رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إذا أثار شخص بهيئته وتصرفاته وبما يحمله، الريبة في مكان ما وفي زمان ما، يوصف بأنه أثار الشبهات من حول نفسه، وقد يعترضه رجل أمن ويقوده إلى قسم الشرطة للتحقيق، وإذا وجد معه ما يخالف، عرضه على النيابة التي تبحث مدى مخالفته للقانون، وترى فيه قرارها إما إحالته لمحكمة أو الإفراج عنه إن استطاع تفسير ما استدعى به الشبهات.
تكاد تحيط الشبهات بما يجري في مصر، فالريبة صارت هي أول ما يدخل إلى النفس المصرية من أي فعل خاص أو عام، خاصة وأن معيار الاشتباه صار مطلقا وشخصيا لغياب القانون الذي يحتكم إليه المجتمع، والمجتمع يبدأ احتكامه وتقدير العلاقات داخلة بالعقد الاجتماعي التوافقي بين أطرافة، أي بالدستور.
معركة الدستور التي بدأت في أعقاب 11 فبراير 2011 كانت أولى حالات الاشتباه، لماذا يفعل ذلك المجلس العسكري الذي يدير البلاد، وكيف ومصر تزخر برجال الفقه الدستوري، لجأ إلى لجنة أقل شبهة بها أنها تنتمي إلى جماعة الإخوان، وقاد البلاد إلى أولى خطوات الانقسام، ومازالت حالة الاشتباه تطارد أعضاءه رغم مضي 27 شهرا منذ ذلك التاريخ.
وتمادت عوامل انقسام المجتمع بتعرضه لحملات الفتنة المتوالية، بدأت بفتنة الأجيال ثم الفتنة الطائفية ثم الفتنة في الدين ذاته، ولتنتهي بمحاولات هدم الدولة، وآخرها تجسد في الموقف من الأزهر والكاتدرائية، ثم بتسريب أخبار من مضمون أوراق لجنة تقصي الحقائق حول دور للجيش المصري في مواجهة شباب الثورة.
من سرب الأوراق والمعلومات، وما مدى صحة هذه الوقائع؟ هي أسئلة مشروعة، ولكن حالة الريبة داخل المجتمع وضعتها ضمن سلسلة طويلة من علامات الاستفهام لا تجد ردا عليها، بل إن التعامل معها من وزير الدفاع كان مثيرا للدهشة أكثر منه باعثا على الراحة، فبدلا من أن يقرر اتخاذ إجراء عملي للبحث والتدقيق والتحقيق وإحالة الأمر للقضاء إن وجد ما يستدعي ذلك، وقف أمام الصحفيين يقسم بالله "أن الجيش لم يقتل ولم تصدر أوامر بالقتل". ولكن هناك قتل وسحل وتعذيب وهناك سرداب داخل المتحف المصري وهناك مشاهدات عينية وهناك شاشات تلفزيون صورت ونقلت، فلماذا القسم دون تحديد الجاني؟ لمصلحة من التستر؟ وتخرج مقولة "عدم تشويه الجيش" لتطارد محاولة الوصول للحقيقة، وكأن البحث عن الحقيقة تشويه، ونشر وثيقة في الصحافة المحلية والخارجية دون رد موضوعي ليست هي التشويه ذاته، وإذا قبل المصريون القسم بالله من وزير الدفاع، فهل يقبل العالم، ولماذا الدخول إلى دوائر الاشتباه، وفرض القداسة على الرد بالقسم؟
بقدر ما رفضنا هتاف "يسقط حكم العسكر" منذ لحظته الأولى، وكنا نراه محاولة لتعامل منحرف مع المؤسسة العسكرية، فإننا لا نستسيغ الاكتفاء بقسم مطلق دون تحقيق، فالله وحده أعلم بالنوايا ولا نملك قدرة التفتيش فيها.
الريبة والشبهات غيوم في سماء مصر الآن، ودواعيها بلا حدود.
وقائع ما جرى أمام الاتحادية يوم 5 ديسمبر مازالت دون التحقيق فيها وكشف مسؤولية جماعة الإخوان عما جرى يومها، من استدعى أعضاء الجماعة، وكيف جرى حشدهم وعلى عجالة، وتقسيمهم إلى مجموعات حتى أن أحد مسؤولي هذه المجموعات اتصل بأحد المستقيلين من الجماعة ليحدد له التوقيت ومكان التجمع، وهو ما كشف لنا حقيقة التنظيم للهجوم من قبل الجماعة بعيدا عن لغو القول.
واقعة الإفراج بعفو رئاسي عن الحارس الخاص لنائب مرشد الجماعة، خيرت الشاطر، بعد حكم المحكمة على الحارس بالسجن لمدة سنة لحيازته سلاحا من دون ترخيص، وبلا مبرر، والحديث عن العفو الرئاسي عن مسجونين على قضايا جرائم (خاصة تجار مخدرات) ممن كانوا مع الرئيس نفسه في السجن الذي جرى تهريبه منه، أمر أثار الشبهات، ولم يجد أحد مبررا له.
وواقعة محاكمات فتح السجون وخروج مرسي منها ومكالمته مع فضائية الجزيرة، والتي أفادت أن مكالمته لم يظهر لها رقم وكانت تحمل "رقما خاصا" أي غير مسموح بظهوره، وموقف النيابة من عدم تنفيذ قرار القاضي باستدعاء الشهود، ثم قراره الأخير باستدعاء مرسي للشهادة أمام المحكمة، أليس هذا كله مثيرا للريبة والشبهات؟
وواقعة ضباط الشرطة وعناصرها المختطفين والموجودين في قطاع غزة، هي حالة اشتباه تمس أبعادا وجهات كثيرة، ولكن أقسى ما تكشف عنه أمران، الأول أن مرسي عندما التقى زوجات المختطفين، عرض عليهن حقهن الشرعي في الطلاق من أزواجهن المخطوفين دون أن يرقى إلى مستوى الالتزام بإعادة أزواجهن!! وهو ما رفضته السيدات المصريات. وإذا وجد أحد مبررا لهذا، فالأمر الثاني لماذا يكبل القرار السياسي القدرة المصرية على تخليص المختطفين من سجنهم، وأعلم أن القدرة متوفرة مهما كان ثمنها، ولكن ما تخفيه الأنفس يفتح باب الريبة والاشتباه. ولعل مرسي كان صغيرا في السن ولا يذكر واقعة قامت بها المخابرات المصرية عندما جلبت عميلا للموساد من إيطاليا وكان بطل هذه العملية الطالب سمير الإسكندراني بالأكاديمية المصرية في إيطاليا وهو الفنان المعروف.
ولعل مرسي لا يعلم قصة الحفار "كينتنج" الذي جلبته إسرائيل لاستخراج البترول من خليج السويس وقامت المخابرات المصرية والقوات البحرية بتدميره في 8 مارس 1970 قبالة ساحل العاج، وحرمت العدو من إعمال إرادته، وهؤلاء الرجال أبناء مدرسة مصرية لم تغلق أبوابها بعد وتستطيع أن تحقق أهدافها إن توافرت الإرادة السياسية. وما يزيد الريبة والشبهة أن ينقل رئيس حزب الوسط عن الرئيس قوله إن المخابرات المصرية أقامت تنظيما من 300 ألف بلطجي وإنها سلمت التنظيم للداخلية! فمن يثير الريبة ومن محل الاشتباه.
وتصل الريبة إلى مجال الأمن القومي المصري، وله أدوات حمايته، ولا يمكن أن يتعارض أي تصريح أو أداء سياسي مع موجباته.
الخطر يحيط بمصر، ولكن هل تستوعب السلطة في مصر بعد انتخابات الرئاسة أبعاد هذا الخطر حتى تكتسب شرعيتها بمواجهة هذه الأخطار.
لقد تحولت مصر بعيدا عن مهامها تجاه حدودها وأمنها وحقوقها الاقتصادية وأمن مياه النيل، فصارت السلطة محل الاشتباه، لا تجدي التصريحات ولا محاولات المصالحة ولا التشريعات التي يجري صياغتها لحماية هذه السلطة، وليس المواطن والوطن.
جلبة شديدة حول حلايب وشلاتين على الحدود المصرية السودانية، فبينما تفقد حكومة السودان ثلث السودان، تتصارع السلطة هناك وفي مصر حول ما إذا كانت حلايب وشلاتين موضع نقاش بينهما أم لا؟ هذا الجدل العقيم بينما السودان مهدد بضياع دارفور وشرق السودان في متوالية انفصال هي خطر على مصر، والتغاضي عن الدور الإسرائيلي هناك هو هروب من المسؤولية. إن نظام ما بعد يناير لا يجب أن يعتبر العلاقة مع السودان محل مناورة، بل هي مسألة أمن قومي، يترتب عليها التزامات كما الالتزام تجاه الأرض المصرية، حجم الريبة في هذا الغياب وأسبابه يضع السلطة ومرسي محل الاشتباه.
والنظر إلى العلاقات العربية ــ العربية على أنها مجرد مصدر للإعانة أو التسول هو خطر يأخذ من مصر ولا يضيف إليها، ويكشف نهج سلطة التسول القائمة، ومثير للريبة، أن نظاما ينظر تحت قدميه لا يرى المستقبل ولا يستطيع التعامل معه.
إن كافة الإخفاقات العربية في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين وليبيا وتونس والسودان والخليج العربي تصب في الأمن القومي المصري أعباء إضافية وخطرا يتعاظم كلما طال زمن غياب الوعي به وعدم امتلاك إستراتيجية للتعامل تطمس ما بقي لمصر من وزن إقليمي لتتحول من معامل قوة إلى معامل ضعف للأمة.
إن العلاقات الدولية والعلاقات في الإقليم إن لم تملك رؤية تحدد مصالح الوطن وانتماءه العربي هي مجرد وهم، وتحيل مصر إلى التبعية حتى يتحقق للسلطة القائمة مجرد الوجود. القضية الفلسطينية ليست مجرد مصالحة بين سلطة وحكومة مقالة، القضية الفلسطينية قضية الوجود العربي. والعلاقة مع إيران ليست صراع سنة وشيعة، ولا هي نقل حرفي لنظام الجمهورية الإسلامية، ولا يمكن الاعتماد على وعي النظام الإيراني بحقيقة مصر وشعبها، وأن يميز بين ما هو طارئ وما هو أصيل في الوجود المصري، ولكنه يتطلب قبول تحدي بناء العلاقات الناضجة وليست صريعة أهواء أفراد أو جماعات، وتتفق والرؤية الأمريكية الإسرائيلية تجاه المنطقة.
لقد تحولت العلاقات الخارجية من علاقات الدولة المصرية والخارج إلى علاقات جماعة الإخوان والخارج، وغابت الخارجية المصرية، وحل محلها مسؤول العلاقات الخارجية للتنظيم الدولي.
إن تجاوز مقتضيات الأمن والعدالة وأسس العلاقات الدولية والانتماء العربي ومقتضياته، هي أسباب الريبة في أهداف هذا النظام، ولا يمكن تجاوز حالة الاشتباه فيما يفعل.
وقائع الريبة تشمل غير السلطة المعارضة التي تواجهها، فهي في حالة ترد متوال، لم يترك يقينا لدى الشعب أنها تعبر عنه مما أفقدها مصداقية ما تقول، والأمور عندها تتلون وتتوالي التنازلات من سيئ إلى أسوأ غير آبهة بما يجري نتيجة الانهيار هذا، وصارت والسلطة ومولاتها كأفرع للنظام السابق، وكان الهدف إسقاطه والقضاء على الفساد الذي أنتجه وتجاوز عجزه عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية فصار الحاضر بعد الثورة صورة مسخ للنظام الذي ثارت عليه.
عندما يشتبه شرطي في شخص يقوده لمركز الشرطة ويطبق عليه القانون، وعندما يجري الاشتباه في السلطة والمعارضة فمن يكون الشرطي، خاصة وأن الشعب يرفض كلاهما.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
4308
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2613
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام رمضان؟ ولماذا نستطيع في تلك الأيام أن نترك عادات سيئة، ونلتزم بالصلاة، ونقرأ القرآن براحة وطمأنينة… ثم بعد انتهاء الموسم نعود أحيانًا كما كنَّا؟ هذه المواسم ليست عبثًا، بل جعلها الله محطات متكررة لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل. رمضان كان ثلاثين يومًا من التدريب الحقيقي على الصبر والانضباط وتزكية النفس، ثم جاءت العشر المباركة والحج بعده بفترة قصيرة لتعيد شحن القلب من جديد وكأن الله يمنحنا فرصة أخرى حتى لا تبهت أرواحنا وسط زحمة الحياة. لكن السؤال الأهم: كيف نستفيد فعلًا مما مضى؟ وكيف نجعل أثر رمضان والحج يستمر معنا؟ وكيف نحافظ على أنفسنا من العودة للعادات والسلوكيات السيئة التي حاولنا تركها؟ رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبًا عمليًا على التحكم بالنفس. خلال ثلاثين يومًا تعلّمنا أن الإنسان قادر على تغيير عاداته إذا امتلك الإرادة. استطعنا أن نبتعد عن أشياء اعتدناها سنوات، وأن نقترب من القرآن والصلاة والدعاء والهدوء الداخلي. ثم جاءت أيام الحج والعشر المباركة لتذكّرنا بمعنى الطهارة الحقيقية، والتجرد لله، والشعور بأن الدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا التعلق والانشغال، لبسنا الإحرام ومشينا ورمينا واستعدنا ذكريات جدنا إبراهيم الخليل صلوات ربي وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. هذه المواسم ليست لحظات مؤقتة فقط، الدين يهتم بالسلوك بالعادات والتعامل بعلاقتك مع الآخر، الدين ليس ركوعا وسجودا فقط، الدين معاملة ونهج حياة. ولذلك فإن أهم محطة يجب أن نتوقف عندها بعد رمضان والحج هي "المراجعة". ماذا تغيّر فينا؟ ما العادة التي استطعنا كسرها؟ ما العبادة التي قرَّبتنا من الله؟ ما الشيء الذي شعرنا معه براحة وطمأنينة حقيقية؟ كثير من الناس يظنون أن التغيير يعني أن يصبح الإنسان كاملًا، بينما الحقيقة أن الاستمرار أهم من الكمال. فالله يحب العمل الدائم وإن كان قليلًا. ليس المطلوب أن تعيش بنفس قوة رمضان طوال السنة، لكن المطلوب ألا تنقطع تمامًا بعده هذا شي مهم جداً. ولكي نحافظ على الأثر الجميل لهذه المواسم، نحتاج إلى بناء عادات صغيرة وثابتة، فمثلاً صفحة قرآن يوميًا، ركعتا قيام ولو لدقائق، أذكار الصباح والمساء، صدقة بسيطة، أو حتى المحافظة على الصلاة في وقتها. هذه الأعمال الصغيرة تشبه القطرات التي تحافظ على حياة القلب مهما كانت الحياة مزدحمة. ومن الأمور المهمة أيضًا أن ننتبه للبيئة التي حولنا. فالإنسان يتأثر بمن يجلس معهم وبما يراه ويسمعه يوميًا. لذلك فإن الصحبة الصالحة، والمجالس الطيبة، والابتعاد عن كل ما يعيدنا للعادات السيئة… كلها أسباب تساعد على الثبات والاستمرار. كما يجب أن نفهم أن العودة لبعض الأخطاء لا تعني الفشل. كل إنسان يضعف ويتعثر، لكن الفرق الحقيقي بين الناس هو سرعة العودة إلى الله وعدم الاستسلام. الطريق إلى الله ليس طريقًا بلا أخطاء، بل طريق مليء بالمحاولات والرجوع والتوبة والاستمرار. لقد خلق الله لنا رمضان كفلتر ينظف القلب خلال ثلاثين يومًا، ثم أتبع ذلك بالعشر المباركة والحج بعد شهرين تقريبًا حتى تبقى الروح متصلة بالله وحتى لا نغرق طويلًا في انشغالات الدنيا. وكأن هذه المواسم محطات صيانة للقلب يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته ويتذكر لماذا خُلق وإلى أين يسير. فالسعيد حقًّا ليس من تأثر في رمضان فقط، أو بكى في عرفات فقط، بل من حمل أثر تلك الأيام معه بعد انتهائها. من أصبحت عبادته سلوكًا وأخلاقه نهج حياة وقلبه أهدأ وعلاقته بالله أقرب وأصدق. نسأل الله أن يجعل أثر رمضان والحج باقيًا في قلوبنا وأن يرزقنا الثبات بعد الطاعة والاستمرار بعد المواسم لأن الفرص لها عدد فلا تضيعها لكنك لن تجد ما تقوله لربك إذا وقفت بين يديه.
2289
| 02 يونيو 2026