من الإرادة وتحقيق أقصى حالة لاستسلام النظام الحاكم يمكن تحقيقها.
لا أحد يستطيع الجزم بمن يحكم مصر الآن، ومن يتخذ القرار فيها، وتظهر من ذاكرة التاريخ أمامنا ذلك التفسير الذي تحدث عن أحد محددات الإسهام في انهيار الاتحاد السوفييتى، بأن عميلا للمخابرات الأمريكية لم يكن دوره يتجاوز "تعيين الأشخاص غير المناسبين في الوظائف الحساسة من الدولة"، وأن هذه المهمة كانت كفيلة بانهيار لمؤسسات الدولة، وكأننا الآن أمام مشهد يتكرر في مصر في إطار ما يسمى بالأخونة، والتي ينفي البعض وجودها، ولكن كل أمر يجري نفيه له في الواقع ما يدعمه، والمعلومات تؤكد حدوث ذلك.
جرت هذا الأسبوع واقعة في نقابة المهندسين تندرج تحت عنوان من يتخذ القرار؟ ولها دلالاتها العميقة لأنها تدور داخل البيت الإخواني. تمثلت الواقعة في استقالة المهندس عمر عبدالله عضو مجلس النقابة مسببا لاستقالته "لم أستطع التكيف مع متخذ القرار في نقابة المهندسين". كان عمر المسؤول عن ملف المهندسين بالجماعة لمدة عشر سنوات، وخاض ضمن سكرتارية "مهندسون ضد الحراسة" مواقف متعددة مع باقي التيارات السياسية منذ 2003 حتى إجراء انتخابات النقابة في 2011، ممثلا لجماعة الإخوان، وبعد نجاحه في انتخابات النقابة وحصول الإخوان على الأغلبية، كان متوقعا أن يكون مرشح الإخوان لمنصب الأمين العام للنقابة، لخبرته بالعمل في النقابة، ولقدرته على الحوار مع باقي التيارات السياسية في النقابة للرصيد المشترك بينه وبينهم. وقد شاركت شخصيا مع الزميل ممثل الإخوان ــ وهو عضو بمكتب الإرشاد ويتولى منصبا وزاريا الآن ــ بلجنة إدارة النقابة في فترة الانتخابات والتي توليت خلالها رئاسة اللجنة العامة للانتخابات بالنقابة، في حوار حول هذا الأمر، ولكنه كان قرارا تنظيميا لم تتراجع عنه الجماعة بإقصاء عمر عن هذا المنصب، وهو قرار أقرب إلى الاغتيال المعنوي. وفي حينها ــ ديسمبر 2011 ــ سألته ماذا بينك وبين خيرت الشاطر ليتخذ منك هذا الموقف، ولكنه أبى أن يسلم بأن خيرت الشاطر هو صاحب القرار. ويصف زملاء عمر بأنه راهب في جماعة الإخوان، لذا تكون استقالة عمر بعيدة عن شبهة العداء السياسي، بل هي اتهام صريح لمعاني التمكين، وأداءات التنظيمات السرية تحت راية السمع والطاعة، ويؤكد أنه حتى على المستوى النقابي والأغلبية محققة لهم، فإن اتخاذ القرار يتم بعيدا عن خط السلطة في النقابة ويعتمد على خط السلطة في التنظيم، وهو منطق يؤدي إلى هدم العمل النقابي، وهو معول ينال من أداء جماعة الإخوان داخل النقابة، ويكشف تكريسها لسياسة الإقصاء والاستحواذ.
قرارات تجرى صياغتها في إطار خط السلطة لتنظيم سري غير شرعي، ليجري تنفيذها في نطاق رئاسة الدولة أو مجلس نقابة، ولكل خط سلطة علاقات قوى ومسؤوليات مختلفة، فالتأثير يتجاوز أعضاء تجمعهم قاعدة السمع والطاعة إلى شعب مصر وإلى نصف مليون مهندس في إطار النقابة. لب الصراع الآن في مصر، هل ينضوي تنظيم الإخوان تحت خط سلطة الدولة أم تنضوي مصر تحت خط سلطة التنظيم.
ويترافق مع سؤال من يحكم مصر الآن، سؤال عمن يعارض في مصر الآن؟، وبقدر تشوه قرارات الحاكم بأمره في مصر، فقرارات المعارضة السياسية أصابها ذات التشوه، فالمشتركات بين مكوناتها متهالكة، وعلاقاتها بالشارع تتآكل ولا تحمل تصورا للحيلولة دون سيطرة تنظيم على الدولة بعد أن استولى على الثورة.
إن مشهد العنف في مصر، والتخبط في القضاء والتشريع، لا يعني بالضرورة أن ذلك يتم عن جهالة بأمور الحكم ونقص للخبرة، ولكن مشهد العنف واضطراده، ومحاولة إحلال بديل مسلح مواز لجهاز الشرطة، هو محاولة لنقل الانقسام الاجتماعي والسياسي إلى مرحلة العنف المسلح، وهي مقامرة بالوطن.
ارتكان التنظيمات الإسلامية على أعضائها وتوافر التمويل لديها، وتوافر سوق السلاح داخل مصر، أو عبر الحدود، يتيح لهم المبادأة بالخطوة الأولى، كما حدث أمام الاتحادية أو في بورسعيد والإسكندرية والمنصورة والمحلة وطنطا وغيرها، سواء بعناصر التنظيم أو مدعومة وداعمة بتشكيلات الشرطة.
امتلاك المبادأة في ظروف ما بعد ثورة يناير لا يعني القدرة على فرض تحول في خط السلطة داخل الدولة المصرية لصالح خط سلطة تنظيم الإخوان، وهو لا يعني بالضرورة امتلاك قدرة تجاوز ردود الأفعال أو تحملها.
انتقل الصراع والمواجهة بين أطراف داخل الوطن، إلى صراع بين مصر الوطن وبين جماعات وتنظيمات تكاد تكون غريبة على مصر وتاريخها الوطني وهويتها الحضارية.
معادلة التاريخ أن الوطن، جغرافيا وتاريخ وشعب، يبقى وكل ما عداه إلى زوال.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
7326
| 14 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4362
| 15 يونيو 2026
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
3756
| 10 يونيو 2026