رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
على طريق صلاح سالم إلى جوار أبراج قلعة صلاح الدين بالقاهرة، منحدر بمجرد أن تنهيه وتصل إلى أدنى نقطة فيه وتترك السيارة بدون تعشيق، حتى تعكس السيارة حركتها صاعدة المنحدر عكس قوانين الطبيعة. البعض يحيل الأمر إلى وجود قوة مغناطيسية، وكان يمكن رصدها بوسائل أخرى إن كانت موجودة. والبعض الآخر يحيل الظاهرة إلى وجود تركيب جيولوجي يقع فيه المنحدر الظاهر على منحدر آخر عكسي. والظاهرة لا تخلو شعبيا من الإحالة إلى الجن والعفاريت، هروبا من عجز التفسير. هذا واقعنا الحالي، نحن نصر على صعود منحدر ونفسره بتأويلات لا علاقة لها بالإرادة ولا بالعلم، وكأننا نحيا في كوكب القرود، أو احتلت القرود كوكبنا، ولسنا من البشر، وكأن هناك غزوة "من وهم الخلافة" تسعى أن تطيح بمن خلق الله من بشر فوق أرض مصر، خارجها.
أعرض هنا لرأي اثنين من الأصدقاء حول جوهر الخلاف في مصر، ولأن الآراء لا تكفي فسأعرض لموقفين في واقعة محددة، إيضاحا لما نحن مقبلون عليه.
قال الأستاذ محمد عبدالكريم المحامي، إن جوهر الخلاف بين الجمهورية والخلافة الإسلامية أن الصراع الآن بين حقيقة تحاول أن تتمكن من مكانها فوق أرض مصر "الجمهورية"، ومكوناتها ثلاثة: "الشعب" مصدر السلطة، و "تكافؤ الفرصة" بين أبنائه وهي العنصر الثاني المكون لمعني الجمهورية وعنصرها الثالث هو "جيش وطني قوي" يعي أن الوطنية ليست مجرد مواجهة الخطر الخارجي المسلح ولكن للأخطار الخارجية استراتيجيات، تملك الأدوات الأعمق من السلاح ومن مجرد الحرب. وطرف الصراع الآخر فكرة "الخلافة"، جاءت من كهوف لم تقرأ التاريخ، حتى تاريخ الخلافة، ولكنها تهرب من واقع حياتي معاصر يتطلب إمكانات ورقيا وعلما وتجددا في المفاهيم وخروجا من غياهب التنظيمات السرية وقوانينها، إلى استدعاء لتاريخ لا تملكه وحدها بل تملكه البشرية كلها والعرب جميعا، هم يحاولون صعود منحدر حضاري يدفعوننا إليه. هروب إلى الأمام وليس تحمل لمسؤوليات واقعة أمام الأعين والإرادة، بعد أن سرقوا الثورة، يغتالون الجمهورية، وكل الخلافات الجارية هي مظهر من مظاهر الاغتيال.
وتدخل المهندس محمد السباعي في الحوار مبديا رأيه "Top of Formحين يظن البعض أننا ندفع بصخرة الوطن في منحدر الصعود فإننا أمام من يرى الوطن "صخرة" ويرى طريق الصعود "منحدر" وأعتقد أن من أطلق هذا التشبيه، قد خانه التعبير فلا يمكن شرح السقوط الحر بمعادلات قانون الطفو فالسقوط الحر يرتبط بعجلة الجاذبية الأرضية بينما قانون الطفو يتعلق بحجم الجسم الطافي وكثافة المائع. وعلى ذكر المائع فإننا أمام مائع عالي اللزوجة يدفعنا للتفكير في قوانين حركة الموائع والعلاقة العكسية بين الضغط والحجم ودرجة الحرارة.
الواقع يشير أن الضغط يقع فقط على الشعب وتُمارِس فنونه ببراعة الإغواء والتصيد من كافة الأطراف التي تملك منابر نظامية كانت أو شعبية أو تحت الطلب وكلما يزيد الضغط يقل الحجم وتقل درجة الحرارة لكن السرعة تزيد، والسرعة هي معدل تغير المسافة هي حركة في اتجاه، ومن الصعب التصور أن الاتجاه هو منحدر الصعود!! والحقيقة أنها حركة بلا اتجاه فقط تحفيز لعناصر متحركة تتطاير بعشوائية بطاقتها المكتسبة من الضغط وقد تصيب إليكترونا فتطرده من مداره وتحول عنصرا خاملا لعنصر نشط وقد تؤدي لانشطار أو اندماج ينتج عنه مالا يمكن احتواؤه من طاقة. وأما الحجم فهو الخدعة الحقيقية فالبالون قبل ملئه بالهواء يمكن وضعه في حقيبة صغيرة لكن وهو ممتلئ يبدو عملاقاً، وهذا حال كل ما يدور في حلقات السياسة يستغلون حيز من الفراغ بقدر ما بهم من هواء وبتسخين الهواء، يرتفع البالون ويسيطر على ما حوله لكن مع أول اختبار لتسرب الهواء الساخن من أعلى يحترق البالون ويسقط كبالون الأقصر، وبرغم أنه بالون هواء ساخن إلا أن الإعلام يقرر أنه بالون هيليوم، وبرغم أن الهيليوم غاز خامل لا يشتعل ولا يساعد على الاشتعال إلا أنهم أقنعوا الشعب أن البالون انفجر وأنه كان بالون هيليوم.
المشكلة التي نواجهها كـ"شعب" أننا لا نعرف الحجم الحقيقي لكل البالونات الممتلئة من حولنا ولا نراها إلا ممتلئة بالهواء ومحلقة في السماء فلا نعرف قدرة أجهزتنا السيادية لمقاومة تسريب الهواء الساخن من أعلى ولا قدرة قواتنا المسلحة في بقاء منطادها محلقاً. ونأتي لدرجة الحرارة، رفع درجة الحرارة يحتاج للطاقة فيبدو أن كل الطاقة المتوفرة يتم استخدامها في العبث بدرجة حرارة الشارع فليس كل ما يتم سرقته يتم تهريبه وبيعه في غزة.
وبالنظر لحالة تميع الشارع وتعرضه للضغط والحرارة وخداعه بالحجم نجدنا أمام حوار ثنائي بين أنظمة وتنظيمات، ودون أي تحفظ أو تريث فإن تنظيم الإخوان يدفع بالمائع الأعظم نحو أممية الخلافة ويتجاوز العقبات المتتالية بتمرير قانوني أو قرارات نصف إلهية أو بالضغط في الشارع سواء بالترهيب أو استخدام العنف المباشر. ونرى النظام متمثلا في مؤسسات سيادية وفي القوات المسلحة تحاول الدفع بالمائع الأعظم نفسه للتمسك بالجمهورية في مواجهة الأممية وكلما يزيد المائع في الفوران تصدر بيانات أو إشاعات أو تصريحات تمر أو حتى يتم تكذيبها للتشكيك في "الحجم" الحقيقي للتنظيم أو للنظام وآخرها وأكثرها فجاجة هو ما قيل عن المخابرات العامة، لم تكن الفجاجة من طرف من قال فقط، بل أتت ردود الأفعال لتدين من تحدثوا بها، فيخرج بعض وكلاء الجهاز ليطمئنوا "الشعب" أن المخابرات العامة لديها كل ملفات الإخوان خاصة منظمة حماس الإخوانية وأعتقد أن هذا ليس تهديداً للإخوان بقدر ما أراه تخاذلا وإدانة لتلك الأجهزة السيادية ذاتها، فما هي تلك الملفات، ولو كانت تدين تنظيم الإخوان فكيف سمحت تلك الأجهزة لتنظيم مدان أن يصل لحكم مصر وما صلاحية هؤلاء الوكلاء لإصدار تلك التصريحات وماذا يمكن أن يحدث لو فتحت تلك الملفات؟ والأدهى هو ظهور الأجهزة السيادية والقوات المسلحة بدور "المراقب" وكأن قضية الحفاظ على الجمهورية هي قضية شعبية وليست سيادية وكأن مقاومة الأممية هي هدف جماهيري وليست حفاظا على عقيدة وطنية هي صلب بناء تلك المؤسسات.
أعتقد أن صخرة الوطن تم إلقاؤها لأعلى وهي في حالة سقوط حر ما بين خلافة مصطنعة وبين جمهورية منكسرة وكلما سقطت بينهما يتم إلقاؤها مرة أخرى وأثناء صعودها وهبوطها يستمر العبث بتميع الشارع. حوار أطرافه ترى الواقع وتتلمس حدود المسؤولية، وبلغ الأمر التفكير في دعوة لتأسيس "حركة حماية الجمهورية". هي محاولة لتجاوز التفاصيل والأطراف المتعددة والتي لا يمنح الواقع وتاريخ السنوات الممتدة منذ إعلان الجمهورية في يونيو 1953 لها حق الولاية عليها، فأغلب المواقف لأغلب أطراف الصراع الآن كانت منذ اللحظة الأولى لإعلان الجمهورية في موقف معاد لها، خاصة جماعة الإخوان التي كانت رهينة وراثة الخلافة العثمانية.
يرى الأستاذ محمد عبدالكريم، أنه قبل إعلان الجمهورية كان الشعب يطيب له أن يكون من "عبيد إحسانات مولانا الملك"، بينما كان شعار الثورة "كلنا سيد في ظل الجمهورية"، غير أن طرح الخلافة الحالي يعيد الشعب إلى حالة الإحسان والزكاة بديلا عن ملكية السلطة ومصدرها، والتشارك في تنمية الإنتاج داخل المجتمع سبيلا لتحقيق العدالة الاجتماعية وتحت مظلة تكافؤ الفرص لكل الشعب وبدون تمييز على أساس ديني أو مذهبي.
كان هذا محاولة استطلاع قد يمتد بها الحوار لتستكمل أركانها، غير أن الواقع يعطي لنا مثالا لعل به بصيص نور، وجرت وقائعه في احتفال أقامه مجلس نقابة المهندسين بيوم المهندس المصري، لن نناقش دعوة الرئيس المنتخب إلى الاحتفال وتحويله إلى مظاهرة تأييد إخوانية له، ولكن سأعرض لموقفين ولهما دلالتهما على القادم في المستقبل ومن سيتحمل مسؤوليته؟ وفارق الإدراك للذات وقيمتها.
الموقف الأول من عضو مجلس النقابة مهندس عمر عبدالله والذي تولى مسؤولية ملف النقابة لعشر سنوات بجماعة الإخوان، وكان قبل الاحتفال بأسبوعين قد قدم استقالته مسببا لها "بعدم القدرة على التكيف مع متخذ القرار بالنقابة"، ثم يقبل من ذات "متخذ القرار" دعوته وتكريمه أيا كان مبرر التكريم، وأظن أن الاستقالة وقبول قرار التكريم يتناقضان لكونهما يتعارضان مع سبب الاستقالة.
الموقف الثاني اتخذته مهندسة شابة تولت أمانة سر لجنة انتخابات النقابة لأول انتخابات بعد 20 عاما، وهي المهندسة سمر المرزوقي، حيث تلقت اتصالا تليفونيا لدعوتها لحضور الحفل، وطلب منها المتصل الرقم القومي لعرضه على أمن الدولة. وكان الرد على الطلب علامة فارقة من شباب جيل جديد يعي قيمته ويحترم ما لديه من معلومات، فقد أجابت بأن الطلب للرقم القومي يدل على أنكم لا تعلمون أن الرقم القومي لكل المهندسين قد تم الحصول عليه أثناء الإعداد للانتخابات وهو متوفر بالنقابة وهذا في حد ذاته مشكلة، والمشكلة الأخرى عندما ادعي كمهندسة لحفل تقيمه نقابتي لا يجري عرض أمري على أمن الدولة ليرى إن كنت أحضر أم لا، وعليه رفضت المهندسة حضور المؤتمر "للتصفيق بعد استئذان أمن الدولة". نعم في ظل الثورة والجمهورية، يدرك المؤمنون بها قيمة أنفسهم، وحقهم، تدرك أنك "سيد" ولست "عبدا" أو "تابعا". أن تكون حرا هو شعاع النور الذي يؤكد أن للمستقبل صُنَاعه، وهم أصحابه ومالكيه، وسيبقى دائما في مصر طريقا للغد مهما كان الثمن، وللطريق حراسه وجنوده، ويملكون القدرة للدفاع عن أنفسهم وأمانيهم ولا يتعاملون بالقطعة، فالأشياء عندهم مترابطة غير قابلة للانفصام ولا للتبدل أو التنازل.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
640
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8976
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4899
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4245
| 23 سبتمبر 2026