رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
توصيف ما يجري في مصر الآن، وطبيعة المرحلة، والقوى المشتبكة فيما بينها، وطبيعة الاشتباك، وافق هذا الاشتباك، بقدر إلحاحه على العقل، فقد صار نوعا من الاجترار ويثير من الفرقة والارتباك أكثر منه ينير الطريق، والارتباك يؤدي إلى خلق بيئة خصبة للإشاعات وانعدام قدرة الفصل بين الوهم والحقيقة، وبين المهام الواجبة وأحلام اليقظة.
ما ينظر إليه البعض أنه نقطة الصدام، هو في حقيقته ما يظهر للعيان وما يتسرب من شقوق بين أطراف الفعل ورد الفعل الذي يتدنى في أغلبه إلى الأنين وليس الصراخ أكثر منه رد فعل بعمق وقوة الفعل وفي مواجهته.
كل محاولات رصد فعل الانقلاب على ثورة يناير 2011، وإن ادعى أنه في ذاته الثورة وغيره الحركة المضادة للثورة، تتكسر على صخرة عدم امتلاك قدرة تجاوز سطح الوقائع المباشرة الظاهرة للعيان، والتأرجح والتردد في الإمساك بحقائق الانقلاب مهما كانت مرارتها.
والانغماس في حسابات الفعل في كونه داخليا، أو هو مجرد رؤية لكيان وطني قد تختلف معه أو تتفق، وأن اختلاف الرؤى يفرض الحوار سبيلا بين الأطراف لعلها تجد بينها هوامش مشتركة، هو تجاهل آخر لعمق الفعل الذي تواجهه حركة الشعب في مصر، ويفرض وجوب الوعي بالقوى الخارجية من منها معاديا ومن منها صديقا، وليس في عالم الصراع معيار للخصومة أو الاتفاق سوى مدى تناقض المصالح أو اتفاقها، وأن الركون إلى أوهام أن العلاقات بين الدول ــ حتى تلك الشقيقة ــ تقوم على الخواطر أو تتجاهل المصالح هو نوع من الهذيان في العلاقات الدولية.
يثير في غالب الأحيان إحساس عدم القدرة على مواجهة الفعل إلى البحث عمن نكيل له الاتهام، وهي سقطة أخرى ولكنها سقطة إستراتيجية، وانحراف مزدوج التأثير، فمن حين إلى آخر يجري توجيه الاتهام إلى الشعب أنه تواكل ولزم بيته وأنه يقبل بما يطيح بحقه في الحياة، وهذا في ذاته أحد أوجه الانحراف، فالشعوب لا تقاتل كل الوقت، ولا تتحدث في الصراع وتخوضه كل الحياة، ولكن الشعوب بصبرها وألمها تفتح كتاب الألم والآمال لمن يملك البصر والبصيرة، أما الذين يكتفون بالرصد بصرا ويفتقدون البصيرة، فهم فوق الانحراف يصيرون عبئا على نضالات الأمم ولا يصلحون لصناعة مستقبلها ولا يملكون شجاعة وأدوات صناعته. ويكمن الوجه الآخر للانحراف في خشية من يتصدى للفعل أن ينفض عنه الشعب وكتله الاجتماعية، وبديلا من تحمل مسؤولية التعبير عن الشعب وفق ما يفرضه واقع المواجهة، تتحول هذه الخشية إلى سلاسل قيد يعيق الإبداع في الحركة، وينحرف بالقرار بعيدا عن متطلبات الواقع، وعمق المواجهة.
في زمن مضى ــ وليس من اليسير أن ينقضي أثره ــ كان هناك تصوير لبعض ممن يكتبون أو يقررون أمر مواقفهم في مواجهة التردي، إن الخشية من مخبر الأمن السياسي يعشش في الرؤوس والأقلام، وأضيف إلى ذلك التوصيف مقولة "ثقافة الهزيمة"، وهي التي تحاصر الإبداع وتعدم المبادرة، ويقبع سجين الخوف والتردد، وهو نقيض ما حققته ثورة يناير عندما كسرت حاجزي الخوف والتردد.
الفارق الجوهري بين الفعل المضاد للثورة وبين فعل الثورة في مصر، هو الفارق بين وضوح الهدف وضبابيته، فهدف القوى المضادة للثورة كان واضحا منذ اللحظة الأولى وتجسد في أمرين داخليين، أولهما ألا يتحقق بالفعل الشعبي أيا من الأهداف التي يريدها ويحتاجها، والثاني إجهاض إمكانية حدوث هذا الفعل، فقد مثلت حركة الشعب وصحوته رعبا للأطراف الخارجية بالأساس، وتمثل أمامها أن انطلاق الإرادة الشعبية لن يمكن كبح أثرها على تنمية إمكانات الدولة وبالتالي الدور الإقليمي، وكان البحث عن بديل لنظام سقط يملك خبرة ومخططا وأدوات للتنفيذ.
تمثلت الخبرة في الرؤية البريطانية التاريخية لطبيعة المنطقة ودور الدين فيها، وكما كانت تبحث قبيل إنشاء إسرائيل عن زعامة دينية للمنطقة تقودها وتعمل من داخل عباءة بريطانيا، فهي أيضاً فتحت الباب لذات الرؤية أن تعمل أثرها في إنشاء تنظيم القاعدة، كما أن ذات التصور اعمله السادات في مصر لمواجهة الوجود الناصري واليساري في الداخل بإنشاء الجماعات الإسلامية.
وكان المخطط الأمريكي في إزكاء الصراع المذهبي السني الشيعي حسب خطة "ديك تشيني، ابرامز، زلماي خليل زادة وبندر بن سلطان"، يلتقي وجملة الخطط الأمريكية للمنطقة، وأسلمة الصراع في المنطقة، ووجد ضالته في جماعة الإخوان، والتقت الغايات، وكان الثمن هو تحقيق الأهداف الداخلية بإنهاء الإرادة الوطنية وإجهاض أهدافها، وتحقيق أمن إسرائيل.
هكذا التقت الخبرة البريطانية، وتاريخ علاقتها مع جماعة الإخوان، وتركيا أيضا، مع المخطط الأمريكي وصارت الأداة طيعة وتتستر بالعباءة الدينية.
إن طبيعة هذا الصراع الذي دخله الشعب تفرض عليه أن يعمل مشرط الجراح في المجتمع وأن يملك تحليلا سياسيا يدرك أبعاد الصراع.
وهذا التحليل السياسي يجب أن يتصدى لموجات الحرب النفسية الدائرة رحاها في المجتمع المصري، والتي تحاول أن تؤكد أن الشعب قد خسر ثورته، فحسابات الخسارة والمكسب في تاريخ الشعوب ليست عمليات رياضية بحته، ولكنها معادلة اجتماعية وسلوكية، معادلة وعي وانتماء، تراكم التجارب عبر تاريخه، وصل إلى ذروة تغير نوعي في محصلة الإدراك الشعبي، وهذا التغير في السلوك تكشف عنه المواقف وأساليب التفكير وتقييم القوى، ونظرة أمينة إلى الوضع في مصر الآن تؤكد أن "الشعب قد حضر ودخل معادلة الصراع ولن ينصرف"، وتزيد قدرة الشعب بكسر حاجز الخوف، ويبقى أن من يعرض نفسه على الشعب المصري عليه أن يحذر من حضوره، ومن قدرته على تمييز المواقف، وقدرته على أن يكشف الصدق من الكذب، وأنه يملك جسارة القبول بالتضحية أن صدقت قيادته ولم تخادعه، ويستطيع الصبر ويقبل التحدي، وهدم كل هذه القدرات هي غاية الحرب النفسية.
الرفض الشعبي لجماعة الإخوان المسلمين هو خسارة للجماعة، فبعد أن كانت المطاردات لهذه الجماعة تتم عبر الأجهزة الأمنية فالرفض اليوم شعبي، ووصل الأمر أن الرفض يكاد يصمهم بالخروج عن الدين، وليس الإخوان وحدهم ولكن العديد من الجماعات الإسلامية.
وكشفت الجماعة عن طبيعة محتواها الاجتماعي والاقتصادي، وكلاهما يناقض طبيعة الأفراد من أعضائها، فقبل وصولهم إلى الحكم كانت نقاط تواصلهم مع الشعب تتمثل في الأفراد من أعضائها، ولكن عندما انكشف موقف التنظيم قبيل ثورة يناير وحتى اليوم، لم تعد الجماعة ذلك الوهم الكبير، ولكنها الحقيقة المفزعة للشعب، والقصور في الإمكانات البشرية، والتصورات والانتماء، حتى أن الجماعة قد أضرت بانتمائها الوطني وهو أخطر ما يمكن أن يصيب جماعة أو تنظيما في أي مجتمع أن يصبح انتماؤها للوطن محل نقاش وليس الشك.
إن حصاد الشهداء والمصابين منذ وصول مرسي إلى الحكم تضعه في دائرة المسؤولية القانونية عن القتلى والمصابين، كما هي المسؤولية التي جرى محاكمة مبارك بشأنها.
إن تكالب الجماعة وسلطة الحكم التابعة لها كشفت عن وجهها الخارج عن تاريخ الوطن وهويته الحضارية واحتياجاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
البحث الجاري في مصر الآن ليس مفاضلة بين المشاركة في الانتخابات النيابية أو مقاطعتها، ولكن الدم والثأر في حياة الشعوب نقط انقلاب على الأنظمة، حتى وإن طال زمن الإعداد للانقلاب عليها.
الأمر في مصر الآن هو كيف يمكن إيقاف الانتخابات والحيلولة دون إتمامها. وفي مواجهة ذلك تستدعي سلطة الإخوان المواجهات الأمنية وليس السياسية في مواجهة الاحتجاجات الشعبية، ولا تعرض على الشعب سوى حالة من العناد والإفراط في الإرهاق الاقتصادي، ودوامات القوانين السيئة السمعة.
مرسي يمضي وجماعته على ذات طريق مبارك، وإذا كانت نهاية مبارك في مستشفى عسكري، فالتاريخ لن يعيد نفسه، خاصة لمن لا يعي دروس الشعوب وقدراتها.
وإذا كانت نهاية الحزب الوطني سبقت الحكم على مبارك، فغطرسة الجماعة أنهتها شعبيا.
ولعل حسابات المكسب والخسارة تطال الجماعة وهي تتجاوز قدرها مع عبد الناصر الذي حاولوا اغتياله عام 1954، وليبقى يطاردهم بعد رحيله بثلاثة وأربعين عاما من قبره، فالشعب يستدعي موقفه منهم، والشعب يستدعيه نداء من أجل العدالة الاجتماعية، فمن هو الخاسر الحقيقي.
ويتطاول أحد عناصرهم بأن القومية العربية وهم، ويخسرون حتى احتمال احترام وعيهم، فدلالات الجهل تفرض المواجهة، وتخصم من وجودهم زمنا يتجاوز عمر اسمهم. وسيبقى النضال الوطني من أجل الاستقلال والوحدة والعدالة الاجتماعية غاية الشعب.
المواجهة الآن بين الشعب وكل الإرادات المعادية له وأداتهم جماعة الإخوان.
وليحذروا مفاجآت الشعب المصري، فالشعب من الصبية حتى النساء في المنازل، تراهم أدوات للسيطرة الأجنبية، وتراهم يتخذون من مصر موطئ قدم ولا يرونها وطنا لهم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1464
| 18 مايو 2026
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
1413
| 23 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1314
| 19 مايو 2026